تصاعدت انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي في جنوبي سوريا خلال الأيام الماضية، مع تسجيل توغلات واستهدافات في ريف درعا الغربي، ما أعاد طرح الأسئلة حول الخيارات المتاحة أمام دمشق للتعامل مع هذا التصعيد، وحدود التحرك الممكن في ظل الظروف السياسية والأمنية الحالية.
وكانت منطقة حوض اليرموك قد شهدت توغلاً للاحتلال تزامن مع استهداف قرية عابدين، ما دفع عدداً من الأهالي إلى النزوح المؤقت، قبل أن تنسحب القوات الإسرائيلية وتعود الأوضاع إلى الهدوء بعد ساعات.
وبين أولوية تجنب التصعيد العسكري والحاجة إلى وقف الانتهاكات ومنع تكرارها، يبرز السؤال حول المسارات التي يمكن أن تعتمدها دمشق، سياسياً ودبلوماسياً وداخلياً، في مواجهة تحركات الاحتلال جنوبي البلاد.
اعتداءات لا تنفصل عن حسابات إسرائيل الداخليةوفي هذا الشأن، قال الخبير في العلاقات السورية - الإسرائيلية، خالد خليل، إن الاعتداءات الإسرائيلية على السيادة السورية تمثل" أكبر تحدٍّ تواجهه سوريا الجديدة"، معتبراً أن الاحتلال يحاول فرض وقائع ميدانية وتنفيذ" احتلال كامل الأركان وموصوف"، عبر ممارسات تشبه، بحسب تعبيره، سيناريو الضفة الغربية، من خلال التضييق على السكان ودفعهم إلى التهجير.
وأضاف خليل، في تصريحات خاصة لموقع تلفزيون سوريا، أن هذه الممارسات يمكن أن تندرج، وفق توصيفات حقوقية، ضمن جرائم الحرب، ولا سيما حين ترتبط بالتنكيل بالناس والتضييق على حياتهم ودفعهم إلى مغادرة مناطقهم.
وبحسب خليل، فإن جانباً كبيراً من دوافع الاعتداءات الإسرائيلية يرتبط بحسابات سياسية داخلية في إسرائيل، وبشخص رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يواجه أزمات سياسية وقانونية وأمنية، ويحاول، وفق تقديره، استخدام" العربدة العسكرية" وإشعال الجبهات لإطالة عمره السياسي وإنقاذ صورته المتدهورة.
وتابع أن نتنياهو، بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر، بات يعتمد على تفجير المنطقة أمنياً بوصفه إحدى أدوات بقائه السياسي، مشيراً إلى أن ما يجري في سوريا يدخل ضمن سياسة اليمين الإسرائيلي المتطرف، الذي أصيب بحالة تخبط وفقدان توازن استراتيجي بعد ذلك التاريخ.
ذريعة الأمن وتغيير العقيدة الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبرإلى جانب الحسابات السياسية الداخلية، لفت خليل إلى سبب أمني آخر يتعلق بتبدل العقيدة العسكرية الإسرائيلية بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر، إذ باتت إسرائيل تسعى إلى فرض أحزمة أمنية ومناطق عازلة حولها، لمنع تكرار ما تسميه" كابوس السابع من أكتوبر".
لكن خليل يرى أن هذه المقاربة لا تحقق بالضرورة المصالح الأمنية الإسرائيلية، لأن الاعتماد على القوة العسكرية وحدها قد يورط إسرائيل في مواجهات ميدانية من دون هدف سياسي واضح.
وأشار، في هذا السياق، إلى وجود أصوات إسرائيلية وازنة تحذر من استمرار النشاطات العسكرية غير المبررة في سوريا، وتدعو إلى ترجمة المصالح الأمنية الإسرائيلية عبر اتفاق طويل ومستدام برعاية أميركية، بدلاً من التوغلات والاعتداءات المتكررة.
وأكد خليل أن سوريا الجديدة لم تعد تحت النفوذ الإيراني، ولم تعد جزءاً من الجبهات التي كانت إسرائيل تقول إنها تخشاها، ما يجعل الذرائع الإسرائيلية غير كافية لتبرير استمرار التصعيد.
سوريا في موقع جديد يقلق إسرائيللا يقف بعد الاحتلال، بحسب خليل، عند الحسابات الأمنية والسياسية فقط، بل يتصل أيضاً بتحولات جيوسياسية واقتصادية تشهدها المنطقة.
وقال إن المنطقة تتجه إلى" هندسة إقليمية أميركية جديدة" تقوم على دعم المشاريع التنموية والأنظمة المعتدلة، في مقابل تراجع منطق المحاور الأيديولوجية.
وضمن هذا السياق، يرى أن سوريا، بدعم وتقارب أميركيين، تتحول إلى إحدى ممرات الطاقة المهمة في المنطقة، وإلى بلد يعيد تعريف نفسه بوصفه بلداً عربياً ومتوسطياً وشريكاً في صناعة الأمن والاستقرار.
وبيّن خليل أن هذا التحول يثير قلق إسرائيل، ولا سيما لدى نتنياهو وفريقه، لأن دمشق باتت، وفق تعبيره، " نواة لمحور جديد" يستقطب قوى إقليمية ودولية لم تكن سابقاً على وفاق كبير.
" دمشق ومعركة الشرعية الدولية"في مواجهة هذه الانتهاكات، يرى خليل أن دمشق ذهبت حتى الآن إلى تفعيل أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي، أممياً وقانونياً، معتبراً أن خيار المفاوضات كان خياراً استراتيجياً نقل المواجهة من أرض الميدان إلى الساحة الدولية، أو ما أطلق عليه" معركة الشرعية".
وأضاف أن دمشق عملت، عبر دبلوماسيتها النشطة، على مراكمة رصيد جيوسياسي، من خلال نسج تحالفات وتوافقات مع قوى إقليمية ودولية، ولا سيما في ظل التقارب السوري - الأميركي غير المسبوق في الآونة الأخيرة، والذي يعد، برأيه، من أهم أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.
واعتبر خليل أن دمشق تدرك أن الهدف من هذه الاعتداءات هو استفزازها وجرها إلى صراع، لكنها نجحت حتى الآن في تجنب الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية، واعتمدت ما وصفه بـ" الحياد الدفاعي"، إلى جانب مقاربات تتسم بالواقعية السياسية والمرونة.
الخيار العسكري: غير مطروح الآنرغم أولوية المسار السياسي والدبلوماسي، أكد خليل أن دمشق لم تلغِ احتمال الاصطدام أو المواجهة العسكرية من قاموسها بشكل نهائي، لكنها تنتهج حالياً سياسة ضبط النفس والتأني، وعدم الانجرار إلى الاستفزازات الإسرائيلية.
واستحضر خليل تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع بعد استهداف إسرائيل مواقع سيادية في دمشق، حين قال إن" من يريد الحرب يستطيع أن يبدأها لكنه لن يستطيع إنهاءها"، معتبراً أن ذلك عكس ارتفاعاً في نبرة التحدي السورية تجاه الاعتداءات الإسرائيلية، من دون أن يعني انتقال دمشق إلى خيار المواجهة العسكرية المباشرة.
" الرد الأمثل دبلوماسي ودعم المجتمعات المحلية"من جهته، أكد الخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية، نوار شعبان، أن الرد العسكري" غير موجود على الطاولة" في الوقت الحالي، وأن الرد الأمثل على الانتهاكات الإسرائيلية هو الرد الدبلوماسي، لأن إسرائيل تعتمد على" استراتيجية الذرائع"، وقد ترى في أي تدخل عسكري أو أمني من جانب الحكومة السورية مبرراً لمزيد من التصعيد.
وأضاف شعبان، في تصريح لموقع تلفزيون سوريا، أن هناك نوعاً آخر من الردود يجب تفعيله، لا يقوم على الدعم العسكري أو الأمني، بل على دعم المجتمعات المحلية خدمياً واجتماعياً، وجعلها أكثر قدرة على الصمود في وجه محاولات التقدم الإسرائيلي.
وبحسب شعبان، فإن المجتمعات المحلية في الجنوب تشكل إحدى أدوات الردع غير المباشر، لأن الاحتلال، حين يتقدم في المناطق الحدودية، " يجس نبض" هذه المجتمعات ويحاول رسم خريطة لتحركاته على الأرض.
" تحصين الجنوب يبدأ من الناس"وشدد شعبان على أن تعزيز حضور الدولة في المناطق الحدودية يجب أن يتم عبر الاهتمام بالخدمات اليومية، والزيارات الدورية، والاجتماع مع الأعيان، ومتابعة عائلات المعتقلين السوريين في سجون الاحتلال، وغيرها من الملفات التي تجعل السكان يشعرون بأنهم غير منفصلين عن المركز في دمشق.
وبيّن أن بقاء المجتمع المحلي قوياً ومتماسكاً يمثل خط دفاع أساسياً في هذه المرحلة، ليس بالمعنى العسكري أو الأمني المباشر، بل بمعنى منع الفراغ الذي يمكن أن تستغله إسرائيل لتوسيع نفوذها أو فرض وقائع جديدة.
ويتقاطع هذا الطرح مع ما ذهب إليه خالد خليل، الذي رأى أن تحصين الجبهة الداخلية لا يمكن أن يتحقق إلا عبر كف الاعتداءات الخارجية، وبسط سيطرة الدولة على كامل التراب السوري، وحصر السلاح بيد الدولة، إلى جانب دعم الأهالي في الجنوب، الذين أظهروا، وفق تعبيره، موقفاً واضحاً برفض الاعتداءات الإسرائيلية وحتى رفض المساعدات الإسرائيلية.
ورغم أهمية التحرك الدبلوماسي، أوضح شعبان أن سوريا تستطيع حشد دعم دولي وإقليمي وعربي، لكن السؤال الأهم هو مدى قدرة هذا الدعم على التأثير في السلوك الإسرائيلي بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر.
وأشار إلى أن إسرائيل، بعد ذلك التاريخ، أعادت صياغة نهجها العدواني والتوسعي، وبدأت تسعى إلى خلق نقاط دفاعية متقدمة في المناطق المحيطة بها، كما ظهر في غزة ولبنان وسوريا.
وأضاف أن التجربة في لبنان تظهر أن الاتفاقيات والتدخلات الأميركية لا تمنع بالضرورة استمرار الاستهدافات والتصعيد، ما يعني أن الإشكالية لا تكمن فقط في القدرة على حشد الدعم، بل في مدى فاعلية هذا الدعم في كبح النهج الإسرائيلي.
وتشهد محافظتا درعا والقنيطرة، منذ سقوط نظام الأسد المخلوع في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تصاعداً في وتيرة الانتهاكات الإسرائيلية، شملت توغلات وعمليات تمشيط ونقاط تمركز مؤقتة، إلى جانب استهدافات متفرقة طالت مواقع في الجنوب السوري وأسفرت عن سقوط ضحايا.
وتدعي إسرائيل أن تحركاتها تأتي ضمن اعتبارات أمنية، في حين تؤكد دمشق أن هذه الانتهاكات تمثل خرقاً للسيادة السورية ولاتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وسط دعوات عربية ودولية متكررة إلى وقف التصعيد واحترام وحدة الأراضي السورية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك