لعل أكثر ما يثير الدهشة في ألف ليلة وليلة أنها مليئة بالألغاز التي تشغل النقاد والمؤرخين والقراء حتى اليوم، خصوصاً تلك المتعلقة بتأليفها وبالرموز الكامنة فيها، إلى حد أن الأمر أصبح يبدو وكأن هناك حكاية ضائعة لا يستطيع أحد إيجادها.
وفي كتاب" شيفرة الليالي العربية: قراءة في إحدى أهم السرديات الكبرى" (إبهار للنشر والتوزيع، القاهرة، 2026)، يحاول الباحث الإماراتي وأستاذ التاريخ الحديث بلال موسى العلي، اكتشاف هذه الحكاية التي تفتح بوابة تساؤلات تتجاوز جميع الإجابات ربما، سواء كانت واقعية أو متخيلة.
في حال تساءل البعض عن كيفية استمرار الأعمال الأدبية في التأثير، فإن الإجابة لا يمكن أن تتجاهل الدراسات التاريخية والثقافية التي تحاول العودة لاستكشاف العلاقة بين النصوص العظيمة والحياة المعاصرة التي نعيشها، ومن بين هذه النصوص ألف ليلة وليلة، التي استلهمها كتاب وفنانون ومخرجون ومسرحيون كثر حول العالم، فما الدافع لقراءتها مجدداً اليوم؟يقوم الكتاب على فرضية جريئة يريد منها بلال العلي وضع حد للتساؤلات التي دامت أعواماً طويلة بخصوص أصول ألف ليلة وليلة ومؤلفيها، إذ يرى أن جماعة إخوان الصفا (القرن العاشر الميلادي) هم المبدعون الفعليون الذين ظهرت على أيديهم الحكايات بطابعها الثقافي العربي، ذلك أنها تختزن الكثير من الرموز والمعاني الفلسفية والمعرفية، التي تعمدت الجماعة إخفاءها في القصص وفي التفاصيل السردية التي لم تكن مقصودة بحد ذاتها، إنما شكلت برأيه، وعاء لحماية هذه الأفكار وإبقائها بين الناس.
وإن كانت هذه الفرضية تعد دافعاً جديداً لإعادة قراءة الليالي عبر وعي مسبق باحتمالية واقعيتها، فإن المؤلف يشير أيضاً إلى الجوانب المشتركة بين ألف ليلة وليلة ورسائل إخوان الصفا، ومنها الجهل بالشخص أو الأشخاص الذين ألفوا الكتابين، والموسوعية المشتركة بينهما عبر معالجة كلٍ منهما لمواضيع الصراع بين الأخلاق والرغبات أساساً للبنية الفكرية والحكم والقصص التي يوردها الكتابان بأساليب سردية قد تتقاطع أحياناً، إذ تكون القصص على لسان الحيوان مثلاً، وتكون الموعظة فيها عميقةً تشمل جوانب دينية وإنسانية، إلا أن الفرق الجوهري برأيه، والذي جعل ألف ليلة تبقى وتشتهر على حساب الرسائل، هو استمرار حكاياتها بالتوالد والنمو.
يفترض المؤلف أن الليالي كانت مجرد نسخة شعبية لكتاب آخرهل يمكن قبول فكرة أن ألف ليلة وليلة كانت مجرد نسخة شعبية لكتاب آخر أكثر تعقيداً ونخبوية؟ إن التفكير في هذا الأمر اليوم كما يطرحه مؤلف الكتاب، يثير تساؤلات تتجاوز تاريخ الليالي نفسه، فانتقال الأفكار من النخبة إلى العامة عبر الحكاية يفتح نقاشاً لا يزال قائماً حتى عصرنا: كيف تنتقل المعرفة من الدوائر المغلقة إلى الجمهور؟ وهل تحتاج الأفكار الكبرى دائماً إلى أن تتخفى داخل قصة ممتعة حتى تبقى وتنتشر؟ وإذا صح أن جماعة مثل إخوان الصفا لجأت إلى السرد لإخفاء فلسفتها، فإن ذلك يعني أن الحكاية لم تكن وسيلة للتسلية فحسب، بل استراتيجية ثقافية لحماية المعرفة وضمان بقائها.
إن مسألة إيصال الأفكار من خلال التسلية أو نقل الأخبار، تتكرر بأشكال مختلفة اليوم في الأفلام والروايات والألعاب الرقمية، وعبر وسائل الإعلام الإخبارية التي أصبحت تتعامل مع الخبر على أنه قصة يعاد بناؤها وتقديمها للجمهور، وفي جميع الحالات، تتخفى الأسئلة الفلسفية داخل أعمال تبدو في ظاهرها ترفيهاً خالصاً أو نقلاً للمعلومات، غير أن هذا التصور على جاذبيته، لا يفسر وحده سر خلود ألف ليلة وليلة.
إذ كما يذهب الناقد محسن جاسم الموسوي في كتابه" مجتمع ألف ليلة وليلة"؛ فإن قوة الليالي لا تكمن في احتمال انتمائها إلى نخبة فكرية بعينها توصل رسائل معينة، بل في قدرتها على التحول إلى صورة كاملة للمجتمع، تستوعب الأسواق والقصور، والنساء والرجال، والتجار والفقراء، والعلماء والمحتالين، وتجعل الحكاية نفسها أداة لفهم السلطة والرغبة والثقافة والمدينة والخيال.
يقود هذا إلى رؤية نقدية تاريخية تجاهل العلي جزءاً منها، فبينما يقول إن الحكايات تعرضت للتطوير والإضافة والحذف طوال عقود، وإنها في الآن ذاته احتفظت ببنية أساسٍِ تناولت المجتمع بصورة نقدية ثقافية، يهمل أنها شكلت وثيقة حضارية تكشف روح العصر الوسيط وتضيء كثيراً من أسئلة عصرنا، فالفكرة الكبرى في ألف ليلة وليلة تتجاوز مجرد الوعظ الأخلاقي والفلسفي لدى إخوان الصفا، فالحكاية تنقذ الحياة، لأن شهرزاد تسرد لتؤجل موتها ليلة تلو أخرى، في إشارة إلى أن الإنسان يحيا بقدر ما يستطيع أن يروي وأن يمنح العالم معنى.
يهمل الكتاب أنها شكلت وثيقة حضارية تكشف روح العصر الوسيطهذا المعنى، يتمثل في رمزيات كثيرة تحملها الحكايات، منها أن السلطة ليست سياسية فقط، بل سلطة معرفية وسلطة جسد ومال وحيلة، نجدها في معظم القصص التي تسمح مثلاً بتفوق الفقير على الغني، والضعيف على القوي، والخرافي على الواقعي، بفضل معارف متميزة أو تجارب وحكمة يملكونها.
أيضاً، تشكل الجغرافيا في القصص رمزاً للانفتاح على العالم ومختلف البشر، فالمدن ليست عربية فقط، والأشخاص ربما يكونون من الهنود أو الفرس أو سواهم، بل وينتمون إلى ديانات وثقافات مختلفة، وهذا يعني أن الشركاء في الخطاب ليسوا جماعة معينة في مكان وزمان يحكمه وعي فئات محددة.
إن المضامين الكامنة في الحكايات، تجعل منها نصاً قادراً على تجاوز زمنه وتجسيد مفاهيم حديثة، منها أن السرد وسيلة مقاومة للعنف والتهميش، وأن مواجهة القمع والظلم تحتاج لامتلاك المعرفة والقدرة على إيصال الرسائل للناس والمجتمعات، مثلما في قضايا متنوعة تناقشها الأعمال الأدبية اليوم، ومنها تغول الذكاء الاصطناعي مثلاً، أو الحروب المستمرة من أجل السيطرة على مصادر الطاقة والثروات، فكلها يعاد طرحها ضمن قوالب تجمع بين الواقع والخيال، أو تتجسد عبر أساليب فانتازية أو سحرية كما في أدب أميركا الجنوبية اليوم، وهو ما يوجد جميعه في ألف ليلة وليلة.
يحاول العلي القول إن للحكايات التي أبهرت ملايين القراء وترجمت إلى لغات عدة، أصولاً متنوعة ربما تكون هندية أو فارسية، إلا أن لصورتها العربية، مرجعية نخبوية لها أغراض فكرية وربما سياسية، وهو بهذا ينقل الجدل إلى ذروته، إذ يقابله مؤرخون ونقاد عرب وغربيون كثر، منهم سهير القلماوي ومحمود طرشونة، والفرنسي أنطوان غالان والألماني إينو ليتمان، وغيرهم، ممن حاولوا التحقيق في أصول نسخ الكتاب وتطور حكاياته، وخلصوا إلى أنه نص مفتوح ومتراكم عبر العصور، فالنسخة التي بين أيدينا اليوم تضم نصوصاً من حقب مختلفة (مملوكية وعثمانية ومصرية وشامية) كُتبت بعد زوال جماعة إخوان الصفا بقرون، مما يعني أن أثرهم فيها ضئيل، وربما يشير فقط إلى أن للحكايات قيمة فكرية وأدبية تستحق أن يستمر الاهتمام بها واستلهامها كما تُستلهم أعمال أخرى عظيمة حتى اليوم، كالإلياذة أو الديكاميرون.
تسهم هذه القيم ربما في جعل الحكايات تنجو من النسيان، لا لأنها أخفت أفكاراً فلسفية فحسب كما رأى الكاتب في أطروحته، بل لأنها بقيت مفتوحة على الإضافة والتغيير وإعادة بناء السرد، حتى غدت كتاباً لا يملك مؤلفاً واحداً بقدر ما يملكه مجتمع كامل، وربما لهذا السبب أيضاً ما زلنا نقرأ ألف ليلة وليلة اليوم؛ لأنها لا تقدم لنا أجوبة عن الماضي، بل تكشف أن الإنسان مهما تغير عصره، لا يزال يعيش داخل الأسئلة نفسها: كيف تتشكل السلطة؟ وكيف يقاوم الخيال العنف؟ ولماذا تظل الحكاية بعد قرون طويلة أكثر قدرة على البقاء من أي خطاب مباشر؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك