استنادا للتوجيهات السامية، تطرح هيئة تنظيم الاتصالات في سلطنة عمان مسودة لحظر حسابات المنصات الرقمية لمن هم دون الخامسة عشرة ضمن رؤية عمان 2040إعداد: مريم بنت سعيد بن مسعد الشعيلية، باحثة ماجستير القانون الجزائي، بكلية الحقوق في جامعة السلطان قابوس.
يحظى الطفل العُماني باهتمام ورعاية فائقة من قِبل الدولة في خططها الاستراتيجية، وذلك لتنشئته تنشئةً صالحةً وإبعاده عن كل ما يزعزع مبادئه، وضمان سلامته النفسية والاجتماعية والتعليمية والأمنية.
وفي ظل الطفرة الرقمية الهائلة والتمدد المتسارع لشبكات التواصل الاجتماعي، أصبحت الفضاءات الافتراضية بيئةً موازيةً تتشكل فيها أفكار وقيم الناشئة بمنأى عن الرقابة التقليدية.
ومن هذا المنطلق، جاءت التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – بإعداد الضوابط والآليات اللازمة لتنظيم استخدام الأطفال للمنصات الرقمية، كخطوة تهدف إلى الموازنة الحكيمة بين الاستفادة من معارف العصر الرقمي، وبين صون الهوية العُمانية الأصيلة وحماية النسيج الأسري والاجتماعي.
إن الفضاء الرقمي اليوم لم يعد مجرد مساحة للترفيه العابر، بل تحول إلى منصات ذات تأثير مباشر وعميق في تشكيل سلوكيات الناشئة.
وبسبب طبيعة الخوارزميات التي تعتمد على التتبع السلوكي، يجد الأطفال أنفسهم عرضةً لتدفق معلوماتي وبصري قد يؤدي إلى اضطرابات نفسية وانعزال اجتماعي، فضلًا عن المخاطر السيبرانية المرتبطة بالجرائم الإلكترونية.
ومن هنا، جاء التدخل التنظيمي ضرورةً ملحةً لحماية أجيالنا وصناعة بيئة افتراضية آمنة.
وتطبيقًا لمنهج الشراكة المجتمعية الذي يميز العمل الوطني، بادرت هيئة تنظيم الاتصالات بطرح “مشاورة عامة” حول مسودة لائحة تنظيم استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي.
والجدير بالذكر أن فتح الباب أمام الأسر والمختصين لإبداء آرائهم يعكس وعيًا حكوميًا بأن أمان الأطفال قضية مجتمعية شاملة، ويضمن الخروج بتشريعات تتسم بالواقعية وقابلية التطبيق.
وتتمحور ملامح اللائحة المرتقبة حول عدة ركائز أساسية، أهمها:1.
حصر المرحلة العمرية: وضع سياسات مرنة تحظر إنشاء الحسابات الشخصية لمن هم دون سن الخامسة عشرة.
2.
التزامات المنصات الرقمية: إلزام الشركات العالمية المشغلة بتفعيل أدوات حماية متطورة للتحقق من العمر، وتقرير مسؤوليات على الشركات المخالفة.
3.
تفعيل أدوات الرقابة لأولياء الأمور: تزويد أولياء الأمور بأدوات فنية وضوابط تتيح لهم إرشاد أبنائهم والتحكم في أوقات الاستخدام.
4.
تعزيز المحتوى الهادف: تشجيع صناعة محتوى محلي يملأ أوقات فراغ الأطفال بما ينمي قدراتهم المعرفية والتفكير النقدي.
ختامًا، تمثل التوجيهات السامية صمام أمان وخطوة استباقية مهمة نحو بناء مجتمع رقمي واعٍ ومسؤول.
ويبقى الرهان الحقيقي معقودًا على الوعي الأسري؛ فالقوانين واللوائح التنظيمية تأتي لتمكين أولياء الأمور ورفدهم بالوسائل التوعوية التي تعينهم على قيادة أبنائهم نحو الاستخدام الأمثل للتقنية.
وبذلك تُعد سلطنة عُمان نموذجًا يُحتذى به في الموازنة بين متطلبات الحداثة ومبادئ الأصالة، مؤكدةً أن سلامة الإنسان العُماني هي الثروة الحقيقية وأساس التنمية الشاملة لـ“رؤية عُمان 2040″.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك