العلاقة بين كأس العالم والسينما ليست مجرد منافسة، بل صراع على وقت الجمهور ووعيه وانتباهه واهتمامه وأولوياته، وعلى مدى نحو ثلاثة أسابيع منذ انطلاق صافرة افتتاح كأس العالم 2026 في الـ11 من يونيو (حزيران) الجاري دخلت السينما المصرية اختباراً موسمياً لا يُحسم في الغالب لمصلحتها، وعلى رغم أنه مشهد مكرر كل أربعة أعوام، فيبدو أن الأمر هذه المرة له أبعاد أخرى، بعدما وضعت السينما وصناعها خططاً دفاعية ذكية، لتستفيد من ظروف المونديال الأكثر إثارة للمصريين والعرب.
على رغم وعي صناع السينما المصرية وإدراكهم خطورة نسخة مونديال 2026، وشراسة منافسة كرة القدم وعشقها لدى الجمهور، وبخاصة أن المنتخب المصري يشارك في هذه النسخة مع منتخبات عربية أخرى قوية، فإن هذا لم يمنعهم من المغامرة المحفوفة بالأخطار بطرح أفلام متنوّعة تجمع بين الإنتاج الضخم والمتوسط، والمواضيع الرومانسية والكوميدية، وأيضاً الأكشن والتشويق.
وعلى رغم وضع الجميع وجود احتمالات الخسارة طوال فترة المباريات والمنافسات، التي تنتهي في الـ19 من يوليو (تموز) المقبل، فإن الأمور سارت بصورة أكثر تعقيداً تخرج عن كل التوقعات والحسابات، مما اضطر صناع السينما إلى وضع خطط دفاعية، لحماية أعمالهم من الخسارة في هذا الموسم الصيفي، الذي يشهد نشاطاً استثنائياً رغم الأحداث الكروية الشديدة الأهمية.
قبل انطلاق البطولة، كانت السينما المصرية تعيش واحدة من أفضل فتراتها منذ فترة، إذ طرح عدد من الأعمال التي نالت نجاحاً جماهيرياً ومادياً، وعلى رأسها" سفن دوجز" لأحمد عز وكريم عبدالعزيز وسيد رجب وهالة صدقي وناصر القصبي وسلمان خان ومونيكا بيلوتشي، و" أسد" لمحمد رمضان ورزان جمال، و" الكلام على إيه" لمصطفى غريب وأحمد حاتم ودنيا سامي وحاتم صلاح وجيهان الشماشرجي، وحسب البيانات والأرقام الرسمية لغرفة صناعة السينما المصرية حقق الأسبوع الذي سبق المونديال نحو 60 مليون جنيه (1.
200000 دولار) كإجمال إيرادات من الـ4 إلى الـ11 من يونيو، لكن بمجرد انطلاق مباريات كأس العالم حصد شباك التذاكر المصري في أسبوع 37 مليون جنيه فقط (740.
000 دولار)، حقق منها فيلم" سفن دوجز" 16 مليون جنيه (320.
000 دولار).
وطرح فيلم" الكراش" بطولة أحمد داوود وميرنا جميل داعماً شباك التذاكر ومحمساً الجمهور للإقبال، وحقق على مدار الأسبوع الأول من كأس العالم 5 ملايين جنيه (100.
000 دولار)، ليصل الإجمالي إلى نحو 42 مليون جنيه فقط في الأسبوع (840.
000 دولار)، وبهذا انخفضت الإيرادات نحو 18 مليون جنيه (360.
000 دولار) في أول أسبوع من كأس العالم، وهو تراجع يقترب من 35 في المئة مقارنة بمتوسط الأسبوع السابق.
وكان اليوم الأكثر ركوداً في شباك التذاكر المصري هو الـ15 من يونيو ليلة مباراة مصر وبلجيكا، التي انتهت بالتعادل بهدف لكل منهما، إذ حقق الإيراد اليومي يومها أدنى رقم منذ أسابيع وهو 3 ملايين و700 ألف جنيه مصري فقط أي نحو (74.
000 دولار).
لم يكن هذا التراجع نتيجة ضعف الأفلام أو تراجع الحملات التسويقية، بل كان انعكاساً مباشراً لتحوّل جماعي في تفضيلات الجمهور، الذي منح المونديال حق الأولوية بوصفه حدثاً نادراً وعابراً للروتين اليومي.
يقول الموزّع السينمائي محمود الدفراوي لـ" اندبندنت عربية"، إن إيرادات السينما المصرية بالتأكيد تأثرت بمباريات كأس العالم، لكن كان الأمر يبدو طفيفاً وطبيعياً في البداية بالأسبوع الأول، والمشهد ازداد وضوحاً مع المباراة الأولى للمنتخب المصري أمام بلجيكا، إذ أشارت التقديرات داخل السوق إلى أن بعض المجمعات السينمائية فقدت بين 40 و45 في المئة من متوسط إشغالها المعتاد، وبخاصة في حفلات الـ9 والـ10 مساءً، وهي ذروة التشغيل اليومية، مضيفاً أن خسائر هذا اليوم لا تعود فقط على السينما وبيع التذاكر، بل تمتد إلى كامل المنظومة الاقتصادية المحيطة بالعرض السينمائي، من المأكولات إلى الخدمات والعوائد التجارية المرتبطة بكل مقعد فارغ.
وعلى رغم الإحباط الطفيف الذي ترتب على الأسبوع الأول من مباريات كأس العالم تنبّه صناع السينما إلى أن الجمهور المصري وفقاً للإيرادات والحسابات التي حدثت في هذه الأيام يعزف عن دور العرض في يوم مباريات مصر تحديداً، إذ كانت مباراتها الأولى بالمونديال وفق الإيرادات علامة محبطة لصناع السينما، لكن نظراً إلى أن المباريات التي كانت متبقية بالدور الأول لمصر كان موعد عرضها الرابعة صباحاً لمباراة نيوزيلندا، والسادسة صباحاً في مباراة إيران انتبه الصناع إلى أن تلك الفروق في التوقيت ستبعدهم عن شبح الخسارة الفادحة، إذ سيكون جرى الانتهاء من كل الحفلات قبل مواعيد المباريات بساعات.
ولهذا تجرأ الصناع بطرح فيلم" القصص" لنيللي كريم وأمير المصري وصبري فواز، وبالفعل جاءت الإيرادات معقولة في الأيام التي لا يتنافس بها المنتخب المصري، أمّا يوم مباراة مصر ونيوزيلندا فكانت الإيرادات هزيلة على رغم كون المباراة في الرابعة فجراً، ولم يحصد شباك التذاكر سوى 5 ملايين جنيه فقط (100.
000 دولار)، بينما كان اليوم السابق للمباراة مجموع الإيراد 8 ملايين (160.
000 دولار) تقريباً.
أمام هذا التراجع جرى الدفع بفيلم كوميدي ضخم هو" صقر وكناريا" لمحمد إمام وشيكو ويسرا اللوزي ويارا السكري، ليصل عدد الأفلام إلى سبعة، ومع ذلك وصلت الإيرادات اليومية إلى 7 ملايين فقط (140.
000 دولار) ليلة مباراة مصر وإيران، وهو رقم هزيل مقارنة بعدد الأفلام والإنتاج الضخم.
بينما في ثاني أيام المباراة، حقق مجموع الإيراد اليومي نحو 11 مليون جنيه (220.
000 دولار) وحقق" صقر وكناريا" وحده نصف هذا الرقم، إذ حصد 5 ملايين و500 ألف جنيه (110.
000 دولار).
وربما التصاعد في بعض الأيام في الإيرادات حقق نسبة مقبولة، مما جعل المنتجين غير مترددين في طرح أعمال مختلفة بوتيرة منتظمة كنوع من الثقة في جمهور السينما، ودعم حماستهم اختلاف التوقيت بين مصر وكندا وأميركا والمكسيك، الذي لا يتعارض مع مواعيد الحفلات السينمائية التي تحقق الملايين، ويعتمد عليها صناع السينما بصورة أساسية في مكاسبهم من شباك التذاكر.
بينما في مونديالات سابقة، خصوصاً في نسختي 2018 و2022، كانت المباريات تتقاطع مباشرة مع مواعيد الذروة السينمائية، وهو ما كان يضاعف الخسائر.
ولهذا لم تتوقف السوق عن ضخ أفلام جديدة، بل استمرت بوتيرة شبه طبيعية، وبخاصة أن ماراثون سينما الصيف لا يحتمل التجميد.
اللافت أن الأسبوع الثاني من كأس العالم، وعلى مدار الأيام السبعة، حققت السينما المصرية 34 مليون فقط (680.
000 دولار)، ومع ذلك لا يعتبر خبراء الاقتصاد وصناع السينما هذه الخسارة كارثية، بل موقتة فقط تكشف عن إعادة توزيع واضحة للإنفاق الترفيهي داخل المجتمع المصري، والنقطة الباعثة على التفاؤل بالأمر من وجهة نظر المنتجين أن حصد تلك الإيرادات ولو بدت أقل نسبياً من المتوقع للمكاسب في هذا التوقيت يؤكد أن الجمهور لم يهجر السينما بالكامل، وأن هناك شرائح مختلفة لا يزال ترفيهها الأساس هو السينما بالصيف، ولا تعتبر كرة القدم أبرز اهتماماتها.
سينما أم مباراة: في التاسعة مساءلكن، لأن جنون نتائج كرة القدم دائماً يدفع إلى تغيير المعادلة، فبعد تعادل مصر وإيران ووصول المنتخب المصري إلى الدور الـ32 تغيرت الحسابات، وحدث الاختبار الصعب بتجدد الأمل في مواصلة منتخب مصر المشوار، وبلوغ أدوار متقدمة، وهذا قد يعني إعادة حسابات في التوقعات على مستوى الإيرادات، وبخاصة أن المباراة الأولى لمصر مع أستراليا في الثالث من يوليو ستقام في التاسعة مساءً بتوقيت مصر، وهنا تتعارض المواعيد مع أفلام السينما ويزداد الإحساس بأهمية المباريات لدى المصريين بعد حدوث منعطف تاريخي منتظر منذ 92 عاماً، إذ سيعتبر المصريون المرحلة القادمة ليست مباريات، بل هي أحداث وطنية جماعية تتوقف أمامها كل الأنشطة والاهتمامات، وكلما اقتربت مصر من إنجاز كروي منتظر في المراحل القادمة من المتوقع بل وشبه المؤكد أن كل صور الترفيه، وبخاصة السينما، ستتراجع لمصلحة كرة القدم.
وحسب توقعات المنتجين يمكن أن تصل خسائر بعض دور العرض إلى 60 في المئة في الليلة الواحدة، خصوصاً إذا أقيمت المباريات في توقيت مناسب للجمهور المحلي، ولهذا ستطرح خطط بديلة تفادياً للخسارة حسب تصريحات بعض الموزعين، إذ سيعاد ترتيب توقيت الحفلات السينمائية، وبعض المنتجين قرروا تأخير حملاتهم الدعائية، هذه المرونة تعكس نضجاً واضحاً في إدارة الصناعة في ظل الظروف الجديدة وتقدم المنتخب المصري.
وعلى جانب آخر، واستمراراً لإصرار بعض المنتجين على المنافسة الشرسة بين المونديال وصالات العرض السينمائي المصرية، ستطرح أفلام عدة خلال يوليو، منها" شمشون ودليلة" لمي عمر وأحمد العوضي، و" ابن مين فيهم" لليلى علوي وبيومي فؤاد، وهذا يعني أن المنافسة لن تهدأ قريباً، إذ تتصارع الشاشة الكبيرة وصافرة الحكم على تحديد مكاسب ماكينة التذاكر، والرهان هنا على قدرة الأفلام المطروحة أن تكون حدثاً يوازي المونديال، لا مجرد عرض جانبي على هامشه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك