تخيل مشهدا تُغلق فيه المدارس أبوابها، وتتوقف حركة القطارات، وتُلغى الفعاليات الرسمية، بل وتُجبر المفاعلات النووية على التوقف في بعض البلدان، بينما يلوذ الناس بمنازلهم هربا من النزول إلى أعمالهم.
قد تظن للوهلة الأولى أن هذه الأخبار القاتمة تأتي من بلاد مزقتها الحروب، لكنها في الحقيقة تفاصيل واقع عاشته أوروبا؛ القارة المتقدمة العجوز التي استسلمت لموجات حارة تاريخية ضربت أرجاءها بعنف.
حطمت درجات الحرارة الأرقام القياسية في مختلف المدن الأوروبية، وكانت فرنسا في عين العاصفة؛ إذ تجاوزت الحرارة في بعض مدنها حاجز 44 درجة مئوية، في سابقة لم يشهدها الفرنسيون من قبل.
وبحسب وكالة الأرصاد الجوية الرسمية" ميتيو-فرانس"، فإن يوم الأربعاء، 24 يونيو/حزيران، دُون في سجلات التاريخ كأشد الأيام حرا في البلاد منذ بدء رصد درجات الحرارة عام 1947.
" يوم 24 يونيو الحالي كان أشد الأيام حرا في تاريخ فرنسا منذ بدء رصد درجات الحرارة عام 1947"ولم تكن بقية دول القارة بمنأى عن هذا اللهيب؛ ففي إيطاليا، رفعت وزارة الصحة" الإنذار الأحمر" في 18 مدينة، شملت حواضر كبرى مثل روما وميلانو وتورينو.
وفي بريطانيا، وتحديدا في ذات اليوم (24 يونيو/حزيران)، سُجل رقم قياسي جديد بعدما تخطت الحرارة حاجز 35.
8 درجة مئوية في بعض مناطق جنوب إنغلترا، لتصبح أعلى درجة حرارة تشهدها البلاد في أشهر يونيو/حزيران على الإطلاق.
list 1 of 2الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي.
التوظيف الأمريكي الداخلي والخارجيlist 2 of 2تركيا تفك شيفرة حرب إيران.
كيف تستعد أنقرة للحرب القادمة؟امتدت الأزمة لتشمل إسبانيا، حيث سجلت مدينة بلباو أكثر من 39 درجة، وهو الارتفاع الأعلى منذ عام 1950.
كما أعلن المعهد الوطني للأرصاد الجوية في بولندا عن ذروة قياسية جديدة بلغت 40.
5 درجة في مدينة سلوبيتسه الغربية.
وفي ألمانيا، كُسر الرقم القياسي بوصول الحرارة إلى 41.
7 درجة في بلدة كوشين القريبة من الحدود البولندية، بينما لحقت بها جمهورية التشيك بتسجيل 41.
9 في منطقة دوكساني شمال براغ.
ولم تكن هذه الموجة مجرد طقس عابر، بل كانت" قاتلة" بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ حيث أفادت منظمة الصحة العالمية برصد أكثر من 1300 حالة وفاة إضافية مرتبطة بالحر الشديد منذ 21 يونيو/حزيران.
وفي فرنسا وحدها، قفزت الوفيات بنحو ألف حالة فوق المعدل المعتاد منذ 24 يونيو/حزيران، وتركزت الفاجعة بين كبار السن الذين تتجاوز أعمارهم 65 عاما، لاسيما في منطقة" إيل دو فرانس" التي تشمل العاصمة باريس وضواحيها.
" رصدت منظمة الصحة العالمية أكثر من 1300 حالة وفاة مرتبطة بالحر الشديد في أوروبا منذ 21 يونيو"لطالما ارتسمت أوروبا في المخيلة الجماعية كوجهة صيفية مثالية، حيث يذوب جليد الشتاء ليفسح المجال لطقس معتدل ونسمات عليلة تداعب شواطئها.
غير أن هذا المشهد الساحر بدأ يتلاشى في السنوات الأخيرة؛ فمع تزايد تواتر الموجات الحارة، لم يعد ما يحدث مجرد عارض صيفي عابر، ولكنه إعلان صريح عن ولادة واقع مناخي جديد.
هذا الواقع المرير لا يتوقف عند حدود الحرارة القاتلة؛ فالقارة التي طالما تفاخرت بغزارة أمطارها ووفرة منابعها المائية، باتت اليوم تقف على أعتاب الجفاف.
أصبح مسؤولوها يحثون المواطنين على تقنين استهلاك المياه، في وقت يطلق فيه المزارعون صيحات التحذير من تراجع إنتاجية المحاصيل.
إنها أزمة تضع أوروبا أمام تهديد مباشر لأمنها المائي والغذائي، وتهز الاستقرار المالي للأسر، منبئة بتداعيات اقتصادية ممتدة، ومثيرة لتساؤل مقلق: لماذا باتت أوروبا أسرع قارات العالم احترارا؟ وأي مستقبل ينتظر القارة على الصعيد المناخي؟أسرع قارات العالم احترارا" هذه الموجة الحارة القياسية، تحمل بوضوح بصمات التغير المناخي"بواسطة فريدي أوتو - عالمة المناخ في إمبريال كوليدج بلندنالخبر الأسوأ أن هذه الموجة ليست الأولى التي تضرب أوروبا هذا الموسم، ولكنها ثاني موجة حارة تجتاح القارة في غضون شهرين، ففي مايو/أيار الفائت شهدت القارة العجوز ارتفاعا ملحوظا في درجات الحرارة، تبعته الموجة القياسية الحالية.
عن ذلك تقول عالمة المناخ في" إمبريال كوليدج لندن"، الدكتورة فريدي أوتو في تصريحات لمجلة العلوم الأمريكية" ساينتفيك أميركان": " هذه الموجة الحارة القياسية، تحمل بوضوح بصمات التغير المناخي".
في 26 مايو/أيار الماضي، حاولت المجلة تحري الأسباب الكامنة وراء تسارع آثار التغير المناخي، وخلص العلماء إلى أن السبب يرتبط بشكل مباشر بما يُعرف بـ" ظاهرة القبة الحرارية" (Heat Dome).
هذه الظاهرة المناخية تتشكل عندما ينحصر الهواء الساخن في منطقة جغرافية معينة تتعرض لضغط جوي مرتفع، يُشبهها العلماء بأنها أقرب ما يكون إلى" فرن مغلق" يحصر الحرارة داخل نطاقه دون تصريف، ما يحد من تشكل السحب أو هطول الأمطار، ويسمح لأشعة الشمس بتسخين اليابسة بشكل متواصل، حينها ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات غير معتادة، وبالتدريج تصير موجات الحرارة أكثر طولا وحدة.
" ترتبط موجات الحرارة الحالية بظاهرة القبة الحرارية، وتعني أن يُحبس الهواء الساخن في منطقة جغرافية تتعرض لضغط جوي مرتفع"أما العوامل التي تتسبب في تشكل القبب الحرارية، فأغلبها ذات صلة باحترار سطح مياه البحار والمحيطات نتيجة الاحتباس الحراري، وما يترتب على ذلك من تغير ما يُعرف بـ" التيار النفاث"، وهو تيار ضيق من الرياح السريعة يتدفق من الغرب إلى الشرق في طبقة التروبوسفير (طبقة الغلاف الجوي الأقرب للأرض)، ويتشكل نتيجة اختلاف درجات الحرارة بين الكتل الهوائية الباردة والدافئة.
يتسبب الاحترار العالمي في تغير مسار التيار النفاث مشكلا" أقواسا شمالية"، تحبس الهواء الساخن تحتها داخل ما يشبه" القبة"، ما يمنعه من الصعود أو التبدد، وهنا ينضغط الهواء ويزداد سخونة باستمرار، ما يتسبب في ارتفاع شديد بدرجات الحرارة على المساحات الممتدة.
تلك الكتلة المستقرة من الهواء الساخن ذات الضغط المرتفع، عادة ما تحتجز بين نظامين من الضغط المنخفض الأكثر برودة، ولهذا يطلق عليها في بعض الأحيان" حاجز أوميغا"، نسبة إلى شكل الحرف اليوناني" Ώ"، وهو أكثر الرموز شبها بالقبة.
السؤال الآن: ما الذي يجعل أوروبا أكثر القارات تأثرا بهذه الظاهرة؟ والجواب أنه على الرغم من أن متوسط درجات الحرارة العالمي آخذ في الارتفاع بشكل عام، لكن المدن لا تشهد ارتفاعا في درجات الحرارة بنفس المعدل؛ إذ ترتفع درجة حرارة اليابسة بوتيرة أسرع من البحار والمحيطات، كذلك تعد المناطق الواقعة ضمن خطوط العرض الشمالية العليا هي الأكثر تأثرا، بداية من القطب الشمالي، مرورا بشرق ووسط أوروبا، وصولا إلى الشرق الأوسط.
" منذ السبعينيات ارتفع متوسط درجات الحرارة في أوروبا بمعدل 0.
56 درجة مئوية لكل عقد وهو ضعف المتوسط العالمي"على مدار العقود الثلاثة الماضية، ارتفع متوسط درجات الحرارة العالمي بنحو 0.
27 درجة مئوية لكل عقد.
أما في أوروبا، فالوضع مختلف، فمنذ السبعينيات ارتفع متوسط درجات الحرارة بمعدل 0.
56 درجة مئوية لكل عقد، أي أكثر من ضعف المتوسط العالمي، والسبب في ذلك يعود إلى عوامل عدة، أولها هو تغير أنماط الطقس، فوفقا لـ" خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ" (C3S) التابعة للاتحاد الأوروبي، أدت التحولات في أنماط دوران الغلاف الجوي (مثل القبب الحرارية وتباطؤ التيار النفاث) إلى تكرار الموجات الحارة وزيادة شدتها أثناء الصيف.
أما العامل الثاني فهو تراجع الغطاء الجليدي في أنحاء أوروبا، حيث تعمل الثلوج على عكس أشعة الشمس إلى الفضاء، ومع تقلص الكتلة الجليدية تمتص الأرض والمحيطات قدرا أكبر من الحرارة، وهو ما يؤثر بالتبعية على تسارع وتيرة الاحترار المناخي، ويأتي العامل الثالث وهو قرب القارة الأوروبية من القطب الشمالي، الذي يوصف بالمنطقة الأسرع احترارا على سطح الكوكب، هذا القرب الجغرافي يزيد من تأثر القارة العجوز بالتغيرات المناخية.
" درجات الحرارة ستستمر في الارتفاع وتحطيم الأرقام القياسية، ما لم تتوقف انبعاثات الغازات الدفيئة"عن ذلك أفادت عالمة المناخ فريدي أوتو بأن مناخ العصر الحالي يختلف جذريا عن المناخ الذي نشأنا عليه في العقود الماضية، قائلة إن درجات الحرارة ستستمر في الارتفاع وتحطيم الأرقام القياسية، ما لم تتوقف انبعاثات الغازات الدفيئة، ويصل العالم إلى صافي انبعاثات صفرية.
وما لم يحدث ذلك فإن أجسامنا ومنازلنا التي نعيش فيها ومدننا، ستظل رهينة للاحتباس الحراري.
مستقبل غامض للأمن الغذائي" أوروبا هي أسرع قارات العالم احترارا، والمخاطر المناخية تهدد أمنها في مجالات الطاقة والغذاء، والموارد المائية والاستقرار المالي وصحة السكان"بواسطة وكالة البيئة الأوروبيةفي عام 2024، أعدت وكالة البيئة الأوروبية تقريرا لتقييم مخاطر تغير المناخ في أوروبا، وجاءت النتائج صادمة، فالقارة العجوز غير جاهزة لمواجهة المخاطر المناخية المتسارعة.
ويعني ذلك أن الموجات شديدة الحرارة والجفاف وحرائق الغابات والفيضانات، مرشحة للتفاقم في السنوات المقبلة لتغدو كارثة حقيقية، تهدد ملايين الأشخاص في أنحاء القارة.
بحسب التقرير، تحولت العديد من المناطق الأوروبية بالفعل إلى بؤر ساخنة، فالجنوب الأوروبي هو الأكثر عرضة لحرائق الغابات وتأثيرات الجفاف ومخاطر الأمن الغذائي، في حين أن المناطق الساحلية المنخفضة، مهددة بالفيضان.
تقول لينا يالا-مونونين، المديرة التنفيذية لوكالة البيئة الأوروبية: " تلك المخاطر تتزايد بوتيرة أسرع من استعدادات الدول الأوروبية لمواجهتها".
" الجنوب الأوروبي أكثر عرضة لحرائق الغابات وتأثيرات الجفاف، في حين أن المناطق الساحلية المنخفضة مهددة بالفيضانات"عادة ما تركز عناوين الأخبار على المخاطر الصحية لموجات الحر الشديد، لِما لها من تأثيرات تهدد الصحة العامة، وتنذر بزيادة الوفيات الناجمة عن الإجهاد الحراري.
لكن ماذا عن التأثيرات الأخرى التي تحدث في الخلفية؟يوم 24 يونيو/حزيران، أعلنت المنظمات الزراعية الفرنسية عن نفوق مئات الآلاف من الدواجن، جراء موجة الحر الشديدة التي اجتاحت البلاد، وذلك في أكبر مقاطعتين منتجتين للدواجن في البلاد، وهما بريتاني وباي دو لا لوار.
هذه التأثيرات طالت مربي الماشية كذلك، حيث قل إنتاج الأبقار للألبان بنسب وصلت إلى 20 بالمئة.
تتعرض الأبقار للإجهاد الحراري كما البشر، أما الدواجن فتخلو أجسامها من غدد التعرق، وعندما تعجز عن تبريد جسمها، تواجه مشكلات بالجهاز الهضمي وفشلا في الأعضاء، ولهذا تزداد أعداد الدواجن النافقة بارتفاع درجات الحرارة.
" خسرت فرنسا مئات الآلاف من الدواجن بفعل تداعيات الموجة الحارة"هذا الطقس المتطرف، لا تقتصر تأثيراته على الثروة الحيوانية فحسب، فالبحار والمحيطات تتأثر هي الأخرى بموجات الحرارة، وتنخفض مستويات الأكسجين في المياه، بما يهدد الثروة السمكية للبلاد، وفق ما أورده تقرير وكالة رويترز.
وأكثر من ذلك، يقول ريتشارد وايت، مدير مبادرات الزراعة في معهد الموارد العالمية (WRI): " بدون التكيف مع الارتفاع الملحوظ في درجات الحرارة واتخاذ التدابير اللازمة، ستؤثر الموجات الحارة على غلة المحاصيل الزراعية".
طالب وايت بضرورة البحث عن حلول قابلة للتطبيق، وابتكار أدوات تساعد المزارعين في الحفاظ على إنتاجيتهم في ظل التغير المناخي.
فبمجرد أن تتجاوز درجات الحرارة 30 درجة مئوية، يعجز المزارعون عن العمل في الحقول المفتوحة لما يشكله ذلك من مخاطر على الصحة، ومع تعاظم خطر الجفاف وندرة الأمطار، يزداد الوضع سوءا، لتعيد الحرارة الشديدة تشكيل خرائط المزارعين، والعبث بتوقيتات المواسم الزراعية التي كانت قائمة لقرون، فضلا عن تقليص حزمة المحاصيل الممكن زراعتها بفعل القيود المناخية القاسية.
كل هذه المتغيرات، تهدد الأمن الغذائي العالمي بمستقبل غامض، وتضع أكثر من مليار شخص حول العالم على حافة الجوع، بحسب ما ذكره بيان مشترك أصدرته كل من منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية.
في جنوب غرب فرنسا، انخفض منسوب مياه نهر غارون حتى وصل إلى مراحل خطيرة، ما اضطر السلطات لفتح بوابات سدود الطاقة الكهرومائية الممتدة في منطقة جبال البرانس، للحيلولة دون جفاف النهر.
هذا الإجراء ليس استثنائيا، ففي ذروة فصل الصيف، أحيانا يلجأ المسؤولون لتفريغ جزء من مخزون المياه لمواجهة ندرة الأمطار الصيفية، لكن لم يسبق لهم أن اضطروا لذلك" في وقت مبكر من الصيف"، بحسب تصريحات فرانك سولاكروب، المدير العام لمؤسسة نهر غارون وروافده في فرنسا.
كانت صحيفة" لوموند" الفرنسية قد تناولت الصلة الوثيقة بين موجة الحر الأوروبية وأزمة نقص المياه، مشيرة إلى تضرر العديد من الأنهار الفرنسية جراء ارتفاع درجات الحرارة، ومع قلة هطول الأمطار وانخفاض منسوب المياه الجوفية، ينذر الوضع الحالي لاحتياطيات المياه بأزمة طاحنة، قد تضطر على إثرها فرنسا لاتخاذ تدابير طارئة بشأن استخدام المياه.
" تواجه أوروبا درجات متفاوتة من الجفاف، تغطي ما يصل إلى 40 بالمئة من مساحتها"هذا الوضع المتأزم ليس قاصرا على فرنسا وحدها، إذ تواجه أوروبا درجات متفاوتة من الجفاف، تغطي ما يصل إلى 40 بالمئة من مساحة القارة، فيما وصفته بيانات المرصد الأوروبي بأنه أسوأ أزمة جفاف منذ أكثر من عقد.
لكن تداعيات الحرارة الشديدة والجفاف المصاحب لها تتجاوز الأمن المائي والغذائي إلى النمو الاقتصادي ومستوى دخل الفرد.
تظهر دراسة حديثة أجرتها مؤسسة" كلايمت أناليتكس" لأبحاث المناخ في يونيو/حزيران الحالي، أن الموجات الحارة والجفاف المصاحب لها، تعمل على تفاقم عدم المساواة في الدخل، وتدفع ملايين الأشخاص إلى عتبة الفقر، ومن المرجح أن تسهم موجات الحر والجفاف في تقليل مستوى دخل الأسر بنسبة 3 بالمئة في كل أنحاء أوروبا تقريبا.
" ما بين 60 إلى 127 مليون أوروبي معرضون لخطر الفقر بسبب التغير المناخي"وتشير التقديرات إلى أن المناطق التي شهدت موجات متزامنة من الحر والجفاف بين عامي 2004 و2022 قد شهدت انخفاضات في دخل الأسر أكبر بكثير، ففي مدينة مدريد الإسبانية بلغ الانخفاض ذروته بنسبة 10 بالمئة، بينما وصل الانخفاض في وسط إسبانيا إلى 8.
8 بالمئة.
وقد أشارت دراسة مؤسسة" كلايمت أناليتكس" إلى أنه في ظل التغير المناخي، هناك 60 مليون أوروبي معرضون لخطر الفقر، في حال ارتفعت درجة الحرارة بمقدار 1.
5 درجة مئوية، وهذا الرقم في حد ذاته معرض للتضاعف ليصل إلى 127 مليون شخص، إذا ارتفعت درجات الحرارة بمعدل 2.
7 درجة مئوية.
لذلك، حذر علماء الاقتصاد من التأثيرات السلبية لأزمة المناخ على النمو الاقتصادي، داعين الدول الأوروبية لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتعديل بنيتها التحتية المتقادمة للتكيف مع التقلبات المناخية.
وبحسب ما ذكرته" الغارديان" البريطانية في 26 يونيو/حزيران الجاري، فإن الظواهر المناخية القاسية قد تؤثر على الإنتاجية، بما يهدد اقتصادات أوروبا المتعثرة بالأساس، وتعد فرنسا وإسبانيا وإيطاليا أكثر الدول تضررا وفقا للتقرير.
المنازل الأوروبية كالأفران الملتهبةبين المؤشرات والأخطار الكبرى، لا يمكن تجاهل التأثيرات الفورية للحر على الحياة اليومية للأوروبيين.
تصرح مواطنة فرنسية لصحيفة الغارديان قائلة: " بيتي أشبه بالفرن، لا يطاق، وأخشى استخدام مراوح الهواء حتى لا ترتفع فاتورة الكهرباء، أنا منهكة جدا ومرهقة، فلا أنام إلا ساعتين كل ليلة".
لم تُشيَّد البنية التحتية الأوروبية لمواجهة الارتفاع الشديد في درجات الحرارة، على العكس من ذلك، صممت المدن الأوروبية بطرق تساعدها على الاحتفاظ بالحرارة لدرء برد الشتاء، ولهذا فعندما ترتفع درجات الحرارة بشكل حاد، تتحول المنازل إلى أفران ملتهبة تحرق قاطنيها.
لكن هذه المعاناة تتخطى جدران المنازل إلى المدينة الكبيرة، حيث تتصدع خطوط السكك الحديدية وتنقطع كابلات الكهرباء بفعل الحرارة.
" لم تُشيد البنية التحتية الأوروبية لمواجهة الارتفاع الشديد في درجات الحرارة"صنف علماء المناخ ظاهرة ارتفاع درجات الحرارة في المدن والمناطق الحضرية بفارق كبير عن الضواحي، باسم" ظاهرة الجزر الحرارية"، حيث جاء التصميم المعماري للمدن الحديثة على حساب الطبيعة والمناطق الخضراء، ما كان له بالغ الأثر على الارتفاع الملحوظ في درجات الحرارة.
تلك الظاهرة تناولتها بالبحث دراسة نشرت ضمن دورية" ساينس أوف ذا توتال إنفيرونمنت" عام 2016، شارك فيها أربعة باحثين من جامعة هومبولدت في برلين (قسم المناخ)، بالتعاون مع (قسم التخطيط البيئي) بجامعة برلين التقنية، وتناولوا بالبحث علاقة التخطيط العمراني بالمناخ عبر دراسة 70 مدينة أوروبية.
توصل مؤلفو الدراسة إلى أن ظاهرة الجزر الحرارية غالبا ما تنتج عن مجموعة من العوامل، أهمها هندسة الشوارع الضيقة، التي تمنع تهوية المدينة بشكل جيد وتعوق تجديد الهواء، إضافة إلى المواد الأسفلتية والخرسانية، التي تعمل على تخزين كميات كبيرة من الحرارة.
ناهيك عن الأنشطة البشرية، مثل السيارات وعوادمها، والأجهزة الكهربائية ومكيفات الهواء.
هذه الظاهرة بحسب الباحثين لا تفرق بين مدينة كبيرة أو صغيرة، إذ أصبحت سمة أساسية لجميع المناطق الحضرية تقريبا.
ومع استمرارية وتواتر الموجات الحارة في العقود الأخيرة، أفرد العلماء طرقا مختلفة لتبريد المدن، أبرزها ما أشار إليه البروفيسور ماتيوس سانتاموريس، أستاذ الهندسة المعمارية بجامعة نيو ساوث ويلز، والمتخصص في مجالات العمارة المستدامة والطاقة، وقد نقلتها بالتفصيل مجلة" ناشيونال جيوغرافيك".
" لا توجد مدينتان متشابهتان، كما أن أسباب احتفاظ المدن بالحرارة ليست بالضرورة واحدة"بواسطة البروفيسور ماتيوس سانتاموريسهناك اعتقاد سائد بأن كل المدن متشابهة في سبل تبريدها، وأن الحل الناجع لمدينة يمكن تطبيقه على أخرى والحصول على نفس النتائج.
لكن سانتاموريس يدحض هذا الادعاء قائلا: " إن التصدي لظاهرة الجزر الحرارية يتطلب دراسة دقيقة لخصوصية كل مدينة على حدة، وإلا فقد يأتي بنتائج عكسية، فلا يوجد حل واحد يصلح للجميع".
فالمدن القريبة من الصحاري، على غرار المدن الخليجية مثلا، تستفيد في تصاميمها المعمارية من الأسطح العاكسة لأشعة الشمس، لِما لها من تأثير على خفض درجات الحرارة والتقليل من كثافة الهواء الساخن فوق المدن، على النقيض من ذلك، نجد مدينة أثينا التاريخية، تنبع حرارتها من سلاسل الجبال المرتفعة المحيطة بها والتي تتسبب في انقطاع تدفق الهواء وإعاقة حركة الرياح، ما يعمل على احتجاز الهواء الساخن بداخلها.
لهذه الأسباب فإن الحلول المقترحة لمدينة أثينا اليونانية، تركز على تحسين حركة الهواء، من خلال زيادة المساحة الخضراء وزراعة النباتات والأشجار، كما تساهم الأسطح العاكسة للشمس في عملية تبريد أسطح المنازل، ما يجعل الهواء الملامس لها أكثر لطفا وكثافة، فيهبط إلى مستوى الشارع، ليفسح المجال للهواء البارد القادم من البحر.
وإلى جانب أسطح المنازل العاكسة لأشعة الشمس، تعد الأرصفة العاكسة إحدى الإستراتيجيات الفعالة لتلطيف الجو في المدن الحارة.
ففي عام 2024، نشرت مجلة" إنفيرونمنتال ريسيرش كوميونيكيشنز" البريطانية، نتائج دراسة ميدانية تناولت تأثير استخدام" أرصفة عاكسة" للحد من ارتفاع درجات الحرارة، وفيها اعتمد الباحثون على ألوان الطلاء الفاتحة، لِما لها من خواص تعكس جزءا كبيرا من أشعة الشمس.
اختير حي" باكوما" التاريخي بمدينة لوس أنجلوس الأمريكية موضوعا للدراسة، حيث ركب الباحثون الأرصفة العاكسة قبيل موجة صيفية حارة عام 2022.
وأتت النتائج مبشرة؛ إذ بلغ متوسط فروق درجات الحرارة في حي باكوما 1.
9 درجة مئوية في فترة الظهيرة، فيما انخفضت درجة حرارة الهواء المحيط بما يصل إلى 3.
4 درجة فهرنهايت مقارنة بالأحياء المجاورة.
أحد أكثر الوسائل شيوعا لتلطيف الجو هي زراعة الأشجار، فبعيدا عن أن أوراق الأشجار الكثيفة تحجب بشكل مباشر أشعة الشمس، فإن الأشجار لها قدرة" كيميائية" على تلطيف درجة حرارة الغلاف الجوي ليس فقط من خلال إزالة الكربون من طبقات الجو، ولكن أيضا من خلال إطلاقها للمركبات العضوية المتطايرة الحيوية (BVOCs)، التي تتفاعل مع غازات أخرى مكونة جزيئات لها خواص عاكسة لأشعة الشمس، وبعض هذه المركبات يشجع على تكوين السحب، وكلا الأمرين يساهم في تلطيف درجات الحرارة.
" قد يكون من الصعب إعادة بناء مدينة بأكملها، لكن اتخاذ تدابير للحد من الحرارة أمر ممكن"لكن ليست كل الأشجار كبعضها، فوفقا للدراسات هناك أشجار غير مناسبة قد تؤتي بنتائج عكسية حيث أن زراعتها، قد تزيد من درجة حرارة المدن ليلا، ولهذا ينصح الباحثون في مجلة" نيتشر" العلمية مخططي المدن بضرورة توخي الحذر، لتحقيق الاستفادة القصوى عند استخدام الأشجار للتبريد، وذلك لأن الأمر برمته يعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية: خصائص الأشجار، والظروف المناخية، والتخطيط العمراني الذي يختلف من مدينة لأخرى.
بالفعل، بدأت العاصمة الفرنسية في تبني حلول لمواجهة الموجات الحارة الأوروبية، ففي فبراير/شباط 2025، أعلنت بلدية باريس عن غرس آلاف الأشجار في شوارع المدينة، واستبدال أسطح المنازل الرمادية المصنوعة من الزنك، ببدائل تتناسب مع تغيرات المناخ.
كما تقرر زيادة نوافير مياه الشرب التي تطلق رذاذا، في محاولة لتلطيف درجات الحرارة خلال أشهر الصيف.
أما في برشلونة الإسبانية وبوينس آيرس الأرجنتينية، فقد اتجهت كلتا المدينتين نحو توفير ملاجئ مناخية مكيفة أثناء الموجات الحارة.
وفي لندن، أُعلن عن إنشاء ممرات خضراء لتلطيف درجات الحرارة وتوفير مسارات للمشاة، ووفقا للمسؤولين، فقد ساهمت زراعة الأشجار والنباتات في خفض درجات الحرارة من 3 إلى 8 درجات مئوية في بعض الأماكن.
فتقول عن ذلك روث إنغل، عالمة البيانات المتخصصة في ظاهرة الاحتباس الحراري بمعهد الموارد العالمية: " قد يكون من الصعب إعادة بناء مدينة بأكملها، لكن اتخاذ تدابير للحد من الحرارة أمر ممكن".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك