إن خيار حفر الأنفاق وتحويل القرى الوادعة إلى خطوط تماس عسكرية ومستودعات تحت الأرض، دون إذن من أصحاب الأرض وخارج إطار القانون والدستور اللبناني، قد أثبت عقم جدواه في حماية المدنيين، بل تحول إلى العامل الأساسي الذي اتخذه الاحتلال لتبرير تدمير معالم الحياة وإبادة القرى عن بكرة أبيها.
من الصعب الحديث عما آلت إليه الأوضاع في جنوب لبنان دون أن يتملك المرء شعور عميق بالأسى والحرقة على ما حل بتلك القرى والبلدات الوادعة.
إن المشاهد القادمة من بلدات مثل يارون، ومحيبيب، وبليدا، وعيترون، ومؤخراً في قضاء بنت جبيل، والتي أظهرت مسح أحياء كاملة وتفجيرها عن بكرة أبيها، تدمي قلب كل لبناني وجنوبي ارتبطت هويته وذكرياته بتراب تلك الأرض ومنازلها التراثية.
هذا الواقع الصادم يفتح الباب على مصراعيه أمام أسئلة مشروعة وحاسمة يطرحها أبناء الجنوب اليوم بمرارة: لماذا حُفرت شبكات الأنفاق الضخمة والمخازن العسكرية تحت البيوت وفي قلب الحواضر السكنية؟ وماذا فعلت هذه الأنفاق لحماية المدنيين إن كانت قد تحولت إلى ذريعة ومسبب مباشر لتدمير قراهم وتهجيرهم؟ وكيف تنظر القوانين الوضعية والشرائع الدينية إلى التصرف بملكيات الناس دون إذنهم وتحويل أمنهم إلى خطر داهم؟جغرافيا الأنفاق وتحول البيوت إلى مربعات أمنيةلقد كشفت العمليات العسكرية الأخيرة، وما رافقها من توثيق جوي وميداني، عن وجود شبكة أنفاق بالغة التعقيد تمتد تحت الحقول والقرى الآهلة بالسكان في الجنوب.
تاريخياً، اعتمد هذا النمط من المنظومات العسكرية كجزء من استراتيجية “حرب العصابات” أو الدفاع غير المتكافئ، لكن الإشكالية الكبرى تجسدت في نقل هذه البنية التحتية من الأحراش والأودية المفتوحة إلى عمق البلدات والقرى الصغيرة.
وفقاً لتقارير عسكرية وميدانية متعددة (مثل دراسات “معهد ألما” للأبحاث ومتابعات الصحافة الاستقصائية اللبنانية والعالمية)، فإن هذه الأنفاق تفرعت إلى مستويات عدة: بعضها مخصص لتخزين الذخيرة والصواريخ، وبعضها الآخر كخطوط إمداد وممرات لشن الهجمات.
إلا أن النتيجة المباشرة لهذا التداخل بين العسكري والمدني كانت كارثية؛ فالجيش الإسرائيلي اعتمد استراتيجية “الأرض المحروقة” وتفخيخ المجمعات السكنية بذريعة وجود أنفاق ومستودعات تحتها، مما أدى إلى مسح معالم معمارية واجتماعية وتاريخية شكلت هوية الجنوب لقرون، وتحول العمار القروي إلى ركام في غضون لحظات.
الكارثة البيئية والاجتماعية: اقتلاع الهوية وتدمير الاقتصاد الرعويلم يتوقف حجم الضرر عند خسارة الحجر، بل امتد ليفجر أزمة اجتماعية وبيئية واقتصادية طويلة الأمد:التمزق الاجتماعي والتهجير: إن مسح قرى بأكملها يعني عملياً تشتيت مجتمعات قروية متماسكة كانت تعتمد على التكافل الأسري والجيرة.
هذا التهجير القسري طويل الأمد يخلق شروخاً في النسيج الاجتماعي الجنوبي ويضعف الانتماء الجغرافي للأجيال الجديدة.
تدمير البيئة والتربة: تفجير الأنفاق باستخدام أطنان من المواد المتفجرة الشديدة التدمير يؤدي إلى زلازل موضعية تصدع القشرة الأرضية، وتلوث المياه الجوفية بمخلفات المواد الكيميائية السامة، فضلاً عن القضاء على الغطاء النباتي وأشجار الزيتون المعمرة التي تشكل رئة الجنوب الاقتصادية والبيئية.
الاقتصاد الرعوي والزراعي: كانت هذه القرى تعتمد بشكل أساسي على زراعة التبغ، والزيتون، وتربية الماشية.
تحويل الحقول والبلدات إلى حقول ألغام وممرات للأنفاق جعل من المستحيل استعادة الدورة الاقتصادية لهذه القرى في المدى المنظور.
المقاربة القانونية: خرق “مبدأ التمييز” والملكية الفرديةمن الناحية القانونية والدستورية، تثير عملية حفر الأنفاق وتخزين الأسلحة بين المدنيين دون علمهم أو موافقتهم إشكالات قانونية حاسمة على مستويين:أولاً: القانون الدولي الإنساني (قوانين الحرب)تعتبر اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الإضافية التابعة لها أن “مبدأ التمييز” هو الحجر الأساس في حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.
يفرض هذا المبدأ على أي قوة مسلحة التمييز دائماً بين المقاتلين والمدنيين، وبين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية.
تنص المادة 58 من البروتوكول الإضافي الأول على أنه يجب على أطراف النزاع تجنب وضع أهداف عسكرية داخل المناطق الآهلة بالسكان أو بالقرب منها، والعمل على حماية السكان المدنيين من الأخطار الناتجة عن العمليات العسكرية.
وبالتالي، فإن عسكرة القرى وحفر المنشآت الحربية تحت منازل المدنيين يُعد خرقاً لهذا المبدأ، لأنه يحول الأعيان المدنية حكماً إلى أهداف عسكرية مشروعة بنظر العدو، ويُعرض حياة الأبرياء وممتلكاتهم للخطر المباشر.
ثانياً: القانون اللبناني وحق الملكيةيكفل الدستور اللبناني في مقدمته وفي المادة 15 منه الملكية الفردية، حيث لا يجوز نزع الملكية أو التصرف بها أو إحداث أي تغيير جوهري فيها إلا للمنفعة العامة وضمن الأطر القانونية والقضائية وبمقابل تعويض عادل.
حفر الأنفاق تحت أملاك المواطنين الخاصة (منازل، حقول، بساتين) دون الحصول على إذن رسمي أو موافقة صريحة من أصحاب الأرض يُعتبر تعدياً صارخاً على الملكية الفردية وخروجاً عن سلطة الدولة والقانون، مما يحرم المواطن من حقه الأساسي في الأمن والأمان فوق أرضه.
المقاربة الشرعية والفقهية: غياب الاستئذان وضمان الضررعند التساؤل عما يقوله الشرع الإسلامي (سواء في الفقه الجعفري أو الفقه الإسلامي العام) حول التصرف في أملاك الناس واستخدامها لأغراض عسكرية تؤدي إلى دمارها، تبرز القواعد الفقهية الكبرى التي تحكم الدماء والأموال:حرمة الأموال والأنفس: إن من المسلمات الفقهية أن “حرمة مال المسلم كحرمة دمه”.
فلا يجوز شرعاً التصرف في ملك الغير (سواء كان أرضاً، أو بناءً، أو فضاءً تحته أو فوقه) إلا بطيب نفس من مالكه وموافقته الصريحة والواعية.
وحفر الأنفاق دون استئذان الملاك يُعد تصرفاً غصبياً في ملك الآخرين.
قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”: وهي قاعدة فقهية مستندة إلى الحديث النبوي الشريف، وتعني أنه لا يجوز إيقاع الضرر بالآخرين ابتداءً، ولا مقابلة الضرر بالضرر.
إن وضع تجهيزات عسكرية تحت بيوت مدنية، مع العلم القطعي بأن العدو سيقوم بقصف هذه البيوت وتدميرها وتشريد أهلها، هو تسبب مباشر في إلحاق الضرر الفادح بالمدنيين، وهو أمر محرم شرعاً.
قاعدة “الضمان”: يقرر الفقه أن “من أتلف مال غيره فهو له ضامن”.
والتسبب في تدمير قرية بأكملها نتيجة اتخاذها مقراً عسكرياً سرياً دون غطاء شرعي من الموافقة الشعبية أو الرسمية يرتد مسؤولية شرعية وأخلاقية (وضماناً معنوياً ومادياً) على الجهة التي أحدثت هذا السبب.
مفهوم “الحفاظ على النفوس”: إن الحفاظ على أرواح الناس وأمنهم ومقومات حياتهم هو من أسمى مقاصد الشريعة الإسلامية، وتأتي مقدمة على أي اعتبارات تكتيكية صغرى إذا كانت ستؤدي إلى تهجير مئات الآلاف ومسح قراهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك