لم يُنهِ اعتذار الفنان شادي جميل الجدل الذي رافق إلغاء حفله في دار الأوبرا بدمشق، بل فتح نقاشاً أوسع حول كيفية التعامل مع الفنانين الذين أعلنوا تأييدهم للنظام المخلوع.
وأعاد الاعتذار طرح أسئلة تتجاوز شادي جميل نفسه، حول حدود المسؤولية الأخلاقية، وما إذا كان القانون يفرض الاعتذار أصلاً، ومن يضع المعايير التي تحكم هذا الملف.
الاعتذار.
استجابة للضغط أم مراجعة حقيقية؟جاء اعتذار شادي جميل بعد أيام من قرار وزارة الثقافة إلغاء حفله، ثم تبعه الفنان علي دولة باعتذار مماثل، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الاعتذارات تعكس مراجعة ذاتية، أم أنها جاءت استجابة لضغط الرأي العام.
ويرى الكاتب والناقد علي سفر، في حديثه إلى موقع تلفزيون سوريا، أن الاعتذار لم يكن منفصلاً عن السياق الذي سبقه، قائلاً إن" الناس عندما يتحدثون بأمر ما وينتقل إلى المؤسسات ذات الصلة، يصبح الأمر جدياً، فتذهب الشخصيات الملامة باتجاه الاعتذار"، معتبراً أن انتقال الجدل من الشارع إلى المؤسسات هو ما دفع بعض الفنانين إلى مراجعة مواقفهم.
لكن سفر يرفض اعتبار الاعتذار نهاية القضية، ويقول إن" الاعتذار بداية الطريق، وليس نهايته"، مضيفاً أن الحكم على صدقه يبقى مسألة شخصية، وأنه لا يوجد تعامل موحد مع الجميع، لأن كل شخص ارتبط بسلوك مختلف خلال السنوات الماضية.
في المقابل، ينظر المحامي ياسر شالتي إلى المسألة من زاوية قانونية.
ويقول، في حديثه إلى موقع تلفزيون سوريا، إنه لا يوجد في القانون ما يُلزم شخصاً بالاعتذار لمجرد أنه أيد نظاماً كان قائماً، موضحاً أن المساءلة القانونية تبدأ إذا ارتبط الأمر بالتورط في الجرائم أو بتبريرها، لا بمجرد إعلان موقف سياسي.
وفي الشارع، ترى غادة (36 عاماً) من ريف دمشق أن الاعتذار كان يجب أن يأتي من صاحبه قبل أي ضغط، وتقول: " من دعم نظام الأسد ولو بكلمة يجب أن يستحي من نفسه ويعتذر من تلقاء نفسه، ليس بعد الضغط المجتمعي، لذلك بالنسبة إليّ هذا الاعتذار غير مقبول".
أما شقيقتها سناء، فتختلف معها، وتقول: " الفن لا علاقة له بالسياسة، هو غنى أغنية يمكن، لم يقتل أحداً.
عندما نحاسب القتلة والمجرمين دعونا بعدها نلتفت للمؤيدين بالكلام".
هل تنتهي القضية عند الاعتذار؟يرى سفر أن الاعتذار لا يكتسب قيمته من الكلمات وحدها، بل بما يتبعها من أفعال، معتبراً أن على من يعتذر أن" يبرهن على أرض الواقع" أنه راجع مواقفه، وأن يسهم في جبر الضرر الذي لحق بالسوريين، سواء عبر دعم المتضررين أو المشاركة في المبادرات التي يحتاج إليها المجتمع، لأن" الاعتذار وحده لا يكفي".
أما شالتي، فيؤكد أن النقاش الأخلاقي يختلف عن النقاش القانوني، موضحاً أن القانون لا يحاسب الأشخاص على تأييدهم السابق لنظام كان قائماً بحد ذاته، وإنما ينظر إلى الأفعال التي قد تشكل جرائم أو مشاركة فيها أو تبريراً لها، وهو ما يجعل كل حالة -بحسب قوله- تستوجب تقييماً مستقلاً.
بين تأييد النظام وتأييد الجرائمويشدد ياسر شالتي على ضرورة التمييز بين الموقف السياسي والمسؤولية القانونية، معتبراً أن" كل شخص متورط بجرائم يجب أن يدرس ملفه بشكل منفصل"، وأنه لا يجوز وضع جميع الفنانين أو الشخصيات العامة في خانة واحدة.
ويقول: " إن تأييد نظام كان يحكم البلاد ويحظى باعتراف دولي آنذاك يختلف قانونياً عن تأييد جرائم ذاك النظام أو التحريض عليها أو تبريرها".
مضيفاً أن القانون لا يعرف توصيفاً مثل" فنان مرتبط بالنظام"، بل ينظر إلى أفعال كل شخص على حدة.
يوضح: " القانون يستطيع أن يجرم الأسدية الآن، فأي شخص يدعم النظام المخلوع حالياً يمكننا محاسبته.
"في المقابل، لا يختلف علي سفر مع فكرة تقييم كل حالة على حدة، لكنه يرى أن النقاش لا يجب أن يبقى محصوراً في الإطار القانوني، لأن القضية، برأيه، تتعلق أيضاً بالمسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع، وبكيفية استعادة ثقة السوريين بعد سنوات من الاصطفاف إلى جانب النظام المخلوع.
جبر الضرر.
ماذا بعد الاعتذار؟وبالنسبة لسفر، فإن الاعتذار لا يمثل سوى الخطوة الأولى، أما الخطوة التالية فهي ترجمة هذا الاعتذار إلى مواقف عملية.
ويقول إن من أعلن دعمه للنظام المخلوع يستطيع أن يثبت صدق مراجعته لمواقفه عبر الإسهام في جبر الضرر، سواء من خلال دعم السوريين في المخيمات، أو مساندة الضحايا، أو المشاركة في مبادرات تخدم المجتمع، معتبراً أن المطلوب ليس" الاعتذار فقط"، وإنما أن يشعر السوريون بأن صاحب الاعتذار غيّر سلوكه فعلاً.
ويضيف أن دعوته لا تنطلق من الرغبة في إقصاء هؤلاء الفنانين أو التشفي منهم، بل من قناعة بأن المجتمع يحتاج إلى مراجعة صادقة، وأن من أخطأ يستطيع أن يستعيد جزءاً من ثقة الناس عبر أفعاله، لا عبر تصريح إعلامي فقط.
هل يقتصر الأمر على شادي جميل؟ولا يرى سفر أن النقاش يقتصر على شادي جميل أو علي دولة، بل يشمل -بحسب قوله- الممثلين والكتاب والشعراء والمثقفين، الذين أعلنوا دعمهم للنظام المخلوع خلال السنوات الماضية.
ويشير إلى أن بعض المؤسسات قد تضطر إلى التعامل مع عدد من هؤلاء بحكم استمرار الإنتاج الفني، لافتاً إلى أن اللجنة الوطنية للدراما تعمل على دعم صناعة الدراما واستمرارها، وقد تجد نفسها مضطرة للتعاون مع بعض الأسماء، إلا أن ذلك -برأيه- لا يعني انتهاء مسؤوليتهم الأخلاقية أو تجاوز مواقفهم السابقة.
ويضيف أن استمرار العمل الفني شيء، ومراجعة المواقف شيء آخر، معتبراً أن المجتمع قد ينشغل اليوم بإعادة بناء الدولة ومعالجة ملفات أكثر إلحاحاً، لكن ذلك لا يعني أن تلك المواقف ستُنسى أو أنها لن تعود إلى الواجهة مستقبلاً.
الازدواجية.
أين تكمن المشكلة؟وفي حين يطالب سفر بمراجعة أخلاقية تتجاوز الاعتذار، يرى شالتي أن التحدي الحقيقي يكمن في غياب معايير واضحة.
ويقول إن" المشكلة دائماً هي بالازدواجية"، مشيراً إلى أن التعامل مع شخصيات دون أخرى يثير تساؤلات حول عدالة القرارات، ويجعل الحاجة ملحة إلى سياسة واضحة تُطبق على الجميع، بدلاً من معالجة كل قضية بمعزل عن غيرها.
ويرى أن غياب معايير موحدة للتعامل مع مختلف الشخصيات العامة هو ما يثير الجدل، ويؤكد الحاجة إلى سياسة واضحة تُطبق على الجميع.
ويلتقي الرأيان عند نقطة أساسية، وهي أن التعامل مع هذا الملف لا يمكن أن يقوم على قاعدة واحدة تنطبق على الجميع؛ فسفر يرى أن لكل شخص مسؤوليته وسلوكه، بينما يؤكد شالتي أن لكل شخص ملفاً قانونياً مستقلاً، وأن الخلط بين الحالتين قد يقود إلى نتائج غير عادلة.
وحاول موقع تلفزيون سوريا الحصول على تعليق من وزارة الثقافة حول المعايير التي ستعتمدها في التعامل مع الفنانين الذين أعلنوا تأييدهم للنظام المخلوع، إلا أن الوزارة لم تستجب لطلب التعليق حتى وقت إعداد هذا التقرير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك