يفتح الإعلان عن فوز مجموعة" زين" الكويتية بالرخصة الجديدة لمشغل الاتصالات الخليوية في سوريا الباب أمام مرحلة جديدة في قطاع الاتصالات، الذي عانى لسنوات من ضعف البنية التحتية وتراجع جودة الخدمات.
كذلك يثير هذا الإعلان تساؤلات حول مدى قدرة هذا الاستثمار على إحداث تحول حقيقي في السوق السورية، وما إذا كان سيمثل بداية لاقتصاد رقمي أكثر تطوراً، أم أن نجاحه سيظل مرهوناً بوضوح العقود وآليات التنفيذ والرقابة.
وبحسب وكالة" رويترز"، حصلت" زين" على ترخيص مدته 20 عاماً لتشغيل شبكة هواتف محمولة في سوريا، في حين ذكرت وكالة" بلومبيرغ" أن حجم الاستثمار يتجاوز 1.
5 مليار دولار، ليكون أكبر استثمار أجنبي في البلاد منذ سقوط نظام الأسد المخلوع.
ووفق المعلومات المتداولة، ستدفع الشركة نحو 747 مليون دولار مقابل رخصة التشغيل، إضافة إلى استثمار يقارب 800 مليون دولار لتطوير البنية التحتية وإدخال خدمات الجيل الخامس (5G)، بينما يحتفظ الصندوق السيادي السوري بحصة تبلغ 25 بالمئة من الرخصة.
كما كشفت" رويترز" أن مهندسي" زين" أنهوا أخيراً عمليات مسح ميداني لشبكة" إم تي إن سوريا"، شملت الأبراج ومحطات الطاقة والمعدات الفنية، تمهيداً لبدء تنفيذ المشروع، وذلك بعد أشهر من إعلان" إم تي إن" إنهاء عملياتها في سوريا.
وفي هذا الشأن، رأى خبير الاتصالات والمعلوماتية الدكتور عبد العزيز شقيفة أن دخول" زين" يتجاوز كونه إضافة مشغل جديد إلى السوق السورية، معتبراً أنه يمثل خطوة نحو بناء اقتصاد رقمي متكامل.
وقال شقيفة، خلال مداخلة على شاشة تلفزيون سوريا، إن الاستثمار في البنية التحتية للجيل الخامس لا يعني فقط تحسين خدمات الاتصال، بل يهيئ البيئة اللازمة لإطلاق خدمات الحكومة الذكية، والتعليم عن بعد، والطب الرقمي، والدفع الإلكتروني، وأمن المعلومات، وهي قطاعات تعتمد على شبكة اتصالات مستقرة وعالية الكفاءة.
وأضاف أن استثماراً بهذا الحجم يبعث رسالة طمأنة إلى المستثمرين الأجانب، وقد يشجع شركات أخرى على دخول السوق السورية، في ظل الانفتاح الاقتصادي الذي تشهده البلاد.
كما توقع أن يؤدي دخول" زين" إلى خلق منافسة أكبر في سوق الاتصالات، بما ينعكس على جودة الخدمة، بعد سنوات اقتصرت فيها خدمات الهاتف المحمول على عدد محدود من المشغلين.
واستشهد شقيفة ببيانات تشير إلى وجود نحو 20 مليون اشتراك في خدمات الهاتف المحمول في سوريا، مقابل نحو 9 ملايين مستخدم للإنترنت فقط حتى نهاية عام 2025، معتبراً أن هذا الفارق يعكس ضعف جودة الشبكات والانقطاعات المتكررة، وهو ما يمكن أن يسهم الاستثمار الجديد في معالجته.
ورأى أن دخول الشركة يتكامل مع مشروع" سيلك لينك"، الذي أُعلن عنه سابقاً لتطوير شبكة الألياف الضوئية، معتبراً أن المشروعين يمثلان مرحلتين متكاملتين لتطوير البنية التحتية الرقمية في سوريا.
وتوقع شقيفة أن تظهر النتائج تدريجياً إذا ضخت الشركة استثماراتها بالشكل المعلن، واستفادت من الكفاءات السورية في تنفيذ المشروع، معتبراً أن الأولوية في المرحلة الأولى ستكون لتحسين جودة الخدمة وسرعة الإنترنت وتوسيع التغطية، أكثر من التركيز على خفض الأسعار.
كما رجّح أن يؤدي دخول مشغل جديد إلى زيادة المنافسة، ما سيدفع الشركات العاملة إلى تحسين خدماتها للحفاظ على حصتها في السوق.
في المقابل، دعا وزير الاتصالات في الحكومة السورية المؤقتة السابقة، محمد ياسين نجار، إلى التعامل بحذر مع المشروع، مؤكداً أن نجاحه لا يُقاس بحجم الشركة أو قيمة الاستثمار فقط، وإنما بمدى وضوح العقد وتحقيقه للمصلحة العامة.
ورأى نجار، خلال مداخلة على شاشة تلفزيون سوريا، أن دخول" زين" يمثل خطوة مهمة، ولا سيما بعد سنوات من تراجع جودة خدمات الاتصالات، لكنه انتقد غياب المعلومات الرسمية، معتبراً أن معظم ما يتم تداوله حتى الآن يستند إلى تقارير إعلامية خارجية، في حين كان من المفترض أن تعلن وزارة الاتصالات تفاصيل المشروع وآلية اختيار الشركة وشروط العقد.
وأشار إلى أن قطاع الاتصالات يُعد من القطاعات السيادية، لما يحمله من أبعاد اقتصادية وأمنية، ولذلك فإن العقود المتعلقة به تحتاج إلى أعلى درجات الشفافية والحوكمة، إضافة إلى رقابة مؤسسات الدولة.
وأكد أن تقييم أي عقد لا يجب أن ينطلق من قوة الشركة المستثمرة، بل من المكاسب التي يحققها للدولة السورية، والالتزامات الواضحة التي يتضمنها، سواء من حيث حجم الاستثمارات أو الجدول الزمني أو مؤشرات التنفيذ.
كما لفت إلى أن العقود الكبرى عادة ما تتضمن مراحل تنفيذ محددة ومواعيد زمنية واضحة، بما يسمح بقياس مدى التزام المستثمر بتعهداته، وهو ما يرى أنه لم يُعلن بصورة كافية حتى الآن.
وأضاف أن تطوير قطاع الاتصالات لا يرتبط فقط بإدخال تقنية الجيل الخامس، بل يبدأ بمعالجة المشكلات الأساسية التي يعاني منها المستخدمون حالياً، وفي مقدمتها ضعف التغطية وسرعات الإنترنت وانقطاع الشبكات في عدد من المناطق.
وفيما يتعلق بمدة الترخيص وحصة" زين" في المشروع، رأى نجار أن غياب التفاصيل الرسمية يجعل من الصعب إصدار تقييم موضوعي للعقد، مؤكداً أن أي مشروع بهذا الحجم يجب أن يكون واضحاً أمام الرأي العام، وأن يخضع للإجراءات القانونية والرقابية اللازمة.
ورغم اختلاف وجهتي النظر، يتفق الخبيران على أن قطاع الاتصالات السوري بحاجة إلى استثمارات كبيرة تعيد تأهيل بنيته التحتية، وتواكب التطورات التقنية العالمية.
وبينما ينظر فريق إلى دخول" زين" باعتباره بداية لمرحلة جديدة من التحول الرقمي وجذب الاستثمارات، يرى آخرون أن تحقيق هذه الأهداف يبقى مرتبطاً بمدى الشفافية في إدارة المشروع، ووضوح العقود، ووجود رقابة مؤسسية تضمن أن تنعكس الاستثمارات الجديدة على جودة الخدمات ومصلحة المستخدمين والاقتصاد السوري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك