الأمة بين عوامل القوة واستحقاقات البقاء (2)النفوذ المستعار ومآزق الصمودلا تقاس منعة الأمم بما تمتلكه من أدوات نفوذ إقليمية أو دولية فحسب، بل بقدرتها على إدراك مصادر قوتها الحقيقية، وحسن توظيفها في الزمان والمكان المناسبين.
فكثير من الكيانات بدت منيعة في لحظة من التاريخ، لكن تبين أنها تستند إلى دعائم هشة سرعان ما انهارت عند أول اختبار.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين دعائم الصمود التي تبنى من الداخل، والنفوذ المستعار، الذي قد يمنح حضورا مؤقتا، لكنه لا يرسخ مقومات الاستمرار.
وفي هذا السياق، تتداول الذاكرة الشعبية في بلاد الشام، خلال فترة الانتداب البريطاني، ما يعرف بقصة" الغربال"، حيث عرف شاب مفتول العضلات بهذا اللقب.
إن أخطر ما تواجهه الأمم هو سراب الاقتدار؛ فالضعف يدفع إلى المراجعة والإصلاح، أما الوهم فيدفع إلى الغرور وإنكار الحقائقوذات يوم، وبينما هو في مقهى، دخل ضابط بريطاني، فوقع احتكاك بينهما انتهى بأن أسقط الغربال الكرسي من تحت الضابط أمام الحاضرين.
لم يرد الضابط بعقوبة، بل اقترب من الغربال مصافحا، وهنأه على جرأته، ثم منحه مكانة خاصة لم تكن متاحة لغيره.
ومع مرور الوقت، بدأ الغربال يشعر أنه أصبح أقوى من الجميع، وأنه بات يملك نفوذا استثنائيا لا تحده القوانين ولا الأعراف، ولا سيما أن الضابط البريطاني سلمه سلاحا يستخدمه عند الضرورة.
وهنا تبدأ أخطر مراحل السيطرة، حين يمنح الإنسان شعورا زائفا بالتمكين، فيظن أن ما بين يديه حق مكتسب، بينما هو في الحقيقة امتياز تمنحه جهة أقوى منه لتحقيق غاياتها.
لكنه لم يدرك القاعدة الأشد قسوة في عالم السياسة: القوة التي تعطى يمكن أن تنتزع، والنفوذ الذي يصنع من الخارج يفتقر إلى دعائم الثبات.
وحين استخدم، في لحظة تهور، السلاح الذي منح له، انتهت اللعبة.
وحكم عليه بالإعدام، ونفذ الحكم على الكرسي نفسه الذي أسقطه من تحت الضابط البريطاني.
نعم، لقد سقط الغربال؛ لأنه اعتمد في سطوته على وهم.
وإذا كانت هذه القاعدة تصدق على الأفراد، فإنها تغدو أكثر خطورة حين تمتد آثارها إلى مصائر الدول والأمم.
فالتاريخ السياسي حافل بكيانات اعتقدت أن قوتها دائمة؛ لأنها رهنت قرارها لمراكز نفوذ أقوى منها، أو اعتمدت على معادلات مؤقتة حسبتها ثابتة.
إن أخطر ما تواجهه الأمم هو سراب الاقتدار؛ فالضعف يدفع إلى المراجعة والإصلاح، أما الوهم فيدفع إلى الغرور وإنكار الحقائق.
لذا سقطت دول كثيرة حين حسبت أن التحالفات الخارجية يمكن أن تعوض غياب التماسك الداخلي، أو أن الدعم المؤقت يمكن أن يحل محل بناء الإنسان والمؤسسات الوطنية.
لقد أثبتت التجارب أن الدول لا تنهار بسبب نقص الموارد فحسب، بل بسبب سوء تقديرها للواقع، والاعتماد على سراب الاقتدار، والاعتقاد بأن ما يمنح اليوم سيبقى إلى الأبدولعل التاريخ يقدم شواهد عديدة على خطورة الخلط بين الاقتدار المتوهم والقوة الذاتية.
ففي أواخر عهد الأندلس، اعتمد ملوك الطوائف على الاستعانة بالقوى الخارجية في صراعاتهم الداخلية، حتى اضطر بعضهم إلى دفع الجزية لخصومهم طلبا للحماية.
فلم يكن الخلل في التحالف ذاته، وإنما في تحويله إلى بديل عن بناء القوة الذاتية، إذ منحتهم تلك التحالفات شعورا زائفا بالأمان، لكنها أضعفت بنيتهم الداخلية، فلم تصمد حين تضاربت المصالح.
وتشير تجارب تاريخية كثيرة إلى أن الأمم التي بنت منعتها على الإنسان والمؤسسات والاقتصاد والمعرفة استطاعت الصمود رغم قلة الموارد، فالاقتدار الحقيقي يقاس بقدرة الدول على تجديد مقوماتها من الداخل.
وفي عالم اليوم، تبدو المنطقة العربية أمام هذا التحدي بوضوح، فعناصر الصمود لا تقاس بعدد الحلفاء فحسب، وإنما بقدرة المجتمع على إنتاج المعرفة، وحماية هويته، وبناء مؤسساته، وصناعة قراره المستقل.
إن الأمم التي تستمد عوامل قوتها من الخارج فقط تشبه الغربال في لحظة غروره؛ تبدو قوية ما دامت المظلة قائمة، لكنها تكتشف هشاشتها حين تتبدل المعادلات ويعاد ترتيب الأولويات.
فالمنعة المبنية على الوعي والعمل والمؤسسات هي وحدها القادرة على الصمود أمام تقلبات التاريخ.
لقد أثبتت التجارب أن الدول لا تنهار بسبب نقص الموارد فحسب، بل بسبب سوء تقديرها للواقع، والاعتماد على سراب الاقتدار، والاعتقاد بأن ما يمنح اليوم سيبقى إلى الأبد.
إن الأمم التي تستبدل الحقائق بالسراب، وتعيش أسيرة الصور التي تصنعها لنفسها، إنما تؤجل أزمتها ولا تعالجهاختاما، ليست المشكلة في أن تمتلك الأمة عوامل قوة محدودة، فالتاريخ مليء بشعوب بدأت نهضتها من ظروف أشد قسوة وفقرا، وإنما المشكلة الأساسية أن تسيء تقدير مصادر قوتها، أو أن تخلط بين التأثير المؤقت والقدرة المستدامة.
إن العالم اليوم يشهد تحولات عميقة في موازين القوى، وتراجعا في كثير من المسلمات التي حكمت النظام الدولي لعقود طويلة.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا تنجو الأمم بضجيج الشعارات، بل بصلابة الإنجازات ورسوخ البناء.
ولعل التاريخ يعيد الدرس نفسه كلما اختلط النفوذ المؤقت بالقوة الحقيقية، فلم يكن الغربال أول من تهاوى تحت وهم النفوذ؛ فقد سبقته دول وإمبراطوريات حين اعتقدت أن الحماية الخارجية يمكن أن تكون بديلا عن التماسك الداخلي، أو أن الامتيازات العابرة يمكن أن تعوض غياب المشروع الوطني الحضاري الجامع.
إن الأمم التي تستبدل الحقائق بالسراب، وتعيش أسيرة الصور التي تصنعها لنفسها، إنما تؤجل أزمتها ولا تعالجها.
فالتاريخ لا يسقط الضعفاء بقدر ما يسقط المخدوعين بقوتهم، ولا يخلد الأمم التي امتلكت أسباب التأثير فقط، بل الأمم التي امتلكت الحكمة الكافية لفهمها، والإرادة اللازمة لبنائها، والوعي القادر على صونها من أوهام النفوذ المؤقت.
ويبقى السؤال الجوهري: هل تستند عوامل منعتنا، كدول، إلى أسس راسخة، مبنية على ما ننتجه من قدرات علمية ومؤسسات تستشرف المستقبل، أم إلى مكاسب عابرة تتلاشى عند تبدل الحسابات؟ فالفارق بين البقاء والاندثار يبدأ من الإجابة عن هذا السؤال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك