كثير من فناني الاستشراق زاروا الشرق، لكنهم لم يغادروه فعلياً خارج حدود المخيلة التي حملوها معهم، وآخرون لم يزوروه قط، ومع ذلك أنتجوا عشرات الصور التي بدت، مقنعة إلى حد ما.
لماذا ظل الشرق المتخيل صامداً إلى هذا الحد، رغم الاحتكاك المباشر به، ولم يكن الواقع والرؤية المباشرة كافيين لتعديل الصورة؟ سؤال يطرحه معرض" الاستشراق: بين الحقيقة والخيال" الذي افتتح في 12 يونيو/ حزيران، في متحف المتروبوليتان بنيويورك، ويستمر حتى 18 فبراير/ شباط المقبل، مقدماً تفسيراً للآلية التي شكلت هذه النظرة الأوروبية للشرق، وكيف أعادت إنتاج الواقع وفق شروطها الخاصة.
من بين التجارب المحورية التي يستند إليها المعرض تأتي تجربة الفنان الفرنسي جان ليون جيروم، الذي زار الشرق بداية من عام 1856.
ولكن عند تأمل اللوحات التي رسمها قبل هذه الزيارة، ثم مقارنتها بأعماله التي أنجزها لاحقاً، سنلاحظ أنه لم يتغيّر شيء يُذكر، سوى التفاصيل السطحية التي تمنح اللوحة وهم الدقة.
أما الجوهر، فظل أسير الخيال ذاته ومُحملاً بصور الحكايات والروايات المتداولة، وكأن الصورة القديمة التي انطبعت في ذهنه كانت أكثر رسوخاً من أن يزعزعها الواقع.
بدأ جيروم رحلاته إلى الشرق في منتصف القرن التاسع عشر، حيث زار القاهرة وإسطنبول والقدس ودمشق، ورأى الأسواق والمساجد والوجوه.
لكنه حين رسمها تعامل معها باعتبارها أجزاء وعناصر قابلة لإعادة التركيب والتوليف في سياقات خيالية، فالنقوش والعمارة والأزياء في اللوحة الواحدة، والتي لا تنتمي غالباً إلى مكان واحد، هي مجرد لبنات بصرية لتشكيل شرق آخر متخيل، هو أقرب إلى الفانتازيا البصرية.
لبنات بصرية شكّلت شرقاً آخر متخيلاً أقرب إلى فانتازيا بصرية" باشي بازوق" هو اسم لإحدى لوحات جيروم التي يضمها المعرض، وهو اسم تركي يعني الجندي غير النظامي، المرتبط تاريخياً بالفوضى والعنف.
في هذه اللوحة التي رسمها الفنان عام 1869، تختفي هذه الدلالة تقريباً، لتحل محلها صورة ساكنة ومُهذبة وشديدة الإتقان لرجل أفريقي، مع اهتمام دقيق بالزخرفة والملمس والضوء.
لا أثر هنا لاضطراب أو قسوة، كأن الشخصية المرسومة قد نزعت من سياقها، ليعاد تقديمها في هيئة جمالية رشيقة كما ترتسم في خيال المتلقي الأوروبي.
في لوحات أخرى مثل سوق العبيد، أو مشاهد الحمّامات والحريم التي تتكرر عند رسامي الاستشراق، تبدو التفاصيل دقيقة إلى حد الإبهار، من زخارف الجدران، وانعكاسات الضوء، إلى ملمس الأقمشة، وملامح الوجوه.
كل شيء يوحي بأننا أمام تسجيل بصري واقعي وحقيقي، غير أن هذا الإحساس سرعان ما يتصدّع حين ننتبه إلى طبيعة المشهد نفسه، ففضاء اللوحة يكاد يكون مغلقاً، أما الشخصيات فتبدو بلا سياق تاريخي واضح، كأنها خارج الزمن.
الفنان هنا يوظف الدقة التصويرية فقط لمنح المشهد مظهراً مقنعاً، فكلما زادت التفاصيل بدت الصورة أقرب للحقيقة، رغم أنها في جوهرها مبنية على تصور خيالي.
هذه المراوحة بين التوثيق والخيال تتكرر في أعمال معظم الفنانين داخل المعرض، مثل لوحات يوجين ديلاكروا من رحلته إلى المغرب، بخيالها الدرامي الكثيف أو أعمال جان أوغست دومينيك لآنغر وجون فريدريك لويس التي تبدو متقنة تماماً، لكنها معزولة عن أي سياق اجتماعي حقيقي.
كل هذه الأمثلة تعيد ترتيب الواقع، فتنتقي منه ما يخدم الصورة الذهنية، وتستبعد ما يربكها أو يتعارض معها.
ربما لهذا ظل هؤلاء الفنانون محتفظين بالصورة الخيالية نفسها للشرق، حتى بعد زيارتهم له، وكأن الواقع لم يكن كافياً لمواجهة ما كان ثابتاً أصلاً.
فكيف حافظت هذه الصورة المتخيلة على تماسكها رغم تناقضها مع الواقع؟ ولماذا كانت مطلوبة إلى هذا الحد في أوروبا القرن التاسع عشر؟لم يعد يُنظر إلى هذه الأعمال كونها نافذة على الشرقيبدو أن المتلقي الأوروبي كان في حاجة إلى شرق يمكن استهلاكه بصرياً، صورة جميلة، أو غريبة بما يكفي لإثارة الفضول، لكنها خالية من أي تعقيد سياسي، ومنفصلة عن تحولات التاريخ، بل وحتى بلا صوت.
أو، بمعنى آخر، صورة تقدّم تمثيلاً مريحاً للشرق.
من هنا بدت لوحات جيروم وديلاكروا ولويس وغيرهما نافذة على عالم آخر، حتى وإن كان هذا الآخر مُعاد التشكيل بعناية داخل المرسم.
وهكذا، تلاقت رغبة السوق مع منطق الصورة الاستشراقية، فكلما بدت اللوحة أكثر واقعية، ازدادت قدرتها على ترسيخ هذه التصورات.
وهي الفكرة التي يعيد المعرض طرحها عبر الكشف عن الآليات التي جعلتها ممكنة وقابلة للتصديق.
اليوم، لم يعد ينظر إلى هذه الأعمال كونها نافذة على الشرق، إذ يتم التعامل معها كأدلة على كيفية تشكّل صورة الآخر داخل المخيلة الأوروبية، وتشارك المتاحف في تفكيك تلك النظرة الاستشراقية المتخيلة التي بدت يوماً بديهية.
غير أن هذه اللوحات، رغم نقدها، لا تزال تحتفظ بقوة جاذبيتها البصرية وجمالها ودقتها، وإغوائها الصامت.
فهل يمكن تفكيك هذه الصورة دون الوقوع في سحرها؟ وهل يكفي تغيير سياق العرض لتغيير معناها؟ ومن هنا تأتي أهمية المعرض، فهو يسلط الضوء على اللوحات وجمالها، لكنه لا يغفل الآلية التي جعلتنا نراها على هذا النحو.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك