منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية، هناك شد وجذب عسكري بين موسكو وكييف بخصوص إقليم الدونباس.
هذا الإقليم يعد منطقة إستراتيجية ويحظى بأهمية تاريخية بالنسبة لروسيا، ويمثل رمزًا سياسيًا هامًا بالنسبة للرئيس فلاديمير بوتين.
فإلى جانب كونه إقليمًا حدوديًا هامًا مع روسيا في الشرق الأوكراني، فهو حوض تعدين ومناجمَ مهم، وتتنازع عليه عسكريًا روسيا وأوكرانيا في الحرب.
ماذا يجري في إقليم الدونباس؟إقليم الدونباس ساحة معركة، لا بل ساحة حرب.
لأكثر من أربع سنوات يتقدم جيش ويتراجع آخر على الأرض.
وفي الأجواء، يتحارب الجنود الروس والأوكران بشتى أنواع الأسلحة؛ الجانب الأول للسيطرة على هذا الإقليم، والثاني للدفاع عنه.
ويشكل إقليم الدونباس حلقة وصل بين شرق أوكرانيا والحدود الروسية.
ويتألف هذا الإقليم من منطقتين أساسيتين: دونيتسك ولوهانسك، بمساحة متطابقة تقريبًا تتجاوز 26 ألف كيلومتر مربع لكل منهما.
دونيتسك أكثر كثافة عمرانية وصناعية، مدنها ومصانعها وطرقها جعلت منها ساحة قتال معقدة.
وهناك تتحول المدينة إلى جبهة، والمصنع إلى نقطة سيطرة، والطريق إلى محور عسكري.
أما لوهانسك، فهي أقرب إلى العمق الشرقي، قيمتها لا تأتي من الجند فقط، بل من الموقع والطرق والاتصال بالمحاور الحدودية؛ وهنالك تصبح المسافة والإمدادات جزءًا من المعركة.
عام 2014، وبعد سيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم جنوب هذا الإقليم، بدأت الخريطة تتصدع.
لم يكن الانقسام سياسيًا فقط، بل سكانيًا وعسكريًا أيضًا.
تحركت مجموعات انفصالية موالية لموسكو وأعلنت رفض سلطة كييف، ومن هنا بدأ الدونباس يتحول من إقليم صناعي إلى جبهة مفتوحة.
في فبراير/ شباط 2022، وعشية الهجوم الروسي الواسع على أوكرانيا، اعترفت موسكو بما سمته" جمهوريتَي دونيتسك ولوهانسك الشعبيتين".
وبعد سبعة أشهر من الحرب، في سبتمبر/ أيلول من العام نفسه، أعلنت ضمهما إلى الاتحاد الروسي.
لكن على الأرض لم يكن الأمر مجرد إعلان سياسي، كان بداية مرحلة جديدة من الصراع على السيطرة.
وحري القول في هذا الإطار، إن الدونباس ليس جبهة واحدة، إنه منطقة حضرية وصناعية كثيفة؛ مناجم، أكوام فحم، مصانع، سكك حديد، وقنوات مائية.
وكل هذه العناصر تحولت مع الحرب إلى جزء من الجغرافيا العسكرية نفسها.
لكن لماذا باتت هذه الأرض ساحة حرب بهذا الحجم؟الإجابة ليست بسيطة ولكل طرف روايته.
تتراوح أهمية الإقليم بين الإستراتيجية والاقتصادية والقومية.
قبل الحرب، كان يقطنه سبعة ملايين شخص ينتمون إلى أوكرانيا لكن لغتهم هي الروسية، وهذا الأمر جعل الإقليم ليس فقط مساحة جغرافية، بل منطقة حساسة في الهوية والسياسة والانتماء.
اقتصاديًا، كان الدونباس من أكثر الأقاليم الأوكرانية تصنيعًا قبل الحرب، كان واحدًا من أهم أحواض الصناعة الثقيلة: الفحم، والتعدين، والحديد، والصلب، والصناعات الكيميائية، ومحطات الطاقة.
لهذا لم تكن السيطرة عليه رمزية فقط، بل كانت سيطرة على موارد صناعية وممرات حيوية.
لعنة الجغرافيا والأطماع الجيوسياسيةوبعد الهجوم الروسي، تغير المشهد الديمغرافي بشكل جذري، وشهد الدونباس واحدة من أكبر عمليات التفريغ السكاني؛ مدن كاملة دمرت أو أخليت، معظم مقاطعة لوهانسك باتت تحت السيطرة الروسية، وأجزاء واسعة من دونيتسك خضعت لموسكو أو بقيت مناطق قتال، وملايين السكان غادروا مناطقهم إما نازحين داخل أوكرانيا أو لاجئين خارجها.
هي إذن لعنة الجغرافيا والأطماع الجيوسياسية حين تُغير معالم الأرض وتبدل أحوال سكانها.
وفي هذا الإطار، قال محرر الشؤون العسكرية في التلفزيون العربي محمد الصمادي إن ما يجري الآن في الدونباس لا يمثل نقطة تحول حاسمة، بقدر ما يعكس استمرار حرب الاستنزاف.
وأضاف أن روسيا ما زالت تحقق تقدمًا ميدانيًا، محدودًا ولكنه ثابت، وتحاول تشتيت الدفاعات والتسلل بمجموعات صغيرة.
غير أن الخسائر عالية مقابل مكاسب محدودة على الأرض.
وأضاف الصمادي أن أوكرانيا تراهن على استنزاف القوات الروسية وضرب عمقها الاقتصادي واللوجستي.
وبرأيه، مستقبل هذه المعركة وما يجري في الدونباس سيعتمد بشكل كبير على قدرة كل طرف على تعويض خسائره والحفاظ على زخم العمليات خلال الأشهر المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك