تقف منتظراً دورك طويلاً، وحين تصل إلى نافذة الخدمة تستقبلك ملامح عابسة، وسلامٌ لا يُرد، ونبرة توحي، وكأنك سبب ضيق الموظف، لا مراجع جاء يطلب خدمة كفلها له النظام.
عندها يتبادر إلى الذهن سؤال يستحق التأمل: هل أصبح من المقبول أن يدفع المراجع ثمن مزاج الموظف أو ظروفه الشخصية؟
لا شك أن الإنسان بطبيعته يمر بظروف نفسية أو صحية أو أسرية قد تؤثر في مزاجه، فالكمال ليس من صفات البشر، لكن ليس من حق أي موظف أن يجعل المراجع، أو المستفيد يدفع ثمن تلك الظروف.
فالموظف- أياً كان موقعه- لا يمثل نفسه فحسب، بل يمثل الجهة التي يعمل بها، ويعكس صورة المؤسسة التي ينتمي إليها أمام المجتمع؛ لذلك فإن كلمة طيبة، وابتسامة صادقة، وحسن استقبال، قد تختصر معاناة مراجع جاء يحمل هماً، أو يبحث عن خدمة هي من حقوقه.
ومع الأسف، لا يزال بعض المراجعين يصطدمون بسلوكيات لا تليق بالوظيفة العامة أو الخاصة؛ انفعال زائد، وصوت مرتفع، وتعامل جاف، وربما غضب لا يتناسب إطلاقاً مع الموقف.
وهنا يبرز سؤال مشروع: ما أسباب هذه التصرفات؟قد تكون الأسباب ضغوط العمل، أو الاحتراق الوظيفي، أو ضعف التدريب، أو غياب المتابعة الإدارية، أو ظروفاً شخصية يمر بها الموظف.
وفي حالات محدودة، قد يكون تعاطي المؤثرات العقلية أحد الأسباب المحتملة، وهو أمر ثبت علمياً أنه قد يؤثر في التركيز، والاتزان النفسي، وضبط الانفعالات، وحسن التقدير واتخاذ القرار.
غير أن هذا لا يعني بحال من الأحوال أن كل موظف سيئ التعامل متعاطٍ، وإنما هو احتمال ينبغي التعامل معه بوعي، ضمن منظومة متكاملة لحماية بيئات العمل.
ومن هنا تأتي أهمية استمرار الجهود الرامية إلى تعزيز بيئات العمل الآمنة والصحية، سواء من خلال التدريب المستمر على مهارات التعامل مع الجمهور، أو المتابعة الإدارية، أو تقديم الدعم النفسي للموظفين، أو تطبيق برامج الفحص في الوظائف التي تتطلب درجات عالية من المسؤولية واليقظة والتعامل المباشر مع الجمهور، وفق الأنظمة والإجراءات، التي تكفل العدالة وتحفظ الخصوصية وتصون كرامة الجميع.
ولا شك أن المملكة العربية السعودية تبذل جهوداً كبيرة في مكافحة المخدرات وحماية المجتمع من أخطارها، وهي جهود تستحق الإشادة والدعم.
ومكافحة هذه الآفة ليست مسؤولية الأجهزة المختصة وحدها، بل هي مسؤولية تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة، وتشارك فيها وسائل الإعلام، وتكتمل في بيئة العمل.
ومن الجدير بالدراسة التوسع في برامج الفحص للوظائف ذات الحساسية العالية والتعامل المباشر مع الجمهور وفق الأنظمة؛ فالموظف السليم فكراً وصحةً وسلوكاً هو ضمانة لجودة الخدمة، وأمان للمجتمع، وواجهة مشرقة للمؤسسة التي يعمل بها.
إن جودة الخدمة لا تُقاس بسرعة إنجاز المعاملة فحسب، بل بالطريقة التي يُعامل بها الإنسان.
فربما ينسى المراجع مدة انتظاره، لكنه لا ينسى كلمةً جارحة، ولا وجهاً عابساً، كما لا ينسى موظفاً استقبله باحترام وأشعره أن أداء الخدمة رسالة قبل أن يكون واجباً وظيفياً.
ولعل أجمل ما يمكن أن تقدمه أي جهة لمراجعيها ليس المبنى الفخم ولا التقنية الحديثة، بل موظفون متزنون يدركون أن الأخلاق هي أساس الخدمة، وأن احترام الإنسان هو أول ما ينبغي أن يقدمه الموظف قبل إنجاز معاملته.
اللهم زد بلادنا عزاً ومجداً، وزدنا بها عشقاً وفخراً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك