منذ أن أطاحت الثورة الإسلامية بنظام الشاه عام 1979، رُسمت صورةٌ ذهنية لإيران باعتبارها العدو الأول للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
لكن بعد ما يقارب نصف قرن، يحق للمرء أن يسأل: هل كانت العلاقة بين واشنطن وطهران قطيعة كاملة، أم أنها كانت صراعاً تحكمه المصالح أكثر مما تحكمه الشعارات؟ففي السياسة، لا تُقاس العلاقات بما يُقال على المنابر، بل بما يُفعل خلف الأبواب المغلقة.
وبينما كان الخطاب الإيراني يعلن العداء للغرب، كانت الوقائع تكشف عن تقاطعات مصالح وتفاهمات غير مباشرة بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة.
من فضيحة “إيران ـ كونترا” في الثمانينيات، إلى مرحلة ما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، وصولاً إلى اجتياح العراق عام 2003 الذي أطاح بأكبر خصم إقليمي للجمهورية الإسلامية، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد رواية صراع بين عدوين لا يلتقيان.
فالعراق الذي خاض حرباً دامية ضد إيران لثماني سنوات أُزيل من المعادلة بقوة أميركية.
والسؤال هنا ليس من انتصر على من، بل من استفاد أكثر من التحولات التي شهدتها المنطقة؟ثم جاء الاتفاق النووي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما ليؤكد أن أبواب التفاوض لم تكن موصدة يوماً.
فبعد سنوات من التصعيد والعقوبات، جلس الطرفان إلى الطاولة نفسها، وتوصلا إلى تفاهمات أثبتت أن المصالح قادرة على تجاوز الشعارات عندما تقتضي الحاجة.
النظام الايراني يتكيّف مع المتغيّراتالمفارقة أن النظام الذي قدّم نفسه لعقود باعتباره رأس حربة في مواجهة الرأسمالية العالمية، نجح في البقاء والتكيف داخل النظام الدولي، بينما انهارت أنظمة وحركات رفعت شعارات ثورية مشابهة.
هذا لا يعني أن العلاقة بين واشنطن وطهران كانت صداقة، لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً حول طبيعة هذا الصراع وحدوده.
فكم من مرة اشتعلت الجبهات فيما بقيت قنوات الاتصال مفتوحة؟ وكم من مرة دفعت شعوب المنطقة أثمان المواجهات بينما كانت المصالح الكبرى تجد طريقها إلى التسويات؟واليوم، مع التفاهمات الجديدة وعودة لغة التفاوض إلى الواجهة، يعود السؤال أكثر إلحاحاً: هل كان نظام ولاية الفقيه طوال هذه العقود خصماً وجودياً للولايات المتحدة، أم شريكاً اضطرارياً في إدارة توازنات المنطقة؟ وهل ما نشهده اليوم هو تحول جديد في العلاقة بين الطرفين، أم مجرد عودة الابن الضال إلى حضن الأم؟قد تختلف الإجابات باختلاف المواقف السياسية، لكن الثابت أن التاريخ لا يُكتب بالشعارات وحدها، بل بالنتائج.
وعندما ننظر إلى حصيلة العقود الماضية، نجد ما يدفعنا إلى إعادة قراءة السردية التقليدية للعلاقة الأميركية ـ الإيرانية بعيداً عن الانفعال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك