مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية في ميزان الربح والخسارةلم تمض سوى ثمانية أشهر على نهاية الحرب الأولى، " حرب الاثني عشر يوما"، حتى عادت طبول الحرب تقرع من جديد بصورة أوسع.
فبعد مؤشرات إيجابية كانت توحي بإمكانية التوصل إلى حل سياسي عبر وساطة عمانية تنهي الأزمة، تعثرت المفاوضات لتندلع مواجهة جديدة، بعد أن استطاع نتنياهو توريط ترامب وإقناعه بالمشاركة في حرب سريعة ومباغتة تستهدف إسقاط النظام الإيراني، أو على الأقل إضعافه بصورة جذرية.
فقامت القوات الإسرائيلية والأمريكية بضربة استباقية واسعة النطاق داخل إيران، أسفرت -بحسب الكاتب- عن اغتيال المرشد الأعلى وعدد من أبرز القادة، في محاولة لإحداث فراغ في هرم السلطة ودفع البلاد نحو اضطرابات داخلية.
غير أن الجمهورية الإسلامية استطاعت امتصاص الصدمة الأولى، وردت بسرعة وعلى نطاق واسع.
وشمل الرد الإيراني توسيع دائرة الاستهداف لتطال القواعد الأمريكية في منطقة الخليج، إضافة إلى مواقع في العراق والأردن، إلى جانب تفعيل دور الحلفاء فيما يعرف بـ" محور المقاومة"، ولا سيما في العراق ولبنان.
كما استخدمت إيران ورقة مضيق هرمز بوصفها أداة ضغط إستراتيجية، مما أدى إلى اضطراب إمدادات الطاقة وخلق أزمة دولية.
وأمام هذا التصعيد الشامل، وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، وهو ما أفضى إلى التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
ستبقى الجبهة اللبنانية عاملا حاسما في تحديد مآل الاتفاق، لأن الولايات المتحدة قد تجد نفسها مضطرة إلى الضغط على حليفها الإسرائيلي لوقف عملياته في لبنانلبنان الحلقة الحاسمة في مصير الاتفاقإن إصرار إيران على أن تشمل مذكرة التفاهم الجبهة اللبنانية دليل على مدى تمسكها بالدفاع عن حلفائها، وحرصها على حمايتهم والحفاظ على وجودهم، ولا سيما حزب الله، باعتباره أهم أدوات نفوذها الإقليمي.
ويعكس هذا الموقف قناعة إيرانية بأن أي تسوية لا تشمل لبنان ستظل منقوصة وقابلة للانهيار، حتى وإن كلف ذلك تعثر الاتفاق أو العودة إلى التصعيد العسكري.
وقد برز، خلال الأزمة، مدى قدرة إيران على توظيف أوراق الضغط الإستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز، للتأثير في مجريات الصراع وفرض وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية.
وستبقى الجبهة اللبنانية عاملا حاسما في تحديد مآل الاتفاق، لأن الولايات المتحدة قد تجد نفسها مضطرة إلى الضغط على حليفها الإسرائيلي لوقف عملياته في لبنان، وربما فرض الانسحاب من جنوب لبنان من أجل استكمال الاتفاق، في ظل فشل العملية العسكرية في تحقيق أهدافها المعلنة وإخضاع إيران أو إضعافها.
وسيضع ذلك إسرائيل أمام معادلة معقدة بين الاستجابة للضغوط الأمريكية والحفاظ على أمن مستوطنات الشمال في ظل استمرار تهديدات حزب الله، وهو ما يجعل مدى التزامها بوقف إطلاق النار عاملا حاسما في استمرار الاتفاق أو انهياره.
ويطرح هذا الوضع عددا من التساؤلات: كيف استطاعت إيران -منفردة- توظيف أوراق الضغط للدفاع عن حلفائها وفرض شروطها، في حين تمتلك دول عربية أوراقا وآليات قادرة -نظريا- على الضغط على الإدارة الأمريكية لكبح جماح إسرائيل ووقف الحرب في غزة؟ويرى الكاتب أن ذلك لا يرجع إلى غياب الوسائل، بقدر ما يرتبط بغياب إرادة سياسية موحدة، ووجود خلافات عميقة بين هذه الدول، إضافة إلى تشابك مصالحها الإستراتيجية مع واشنطن، بما يجعلها عاجزة عن توظيف إمكاناتها.
راهن التحالف على تنفيذ حرب خاطفة، تقوم على ضربة مفاجئة وحاسمة تستهدف رأس هرم السلطة وعددا من كبار القادة، أملا في خلق فراغ قيادي واضطرابات داخلية تؤدي إلى انهيار النظاميقاس منطق الربح والخسارة في النزاعات الدولية بمدى قدرة كل طرف على تحقيق أهدافه بأقل كلفة ممكنة، بينما يعد خاسرا من يدفع ثمنا أكبر دون تحقيق أهدافه.
وانطلاقا من ذلك، يرى الكاتب أن التحالف الصهيوأمريكي، بوصفه الطرف الأقوى والمبادر إلى الحرب، كان يسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، من بينها تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، ولا سيما الصاروخية، ومنعها من امتلاك السلاح النووي، وتقويض نفوذها الإقليمي عبر إضعاف حلفائها، وصولا إلى إضعاف النظام السياسي وتهيئة الظروف لتغييره.
ويشير الكاتب إلى تصريحات لترامب تحدث فيها عن تسليح القوات الكردية المعارضة بهدف إشراكها في المواجهة وخلق اضطرابات داخلية، معبرا عن خيبة أمله لعدم تحقق ذلك.
كما راهن هذا التحالف على تنفيذ حرب خاطفة، تقوم على ضربة مفاجئة وحاسمة تستهدف رأس هرم السلطة وعددا من كبار القادة، أملا في خلق فراغ قيادي واضطرابات داخلية تؤدي إلى انهيار النظام.
أما إيران، بوصفها الطرف المعتدى عليه والأضعف عسكريا، فقد اعتبر الكاتب أن نجاحها تمثل في امتصاص الضربة الأولى، والحفاظ على استقرار نظامها، ومنع خصومها من تحقيق أهدافهم، إلى جانب قدرتها على توظيف نقاط قوتها وإدخال خصومها في حرب استنزاف طويلة كبدتهم خسائر كبيرة.
ويستدل الكاتب على ذلك بسرعة ملء الفراغ الذي خلفه اغتيال القادة، ومنع حدوث اضطرابات داخلية، إلى جانب تحويل الأزمة من نزاع إقليمي إلى أزمة دولية دفعت الطرف الأقوى إلى العودة إلى المفاوضات بعد تعثر الخيار العسكري.
ومن خلال بنود مذكرة التفاهم، يرى الكاتب أن جانبا مهما من النتائج التي تم التوصل إليها كان بالإمكان تحقيقه عبر المسار الدبلوماسي، الذي انسحبت منه الولايات المتحدة أكثر من مرة، مع الحفاظ على قوة الردع العسكرية وتجنب كلفة الحرب.
تمكنت إيران، التي فرضت عليها الحرب، من إعادة ترميم موقعها الإقليمي، وفرض نفسها قوة إقليمية قادرة على التفاوض ندا لند مع الولايات المتحدة، والتأثير في إمدادات الطاقة العالميةفي المقابل، أدت الحرب إلى خسائر بشرية ومادية مرتفعة، وإلى إدخال المنطقة في حالة من عدم الاستقرار امتدت آثارها إلى الاقتصاد العالمي.
وحتى مضيق هرمز، الذي تفاخر الرئيس الأمريكي بإعادة فتحه، كان -بحسب الكاتب- مفتوحا أصلا أمام الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة.
كما يشير الكاتب إلى أن البيئة الإقليمية والجيوسياسية كانت تميل، قبل الحرب، لصالح التحالف الصهيوأمريكي، في ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات المفروضة على إيران، وتراجع نفوذها الإقليمي بعد إضعاف" محور المقاومة"، وهي ظروف كان يمكن استثمارها دبلوماسيا لتعزيز المكاسب دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مكلفة.
غير أن مسار الحرب أفضى -بحسب الكاتب- إلى نتائج مغايرة؛ إذ تمكنت إيران، التي فرضت عليها الحرب، من إعادة ترميم موقعها الإقليمي، وفرض نفسها قوة إقليمية قادرة على التفاوض ندا لند مع الولايات المتحدة، والتأثير في إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، مع الحفاظ على نظامها واستمرار نهجها المناهض للتحالف الصهيوأمريكي.
ويخلص الكاتب إلى أن موازين القوة لا تقاس فقط بحجم القدرات العسكرية، بل أيضا بمدى القدرة على توظيف عناصر القوة، وإدارة الصراع، وتحمل كلفته على المدى الطويل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك