قبل ستة أشهر من انتهاء برنامج التمويل الرابع بين الحكومة المصرية وصندوق النقد الدولي، أكد كبير المستشارين الاقتصاديين بمؤسسة الرئاسة ووزير المالية الأسبق، أحمد جلال، أن النقاش حول مستقبل علاقة مصر بالصندوق" ما زال مفتوحاً".
وأوضح أن الحديث عن الاكتفاء بالبرنامج القائم الذي ينتهي في ديسمبر/ كانون الأول 2026، لا يعكس بالضرورة ما تفرضه التحديات الهيكلية التي لا يزال الاقتصاد المصري يواجهها.
وفي تصريح خاص لـ" العربي الجديد"، رجّح جلال أن يبقى خيار التفاوض على ترتيب تمويلي جديد مطروحاً على طاولة الحكومة، إذا استمرت الفجوات التمويلية والضغوط الخارجية دون معالجة جذرية.
وأضاف أن المؤشرات الحالية توحي بأن الحكومة لا تزال تتحرك في أكثر من اتجاه لتأمين احتياجاتها التمويلية، وأن خيار التوصل إلى اتفاق جديد مع الصندوق" ما زال قائماً"، حتى وإن كانت التصريحات الرسمية تشير إلى عدم الحاجة لبرنامج جديد بعد انتهاء الحالي.
تأتي تقديرات الخبير الاقتصادي في وقت أعلن فيه صندوق النقد الدولي، أول من أمس، التوصل إلى اتفاق مع الحكومة المصرية على مستوى الخبراء بشأن المراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، بما يمهد لصرف نحو 1.
6 مليار دولار بعد اعتماد المجلس التنفيذي.
وجاء هذا الإعلان عقب تصريح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بأن الحكومة لا ترى حاجةً إلى برنامج جديد مع الصندوق إثر انتهاء البرنامج الحالي.
ويرى جلال أن قراءة المشهد الاقتصادي ينبغي ألّا تقتصر على توافر التمويل قصير الأجل، وإنما يجب أن تنطلق من طبيعة المشكلات الهيكلية التي لا تزال تضغط على الاقتصاد المصري.
وأوضح أن استمرار فجوات التمويل، واتساع الفارق بين الصادرات والواردات، والاعتماد على الاقتراض لتوفير النقد الأجنبي، كلها عوامل تجعل البحث عن مصادر تمويل خارجية خياراً مطروحاً، ما لم يتحقق تحول حقيقي في هيكل الاقتصاد.
وأشار وزير المالية الأسبق إلى أن الأزمة الأساسية ليست في الاقتراض ذاته، وإنما في توجيه جانب معتبر من الموارد إلى أنشطة لا تولد عائداً دولارياً مستداماً، بينما يحتاج الاقتصاد إلى توسيع الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الصناعة الموجهة للتصدير، باعتبارها المصدر الأكثر استدامة لتوفير العملة الأجنبية وسداد الالتزامات الخارجية.
وأضاف أن الاقتصاد المصري لا يزال، وفق توصيفه، يقف داخل" المنطقة الرمادية"؛ فلا هو اقتصاد يعاني انهياراً يجبره على تدخلات استثنائية، ولا هو اقتصاد نجح في استكمال إصلاحاته الهيكلية بما يجعله قادراً على تحويل الأزمات إلى فرص للنمو، كما فعلت اقتصادات أخرى واجهت ظروفاً مشابهة.
وشدد جلال على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الحصول على شريحة جديدة من صندوق النقد أو غيره من مؤسسات التمويل الدولية، وإنما في معالجة" المرض الهيكلي" الذي يجعل الاقتصاد يعود إلى نقطة البداية بعد كل أزمة، بسبب استمرار الاعتماد على الاقتراض لسد فجوات التمويل، بدلاً من تضييق هذه الفجوات من خلال زيادة الإنتاج والصادرات.
وتتسق رؤية المستشار الاقتصادي بالرئاسة مع الرسائل التي تضمنها البيان الأخير لصندوق النقد الدولي، والذي أشاد بقدرة الحكومة على احتواء التداعيات الاقتصادية للحرب الإقليمية، مثمناً مرونة سعر الصرف، وإصلاح أسعار الطاقة، وترشيد الإنفاق العام، لكنه عاد ليؤكد في الوقت نفسه أن المرحلة المقبلة تتطلب تسريع الإصلاحات الهيكلية، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز تكافؤ الفرص، والإسراع في تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية، بما يسمح للقطاع الخاص بقيادة النمو الاقتصادي.
ويؤكد جلال أن هذه المطالب لا تختلف في جوهرها عما تحتاج إليه مصر بالفعل، مشيراً إلى أن نجاح الحكومة في إدارة الأزمات خلال السنوات الماضية لا يُغني عن ضرورة إعادة النظر في النموذج الاقتصادي نفسه، بحيث يصبح القطاع الخاص المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي، بينما يقتصر دور الدولة على التنظيم، ووضع السياسات، وتوفير البيئة المناسبة للاستثمار.
وذكر أن توسع الدولة في النشاط الاقتصادي بلغ مستويات غير مسبوقة مقارنة بمراحل تاريخية مختلفة، بما فيها فترات شهدت تطبيق نماذج الاقتصاد المختلط أو التوجهات الاشتراكية، وهو ما يستدعي، من وجهة نظره، إعادة رسم الحدود بين دور الدولة ودور القطاع الخاص، إذا كانت مصر تستهدف تحقيق معدلات نمو مرتفعة ومستدامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك