انتقلت سوريا من مزرعة حكمتها الطائفية لستة عقود إلى بلد تحكمه الدولة والقانون، وهذا تحول غائر في العمق على المستويات الاجتماعية والفكرية والاقتصادية والأمنية وغيرها.
وهو ما يجعل «سوريا الدولة» تبدأ اليوم تقريباً من الصفر، وكثير من المشكلات التي عانى منها المواطن السوري لعقود لن تختفي في أشهر أو سنوات.
سوريا أشبه بفسيلة غرست في أرض رخوة، وأهم ما تحتاجه هو ألا تقتلعها الرياح قبل أن تشتد جذورها، ولأجل هذه الغاية فهي بحاجة إلى جملة عوامل أساسية:أن تتاح للفسيلة الفرصة كي تنمو جذورها.
أن تُقطع الطريق على صعوبات المرحلة الانتقالية، قبل أن تتحول إلى بركة للاصطياد في المياه العكرة.
أن يدرك المواطن السوري معنى التحول من الحكم الطائفي إلى حكم الدولة.
أن يدرك المواطن السوري أن النظام السياسي الجديد يوفر له حلفاء إقليميين يساعدونه على تجاوز التحديات.
أن يثق المواطن السوري بأن أمامه مستقبلاً مشرقاً.
حماية الفسيلة السورية لن تخص سوريا وحدها، وإنما هي عملية إنقاذ لهوية المنطقة من نظام اللادولة والميليشيات الذي نخر في جسدها إلى نظام الدولة والحاضرةأن ينعم المواطن السوري بخمسة أعوام على الأقل من الاستقرار والطمأنينة وراحة البال، ينصرف خلالها إلى إعادة تأهيل أسرته وإعمار وطنه واستعادة حياته الطبيعية.
ألا تتحول الاستثمارات العربية إلى مشاريع ربحية مغلقة تحتكر السوق وتفرض أسعاراً تثقل كاهل المواطن السوري.
فرحة السوريين بثورتهم تشهد تراجعاً تشوبه صور من التذمر، وهذا ليس شيئاً غير عادي في مسار الثورات؛ فالعواطف، فرحاً كانت أم حزناً، لا تدوم، والذي يدوم هو الأمل المستند إلى الأفكار التي تؤيدها المقومات وتترجمها رؤية واضحة يستوعبها الإنسان البسيط.
لكن الخطر يكمن في إمكانية أن يتحول التذمر إلى بركة آسنة للاصطياد بمائها العكر، لا سيما أن الطائفية لم تغسل يديها من سوريا ولن تفقد الأمل في تقلبات التوافقات الدولية.
ولتحقيق هذه الغايات الحيوية، يمكن لدول الخليج، خلال السنوات الخمس الأولى أن تتكفل بتغطية عدد من القطاعات الأساسية، منها: تأمين رواتب الموظفين، ودعم فواتير الكهرباء والغاز، ودعم أسعار المواد الغذائية الأساسية، وتأهيل المشافي وتوفير الخدمات الطبية المجانية، وتأهيل المدارس والبنى التحتية، وغيرها.
وفي نهاية هذه المرحلة، ينبغي أن تصل سوريا إلى ما يمكن تسميته بـ»ارتفاع التحليق»، وهو المستوى الذي تبلغه الطائرة قبل أن تستقر في مسارها الطبيعي لبقية الرحلة؛ أي أن تبلغ الدولة السورية درجة من الاستقرار تجعلها قادرة على الاستمرار بقواها الذاتية.
تثبيت الفسيلة السورية ليس هبةً بل استثمار، والأمن المكتسب هو العائد على الاستثمار.
مثل هذه الأفكار لا تكون عادة على رأس قائمة أولويات الدول إلا بتقييمها من خلال النظرية الاقتصادية المعروفة «الكلفة الفرصية»، أي كلفة تضييع الفرصة وفي هذه الحالة موازنة كلفة إهمال الفسيلة السورية في مقابل مكاسب رعايتها.
ولا يخفى على دول المنطقة ما ترتب على فقد العراق وانكشاف أمنه الإقليمي، ومن ثم فإن تثبيت الفسيلة السورية لا يصنف هبة، وإنما استثمار، وأن الأمن الإقليمي المكتسب هو «العائد على الاستثمار»، مضافاً إليه اختزال ميزانيات الدفاع نحو كلف انهيارات أمنية إقليمية محتملة مستقبلاً.
الدلائل السياسية والحضارية لخطة تثبيت الدولة السورية هي أبعد من مجرد مشروع اقتصادي لإعادة الإعمار، وتتخطى في رمزيتها «خطة مارشال» لإعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، والتي حُفرت ثقافتها في ذاكرة أجيال أوروبا، كما تحفر الكتابة على الحجر.
ومنطقتنا بحاجة ماسة إلى ثقافة تُكتب على الحجر، بعد أن مرت عليها في القرن العشرين ثقافات وأفكار ذات ألوان فاقعة لكنها ما لبثت أن بهتت، حتى غدا من العسير التمييز بينها، أو الاتفاق على ميراثها.
خطة حماية الفسيلة السورية لن تخص سوريا وحدها، وإنما هي عملية إنقاذ لهوية المنطقة من نظام اللادولة والميليشيات الذي نخر في جسدها إلى نظام الدولة والحاضرة، وتمثل العملية واحدة من الانعطافات القليلة الحدوث في حياة الأمم التي يلتحم فيها الجمهور مع النخبة.
وأخيراً، فإن لهذه الخطة سمتان حيويتان: أما الأولى، فهي أول خطة لترميم البناء الاستراتيجي في المنطقة العربية منذ التفكك الكبير الذي أصابها في أعقاب الحرب العالمية الأولى.
والثانية، أن الدولة (أو الدول) التي تبادر إلى هذه الخطة ستتربع، وبتزكية شعوب المنطقة، على عرش الهوية العربية الإسلامية وتمسك بأوراق الخرائط السياسية للقرن الواحد والعشرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك