في المشهد المؤسسي المعاصر، أصبحت مذكرات التفاهم جزءًا مألوفًا من الأخبار والفعاليات الرسمية.
فلا يكاد يمر أسبوع إلا ونشاهد إعلانًا جديدًا عن توقيع مذكرة تفاهم بين جهتين أو أكثر، تترافق معه الصور التذكارية والتصريحات المتفائلة والوعود بآفاق واسعة من التعاون والتكامل.
ومع تكرار هذا المشهد، يبرز تساؤل يستحق التأمل: هل ما زالت مذكرات التفاهم تؤدي دورها الحقيقي؛ بوصفها أداةً لبناء الشراكات وتحقيق الأثر، أم أنها تحولت لدى بعض الجهات إلى شكل من أشكال الوجاهة المؤسسية؟من حيث المبدأ، لا يمكن التقليل من أهمية مذكرات التفاهم.
فهي تمثل إطارًا أوليًا لتنظيم العلاقات المؤسسية، وتفتح المجال لتبادل الخبرات وتوحيد الجهود واستثمار الموارد المشتركة.
كما أنها قد تكون نقطة الانطلاق لمشاريع نوعية ومبادرات مؤثرة، تسهم في خدمة المجتمع وتحقيق مستهدفات التنمية.
لكن الإشكالية لا تكمن في المذكرة ذاتها، بل في الثقافة التي تحيط بها.
فعندما يتحول التوقيع إلى هدف، بدلاً من أن يكون وسيلة، تبدأ الفجوة بالاتساع بين ما يُعلن عنه وما يتحقق على أرض الواقع.
فكم من مذكرة تفاهم حظيت بتغطية إعلامية واسعة، ثم اختفت أخبارها بمجرد انتهاء مراسم التوقيع؟ وكم من اتفاقية وُصفت بأنها “إستراتيجية” أو “نوعية” دون أن يرى المستفيدون أثرًا ملموسًا لها بعد أشهر أو حتى سنوات؟ وكم من جهة تتباهى بعدد الاتفاقيات التي وقعتها، لكنها لا تملك مؤشرات واضحة لقياس نتائج تلك الاتفاقيات، أو العائد المتحقق منها؟هذه الأسئلة لا تهدف إلى التشكيك في النوايا، أو التقليل من الجهود، بل تنطلق من مبدأ بسيط مفاده أن القيمة الحقيقية لأي شراكة لا تُقاس بعدد الصفحات الموقعة، وإنما بما تنتجه من أثر يمكن قياسه ولمسه.
ولعل من الملاحظ أن بعض المؤسسات باتت تتعامل مع مذكرات التفاهم؛ باعتبارها مؤشرًا على النشاط المؤسسي والحضور الإداري.
فكلما ازداد عدد المذكرات، بدا المشهد أكثر حيوية.
لكن هل العدد وحده معيار للنجاح؟ وهل المؤسسة التي وقعت عشرات المذكرات أكثر فاعلية من مؤسسة وقعت عددًا محدودًا من الاتفاقيات، لكنها نجحت في تحويلها إلى برامج ومبادرات ومنجزات حقيقية؟الحقيقة أن الانشغال بالأرقام قد يصرف الانتباه عن السؤال الأهم: ماذا تحقق بعد التوقيع؟فالمجتمع لا يستفيد من عدد الاتفاقيات المعلنة، بقدر ما يستفيد من الخدمات التي تحسنت، والفرص التي أُتيحت، والمشروعات التي أُنجزت، والتحديات التي تمت معالجتها.
أما إذا بقيت المذكرة حبيسة الملفات أو مجرد مادة إعلامية عابرة، فإنها تفقد جانبًا كبيرًا من قيمتها؛ مهما كانت صياغتها أنيقة أو أهدافها طموحة.
ومن زاوية أخرى، فإن غياب آليات المتابعة والتقييم يمثل أحد أبرز التحديات المرتبطة بمذكرات التفاهم.
فكم جهة تنشر خبر التوقيع ثم تنشر بعد عام تقريرًا يوضح ما تم تنفيذه؟ وكم مؤسسة تعلن للرأي العام نسبة الإنجاز والعوائد المتحققة من شراكاتها؟ ولماذا يركز الضوء الإعلامي على لحظة التوقيع أكثر من تركيزه على مرحلة التنفيذ؟إن الشفافية المؤسسية الحقيقية لا تكتفي بالإعلان عن البدايات، بل تمتد لتوثيق النتائج وقياس الأثر والإفصاح عن التحديات والنجاحات على حد سواء.
وفي هذا السياق، تزداد أهمية المتابعة والتقييم؛ لأن الموارد والوقت والجهد محدودة بطبيعتها، ولأن أي شراكة لا تنعكس على تحسين الأداء أو تطوير الخدمات أو تحقيق قيمة مضافة للمستفيدين تستحق المراجعة، مهما بدت جذابة في لحظة الإعلان عنها.
وربما آن الأوان لإعادة صياغة مفهوم النجاح في هذا الجانب.
فبدلًا من السؤال: “كم مذكرة تفاهم وقعنا؟ ” ينبغي أن يكون السؤال: “ماذا أنجزنا من خلال ما وقعناه؟ ”.
وبدلًا من الاحتفاء بعدد الشركاء، ينبغي الاحتفاء بحجم النتائج التي تحققت معهم.
فالإنجاز الحقيقي لا يبدأ عند توقيع المذكرة، بل يبدأ بعد ذلك.
يبدأ عندما تتحول البنود المكتوبة إلى خطط عمل، والوعود إلى مبادرات، والأفكار إلى مشروعات، والشراكات إلى أثر ملموس يشعر به المستفيد النهائي.
وفي نهاية المطاف، تبقى مذكرات التفاهم أداة مهمة وضرورية متى ما ارتبطت بالتنفيذ والمتابعة والمساءلة.
أما إذا اقتصرت على مراسم التوقيع والصور التذكارية والتغطيات الإعلامية، فإن السؤال سيظل حاضرًا ومشروعًا:هل نوقع مذكرات التفاهم لصناعة الأثر، أم لصناعة الانطباع؟وبين الأثر والانطباع يكمن الفرق بين مؤسسة تصنع التغيير، وأخرى تكتفي بصناعة الصورة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك