صنعاء – «القدس العربي»: أكّد تقرير حقوقي لمنظمة «صحافيات بلا قيود» حول أوضاع حقوق الإنسان في مدينة عدن، التي تتخذها الحكومة اليمنيّة المعترف بها دوليًا عاصمة مؤقتة لها، استمرار الانتهاكات الحقوقية الجسيمة خلال الشهور الخمسة الأولى من العام 2026، معتبرًا أن استمرار الانتهاكات يعكس أزمة بنيوية عميقة تمس منظومة الأمن والعدالة وسيادة القانون في ظل اتساع أنماط العنف المنظم، وتفاقم مظاهر الإفلات من العقاب، واستمرار العجز عن توفير الحماية الفعالة للمدنيين وضمان إنفاذ القانون بصورة مستقلة وشفافة وخاضعة للمساءلة.
وأكّدت المنظمة، استنادًا إلى عمليات الرصد والتوثيق الميداني خلال الفترة من يناير/كانون الثاني وحتى مايو/أيار الماضيين، استمرار أنماط متعددة من الانتهاكات الجسيمة شملت الاختطاف والاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري، والوفيات داخل أماكن الاحتجاز، وجرائم القتل خارج إطار القانون، إلى جانب تصاعد جرائم الاغتيال والعنف المنظم، واستمرار القيود المفروضة على حق التجمع السلمي والمطالبة بالحقوق، فضلًا عن الادعاءات الخطيرة المتعلقة بتعرض أطفال لانتهاكات جنسية جسيمة، بما يعكس نطاق المخاطر التي تهدد الحقوق والحريات الأساسية في المدينة.
وركّز التقرير الأحدث للمنظمة على الفترة الزمنية من يناير حتى مايو؛ وهي فترة انتقلت فيها إدارة السيطرة الأمنية والعسكرية في المدينة من قوات المجلس الانتقالي الجنوبي إلى الحكومة المعترف بها دوليًا.
الإخفاء القسري والسجون غير القانونيةكشف التقرير عن وجود 12 سجنًا ومركز احتجاز غير قانوني خارج إشراف النيابة والسلطة القضائية في المدينة، مؤكدًا أن ملف الإخفاء القسري لا يزال مفتوحًا منذ أكثر من عشر سنوات، في ظل استمرار الغموض بشأن مصير العشرات من المحتجزين والمخفيين قسرًا، وعدم إحراز تقدم ملموس في تنفيذ التوجيهات الخاصة بإغلاق تلك السجون والكشف عن مصير المحتجزين.
وجددت المنظمة تحذيرها من استمرار ملف الإخفاء القسري والسجون غير القانونية كأحد أخطر الملفات الحقوقية المفتوحة في مدينة عدن منذ أكثر من عشر سنوات، مؤكدة أن مرور نحو خمسة أشهر على توجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، الخاصة بإغلاق السجون غير القانونية والافراج عن المحتجزين خارج إطار القانون دون إحراز تقدم ملموس وشفاف يثير مخاوف جدية بشأن استمرار حالة الإفلات من العقاب وغياب الإرادة الفعلية لمعالجة الانتهاكات المرتبطة بهذا الملف.
وأكّدت أن استمرار الغموض بشأن أوضاع العشرات من المحتجزين والمخفيين قسريًا في سجون غير قانونية نشأت وتطورت خلال السنوات الماضية على يد التشكيلات الأمنية والعسكرية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي يُفاقم من معاناة أسرهم في ظل غياب الإفصاح عن أماكن الاحتجاز الخاضعة للرقابة الرسمية أو نتائج أي عمليات مراجعة أو تحقيق بما يقوض الثقة بجدية السلطات في معالجة هذا الملف.
ووثقت وجود سجون ومراكز احتجاز غير رسمية تُديرها قوات وتشكيلات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، بينها الحزام الأمني والدعم والإسناد والمهمات الخاصة ومكافحة الإرهاب، من أبرزها قاعة وضاح – بئر أحمد، معسكر الجلاء، ومعسكر عشرين، ومعسكر الإنشاءات، ومعسكر الشعب، جزيرة العمال، وفيلا شلال، ومعسكر النصر، والدائرة الأمنية (بدر)، ومعسكر خفر السواحل.
كما رُصد سجن مقر التحالف في البريقة المرتبط بإدارة مباشرة من قوات تابعة للإمارات العربية المتحدة خلال فترات سابقة.
وقالت المنظمة إن علي شمسان لا يزال مصيره مجهولًا منذ أكثر من عشر سنوات، بعد اختطافه من أمام مسجد الحمزة بحي كابوتا المنصورة بعدن على يد مسلحين مرتبطين بدولة الإمارات ونقله إلى سجون سرية.
كما أشار التقرير إلى عدد من الأسماء مازال أصحابها مجهولي المصير على مدى سنوات من الإخفاء القسري.
وقالت منظمة صحفيات بلا قيود، إن الأشهر الماضية شهدت استمرار وقائع الاحتجاز التعسفي والتوقيف خارج الضمانات والإجراءات القانونية الواجبة في مدينة عدن، بما يعكس اختلالات مقلقة في أداء بعض الأجهزة الأمنية وجهات الضبط، ويثير مخاوف جدية بشأن احترام الضمانات الأساسية للحرية الشخصية وسيادة القانون، مشيرة إلى عدد من الوقائع الموثقة خلال الفترة الأخيرة أظهرت استمرار ممارسات الاحتجاز خارج الأُطر القانونية.
وتحت عنوان «انتهاكات الحق في الحياة» قالت المنظمة إن الحق في الحياة في مدينة عدن يشهد تصاعدًا مقلقًا في أنماط الانتهاكات المرتبطة بالعنف المنظم وجرائم الاغتيال والقتل خارج القانون والوفاة أثناء الاحتجاز، بما يعكس اختلالات عميقة في منظومة الحماية الأمنية والعدالة الجنائية وانفاذ القانون.
وقالت إن ما شهدته مدينة عدن خلال الفترة الأخيرة من جرائم اغتيال وعنف منظم ضد شخصيات مدنية وتنموية وتربوية يأتي في سياق مقلق يتسم بضعف منظومة الحماية الأمنية واستمرار نمط الإفلات من العقاب بوصفه عاملًا بنيويًا يفاقم قابلية تكرار الانتهاكات.
واعتبرت أن تتابع حوادث الاغتيال خلال فترة زمنية متقاربة يمثل مؤشرًا خطيرًا على بيئة أمنية هشة تسمح بإعادة انتاج أنماط العنف الموجه ضد الفاعلين المدنيين.
وأشارت إلى جريمة اغتيال القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية وسام قائد، وجريمة اغتيال التربوي والقيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح عبد الرحمن الشاعر.
وأكّدت أن هذه الحوادث تتقاطع مع سجل أوسع من الاغتيالات التي شهدتها عدن خلال السنوات الماضية، والتي طالت عشرات الشخصيات المدنية، والمجتمعية والسياسية والدينية.
وأعربت المنظمة عن قلقها إزاء تكرار حوادث القتل المرتبطة بعمليات الضبط الأمني، مؤكدة أن حماية الأمن العام لا يمكن أن تتم على حساب الحق في الحياة أو خارج الضوابط القانونية الناظمة لاستخدام القوة.
وأشارت إلى حادثتي مقتل الشاب مروان العليمي في منطقة الممدارة بمديرية الشيخ عثمان، ومقتل صابر أبو علي في مديرية دار سعد خلال عمليات أمنية في شهر أبريل/نيسان 2026 قالت السلطات إنها استهدفت مطلوبين أمنيًا، وهو ما يُثير تساؤلات جدية حول طبيعة القوة المستخدمة ومدى الالتزام بالإجراءات القانونية، وفق التقرير.
كما أشارت إلى ما ورد في تقارير حقوقية دولية بشأن الأحداث التي شهدتها التظاهرات أمام قصر معاشيق في مدينة عدن خلال فبراير/شباط 2026، والتي اندلعت في سياق محاولة مجموعات من المتظاهرين المؤيدين للمجلس الانتقالي الجنوبي اقتحام محيط القصر الرئاسي، وما أعقب ذلك من تدخل القوات الأمنية المكلفة بحماية القصر لتفريق التجمع استخدمت خلاله القوة، ما أسفر عن سقوط قتيل وعدد من الجرحى.
وقالت إن قضية وفاة المواطن عبد الرحمن العليمي أثناء الاحتجاز التعسفي في عدن في مارس/آذار الماضي أعادت إلى الواجهة ممارسات موثقة النمط ارتبطت خلال السنوات الماضية بالتشكيلات الأمنية والعسكرية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي (المعلن عن حله).
الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفالوفيما يخص الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال، قالت المنظمة إن التقارير الواردة بشأن مزاعم تعرض طفل لانتهاك جنسي في مدينة عدن، وما رافقتها من تداول لمقطع مصور أثار صدمة مجتمعية واسعة تمثل مؤشرًا بالغ الخطورة على هشاشه منظومة الحماية، وتكشف عن نمط شديد الجسامة من الانتهاكات التي تستهدف الأطفال.
وأشارت إلى ما تم تداوله بشأن وجود ضحايا آخرين تعرضوا لانتهاكات مشابهة أو لضغوط حالت دون تمكينهم من الإبلاغ أو متابعة الإجراءات القانونية، الأمر الذي يستدعي التعامل مع القضية باعتبارها احتمالًا جادًا يستوجب الفحص والتحقق.
ودعت إلى إنشاء آليات آمنة وسرية للإبلاغ عن جرائم العنف الجنسي والاستغلال وتمكين الضحايا وأسرهم والشهود من تقديم بلاغاتهم دون خوف من الانتقام أو الوصمة.
وفيما يتعلق بقمع حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي، قالت المنظمة إن الانتهاكات المرتبطة بالحق في الحياة والحرية الشخصية لا تنفصل عن القيود المفروضة على حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي، إذ تمثل هذه الحقوق إحدى أهم الضمانات المجتمعية لكشف الانتهاكات، والمطالبة بالحقيقة والعدالة والمساءلة.
وأشارت إلى أن الرصد والتوثيق الميداني خلال الأشهر الماضية أظهر استمرار التضييق على الأنشطة والفعاليات ذات الطابع الحقوقي والإنساني في مدينة عدن، بما يثير مخاوف متزايدة بشأن مستوى احترام الحقوق والحريات الأساسية المكفولة دستوريًا وقانونيًا.
كما أشارت إلى أن من أكثر الوقائع دلالة في هذا السياق ما تعرّضت له أسر المختطفين والمخفيين قسرًا في ساحة العروض بمديرية خور مكسر مساء 9 مارس/آذار 2026 أثناء محاولتها تنظيم وقفة احتجاجية سلمية للمطالبة بالكشف عن مصير أبنائها المخفيين قسرًا منذ سنوات.
وخلصت المنظمة إلى أن استمرار الانتهاكات الجسيمة في مدينة عدن يرتبط بشكل مباشر بغياب منظومة مساءلة فعالة وباستمرار إعادة تمكين وتدوير شخصيات ترتبط أسماؤها باتهامات موثقة بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، الأمر الذي أسهم في تكريس بيئة مؤسسية تسمح بإعادة انتاج الانتهاكات وتوسيع نطاقها وتقويض قدرة مؤسسات الدولة على إنفاذ القانون وضمان الحماية الفعلية للمدنيين.
وقالت إن مجمل الانتهاكات التي شهدتها مدينة عدن خلال الفترة المشمولة بالتقرير، بما في ذلك جرائم القتل والاغتيال والانتهاكات المرتبطة بالاحتجاز والإخفاء القسري والتعذيب والتضييق على الحريات العامة واستمرار الإفلات من العقاب تكشف عن أزمة بنيوية عميقة في منظومة الأمن والعدالة وسيادة القانون، وتتجاوز الوقائع الفردية إلى اختلالات مؤسسية متراكمة، أسهمت في إضعاف قدرة الدولة على حماية الحقوق والحريات وإنفاذ القانون بصورة فعالة ومتساوية.
ودعا التقرير إلى فتح تحقيقات مستقلة وشفافة وفعالة في جميع الانتهاكات الواردة في التقرير، وإغلاق جميع السجون ومراكز الاحتجاز غير القانونية أو السرية والكشف الفوري عن مصير المخفيين قسرًا، والإفراج عن جميع المحتجزين تعسفيًا أو المحتجزين خارج الإطار القانوني أو استنادًا إلى إجراءات مشوبة بالبطلان، وضمان التنفيذ الفوري وغير المشروط بالأحكام القضائية الصادرة بالإفراج، ووقف أي ممارسات تؤدي إلى تعطيل أو الالتفاف على قرارات القضاء، وتوفير حماية فعالة للضحايا وأسرهم والشهود والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين.
كما دعت إلى وقف جميع أشكال التضيق على حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي، والامتناع عن إعادة تمكين أو تدوير أي شخصيات تحوم حولها اتهامات جدية أو موثقة بارتكاب انتهاكات جسيمة إلى حين إخضاعها لتحقيقات قضائية مستقلة وشفافة.
وشددت على إطلاق مسار مؤسسي جاد لإصلاح القطاع الأمني والعدلي، وتفعيل تدابير جبر الضرر للضحايا وأسرهم.
وأكّدت أن الخروج من هذا الواقع يقتضي إرادة سياسية وقضائية صريحة وإجراءات قابلة للقياس لا بيانات عامة وترتيبات شكلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك