أكدت الدكتورة فاطمة قمبر استشاري طب العائلة بمستشفى رويال البحرين، ان في العقود الأخيرة لم تعد الأمراض المزمنة مثل السمنة، السكري وارتفاع ضغط الدم تُفسَّر فقط من خلال العوامل المتغيّرة التقليدية كالغذاء وقلة النشاط البدني.
بل برز عامل بيولوجي مهم حظي باهتمام متزايد في الأبحاث الطبية، وهو الساعة البيولوجية أو الإيقاع اليومي للجسم.
وبينت دكتورة فاطمة أن هذا النظام الداخلي الدقيق يعمل على تنظيم وظائف حيوية في الجسم خلال دورة تمتد نحو 24 ساعة، تشمل النوم والاستيقاظ، إفراز الهرمونات، تنظيم درجة الحرارة وضبط عمليات الأيض مؤكدة ان يُدار هذا النظام من خلال مركز عصبي في الدماغ يتأثر بشكل مباشر بالضوء والظلام.
إذ يجب أن تتزامن دورة النوم والاستيقاظ مع دورة الليل والنهار الطبيعية.
فعند التعرض للضوء الطبيعي في النهار، يتم تنشيط إفراز هرمونات تساعد على اليقظة مثل الكورتيزول، بينما يُحفّز الظلام إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم النوم.
هذا التوازن الدقيق يشكل الأساس في الحفاظ على استقرار الوظائف الحيوية للجسم.
وأشارت الى أن نمط الحياة الحديث أدى إلى اضطراب متزايد في هذا الإيقاع الطبيعي بشكل ملحوظ.
فالسهر المتكرر، والعمل بنظام المناوبات الليلية، والاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية قبل النوم، إضافة إلى اضطراب موعد الوجبات الغذائية والسفر عبر المناطق الزمنية، جميعها عوامل تؤدي إلى ما يُعرف باختلال الساعة البيولوجية.
هذا الاختلال لا يسبب فقط ضعف التركيز والصداع، بل يؤثر على جودة النوم مثل الاستيقاظ المتكرر والكوابيس المزعجة.
ولا يتوقف تأثيره عند هذا الحد، وإنما يمتد ليشمل تغيرات عميقة في العمليات الأيضية والهرمونية داخل الجسم.
إذ تشير الدراسات أن اضطراب الإيقاع اليومي يرتبط بزيادة خطر الإصابة بعدد من الأمراض المزمنة.
فقد يُسهم في تطور مقاومة الأنسولين ومرض السكري من النوع الثاني، كما يؤدي إلى زيادة الشهية واضطراب هرمونات الجوع، مما ينعكس على زيادة الوزن والسمنة.
كذلك يرتبط بضعف الجهاز المناعي وارتفاع احتمالية الإصابة ببعض الأمراض السرطانية، إضافة إلى علاقته بأمراض القلب والشرايين وارتفاع ضغط الدم نتيجة خلل في تنظيم الجهاز العصبي الذاتي.
ولا يقتصر التأثير على الصحة الجسدية فحسب، بل يشمل الصحة العصبية والنفسية أيضاً، حيث أظهرت الأبحاث أن اضطراب النوم المزمن يؤدي إلى زيادة خطر الخرف، الأرق، تقلب المزاج، العصبية، ضعف القدرة على تحمل الضغوطات، إلى جانب القلق والاكتئاب، نتيجة تأثيره على توازن النواقل العصبية وتنظيم المزاج.
وأضافت، ورغم تحديات نمط الحياة السائد، فإن الدراسات تؤكد أن الساعة البيولوجية قابلة لإعادة التنظيم إلى حد كبير من خلال تغييرات سلوكية مدروسة.
من أبرزها محاولة الحفاظ على وقت نوم واستيقاظ منتظم، التعرض لضوء الشمس الطبيعي في الصباح الباكر، تقليل التعرض للضوء الأزرق من الشاشات الرقمية كالهاتف والتلفاز في ساعات المساء، ممارسة النشاط البدني بانتظام وفي وقت مناسب، وتنظيم مواعيد الوجبات الغذائية بحيث تتماشى مع النهار أكثر من الليل.
كما أن تقليل الوجبات المتأخرة يساعد في تحسين التوازن الهرموني والتمثيل الغذائي.
والجدير بالذكر أن بعض الحالات قد تستدعي العلاج تحت إشراف طبي.
.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك