بالتزامن مع الحراك الميداني المتسارع الذي تقوده واشنطن للإشراف على تطبيق التفاهمات الحدودية، يواجه «الاتفاق الإطاري» الموقع بين لبنان وإسرائيل جداراً سياسياً ودستورياً سميكاً داخل العاصمة بيروت؛ إذ لم يُعرض الاتفاق على مجلس النواب اللبناني حتى الآن لمناقشته أو التصويت عليه.
هذا الجمود التشريعي لا يعكس فقط تعقيدات البنية القانونية اللبنانية، بل يترجم حجم الرفض السياسي العارم الذي يقوده رئيس البرلمان نبيه بري، محولاً ردهات قصر «عين التينة» إلى خط الدفاع الأول لإجهاض الصيغة الحالية للاتفاق.
المسار الدستوري: لماذا يستعصي الاتفاق على البرلمان؟وفقاً للقراءة القانونية ومواد الدستور اللبناني —لا سيما المادتين 52 و65— فإن الاتفاقات والمعاهدات الدولية لا تسلك طريقاً مباشراً نحو الهيئة العامة لمجلس النواب، بل تخضع لمسار تدرجي إلزامى:صلاحية السلطة التنفيذية: يتولى رئيس الجمهورية مهمة المفاوضة بالاتفاق مع رئيس الحكومة، إلا أن الاتفاق لا يصبح مبرماً ولا يمكن إحالته إلى البرلمان إلا بعد نيل موافقة «مجلس الوزراء» بأغلبية الثلثين، كونه يُصنف دستوريّاً ضمن “القرارات الأساسية”.
مرحلة الجمود الراهنة: لا يزال الاتفاق مكبلاً في عهدة السلطة الإجرائية (الحكومة)، حيث لم يحصل على ترخيص الإبرام أو غطاء الثلثين داخل مجلس الوزراء، مما يمنع قانوناً تحويله إلى اللجان النيابية أو الهيئة العامة للمجلس.
«فيتو» نبيه بري: معادلة المواجهة من الحكومة إلى ساحة النجمةشكل الموقف الحاسم لرئيس مجلس النواب نبيه بري سداً منيعاً قطع الطريق أمام أي محاولة لإضفاء «الشرعية البرلمانية» على الاتفاق.
ولم يتردد بري في وصف البنود المطروحة بأنها «إملاءات خارجية» لا تحفظ حقوق لبنان وسيادته، مشبهاً إياها بأنها “أسوأ بعشر مرات من اتفاق 17 أيار” الشهير.
وفي إطار استراتيجيته لإجهاض الاتفاق، رسم رئيس البرلمان خريطة طريق واضحة للمواجهة:الحصار داخل السرايا الحكومية: أكد بري أن وزراء الثنائي النيابي (حركة أمل وحزب الله) لن يلجأوا إلى مقاطعة جلسات مجلس الوزراء، بل سيحضرون بقوة لمواجهة الاتفاق وإسقاطه في المهد قبل تفكير أي طرف في ترحيله إلى البرلمان.
البلوك النيابي المعارض: يستند بري في موقفه إلى «أغلبية وازنة» داخل البرلمان تضم كتل الثنائي وحلفائهم، مما يعني أن الاتفاق —حتى لو نجح في عبور فخ الحكومة بمعجزة سياسية— سيصطدم بـ«فيتو تشريعي» صلب تحت قبة البرلمان يمنع التصويت عليه أو إقراره.
الألغام المفخخة: بنود تفجر الهواجس السياديةيعود استعصاء عرض الاتفاق على نواب الأمة إلى وجود ثنايا وألغام جوهرية في نصه، يراها المعارضون مساساً خطيراً بالسيادة اللبنانية، وتتمثل أبرز نقاط الخلاف في:معادلة السلاح مقابل الانسحاب: يربط الاتفاق بشكل عضوي ومباشر بين الانسحاب التدريجي لجيش الاحتلال الإسرائيلي من المواقع الحدودية وبين “نزع سلاح حزب الله” وتفكيك بنيته العسكرية، وهو شرط تراه قوى الممانعة تعجيزياً ويهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية عجزت إسرائيل عن فرضها ميدانياً.
غياب المهل وإسقاط حقوق الملاحقة: يبدي القانونيون هواجس كبرى من افتقار الاتفاق إلى مهل زمنية ملزمة ومحددة لانسحاب الاحتلال، ناهيك عن الجدل المستعر حول بند قيل إنه يفرض على لبنان التنازل عن حقه في مقاطعة إسرائيل دولياً أو مطالبتها بتعويضات عن خسائر الحرب.
ويمر «الاتفاق الإطاري» حالياً بمرحلة «موت سريري» في الأروقة الدستورية اللبنانية؛ فلا هو قادر على حصد غطاء الثلثين في حكومة يتربص بها وزراء الثنائي، ولا أبواب البرلمان مشرعة أمامه في ظل إطباق الرئيس نبيه بري على مفاتيح «ساحة النجمة»، مما يجعل من هذا الاتفاق —بصيغته الحالية— مجرد حبر على ورق ينتظر إما تعديلاً جذرياً يرضي التوازنات المحلية، أو انفجاراً سياسياً جديداً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك