تونس / عادل الثابتي / الأناضول** مدير مؤسسة ابن رشد للدراسات الاستراتيجية العربية والإفريقية، كمال بن يونس:- زيارة ميني إلى تونس تتجاوز الطابع البروتوكولي وتؤكد الحاجة إلى تحويل الانتماء الإفريقي إلى مبادرات ملموسة- تونس تراهن على تطوير الشراكة مع دول الجنوب وإفريقيا، ضمن سوق قارية واعدة تضم مستقبلا نحو ملياري نسمة** أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية رضا الشكندالي:- زيارة ميني لا ينبغي قراءتها كحدث عابر، بل مؤشر على محاولة إدماج تونس بعمق بمنطقة التجارة الحرة الإفريقية- قيمة الزيارة تقاس بما سيترجم لاحقا إلى إجراءات ملموسة لتسهيل عبور السلع والربط اللوجستي والمعاملات التجاريةأعادت زيارة وامكيلي ميني، الأمين العام لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية" زليكاف" إلى تونس طرح سؤال قديم بشأن قدرة البلد العربي على تحويل موقعه الجغرافي بين إفريقيا وأوروبا إلى مكاسب تجارية فعلية داخل أكبر مشروع للتكامل الاقتصادي بالقارة.
وخلال الزيارة في يونيو/حزيران الماضي، بحث ميني مع مسؤولين تونسيين التقدم المحرز في تنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، وواقع وآفاق التعاون مع تونس، وفق بيانات رسمية.
كما جرى التداول في سبل تعزيز التبادل التجاري التونسي الإفريقي، ومكانة تونس كمنصة إقليمية للربط بين إفريقيا وأوروبا وحوض البحر الأبيض المتوسط.
وفي لقاء مع وزير التجارة وتنمية الصادرات التونسي سمير عبيد، شدد ميني على ضرورة العمل المشترك لتسريع تنفيذ الاتفاقية واستغلال فرص الاستثمار والشراكة في مجالات متعددة، مشيرًا إلى أن تونس من أوائل الدول التي انطلقت في تنفيذها.
يرى مدير مؤسسة ابن رشد للدراسات الاستراتيجية العربية والإفريقية كمال بن يونس أن زيارة ميني إلى تونس" تكتسي أهمية تتجاوز الطابع البروتوكولي".
ويقول بن يونس للأناضول إن الزيارة" جاءت لتؤكد أن تونس لم تعد مطالبة فقط بإعلان انتمائها إلى السوق الإفريقية، بل بتحويل هذا الانتماء إلى مبادرات تجارية ملموسة، خاصة عبر خطة عمل مشتركة تشمل النقل واللوجستيك وإشراك القطاع الخاص والتعريف بآليات الاتفاقية".
ويوضح أن السلطات في تونس" تراهن على تطوير الشراكة مع دول الجنوب عموما، ومع الدول الإفريقية خصوصا، باعتبار أن الأمر يتعلق بنواة أكبر سوق في العالم من حيث عدد الدول المشاركة، وفضاء اقتصادي قد يشمل مستقبلًا نحو ملياري نسمة".
ويذكر بن يونس أن هذا الرهان" يرتبط أيضًا بالدول التي تملك علاقات هيكلية مع إفريقيا في مجالات الاستثمار والتجارة والسياحة والثقافة والأمن".
ويرى بن يونس أن بلاده" تملك بالفعل عناصر قوة تؤهلها لتكون منصة ربط بين إفريقيا وأوروبا، وفي مقدمتها موقع جغرافي قريب من ضفتي المتوسط، ونسيج صناعي وخدماتي متنوع، وخبرة تصديرية نحو أوروبا، وكفاءات في قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الرقمية".
غير أنه يشدد على أن نجاح تونس في لعب هذا الدور" ممكن، لكنه ليس آليًا"، موضحًا أن الموقع الجغرافي وحده لا يكفي إذا لم يتحول إلى موانئ أكثر نجاعة، وخطوط بحرية وجوية منتظمة، وتمويل ميسر للمصدرين.
ويتابع: " مؤسسات مالية وتجارية واستثمارية إفريقية ودولية تطالب تونس بإصلاحات سريعة، بينها تبسيط الإجراءات الإدارية، وضمان قدر أكبر من الشفافية واستقلالية القضاء".
كما تشترط هذه المؤسسات، وفق بن يونس، " تحسين المناخ العام للأعمال والاستثمار حتى تستطيع تونس كسب ورقة المنافسة داخل السوق الإفريقية".
لكن الطموح التونسي، بحسبه، " يواجه عراقيل عديدة، بينها ضعف المعرفة بالأسواق الإفريقية، وارتفاع كلفة النقل، والتعقيدات الإدارية والجمركية، وصعوبات الدفع والتحويل، وتردد جزء من المؤسسات الصغرى والمتوسطة في دخول أسواق جديدة".
ويخلص بن يونس إلى أن" زليكاف" تمثل" فرصة استراتيجية لتونس، لكنها تحتاج إلى رؤية تنفيذية ودبلوماسية اقتصادية نشطة وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص".
من جانبه، يقول أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية رضا الشكندالي إن زيارة ميني" لا ينبغي قراءتها كحدث دبلوماسي عابر، بل كمؤشر على محاولة إدماج تونس بشكل أعمق داخل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية".
ويضيف للأناضول أن مثل هذه الزيارات" غالبًا ما تبقى تصريحية أكثر منها تنفيذية، في ظل استمرار فجوة كبيرة بين الطموح والواقع داخل الإطار الإفريقي للتجارة الحرة".
ويتابع: " قيمة الزيارة تقاس بما سيترجم لاحقًا إلى إجراءات ملموسة لتسهيل عبور السلع والربط اللوجستي وتسهيل المعاملات التجارية، لا بمجرد الخطاب".
ويؤكد أن تونس" تمتلك موقعًا جغرافيًا ممتازًا، لكنها تعاني أداءً بنيويًا متوسطًا"، موضحًا أن الجغرافيا" تمنح البلاد فرصة حقيقية لتكون بوابة بين إفريقيا وأوروبا، لكن الاستفادة من هذا الموقع ما تزال غير مكتملة".
ويضيف أن تونس" تتصرف في مثل هذه المناسبات كممر محتمل أكثر من كونها مركز قرار اقتصادي، لأن بنيتها اللوجستية لم تُحدَّث بما يكفي لمنافسة الموانئ المتوسطية الكبرى".
ويشير إلى أن المناخ الاستثماري في تونس" لا يزال يعاني من التردد الإداري وعدم الاستقرار التشريعي، فيما يبقى الربط مع إفريقيا جنوب الصحراء ضعيفًا مقارنة بالارتباط التاريخي مع أوروبا".
ويرى الشكندالي أن" نجاح تونس ممكن نظريًا، لكنه غير مضمون ما لم تتحول البلاد من اقتصاد وسيط إلى منصة خدمات وتصدير ذات قيمة مضافة مرتفعة".
ويعتبر أن مشروع منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية" يواجه إشكالية الفجوة بين القرار السياسي والسيادة الاقتصادية"، موضحًا أن الدول" توافق سياسيًا على التحرير التجاري لكنها لا تتنازل فعليًا عن أدوات الحماية الاقتصادية".
ويقول إن غالبية الأسواق الإفريقية" ما تزال محمية بدرجة كبيرة، وإن دولًا عديدة تمارس حمائية غير معلنة رغم توقيع الاتفاق".
ويضيف: " ضعف التنفيذ المؤسسي وغياب آليات رقابة وعقوبات فعالة يجعلان الاتفاق غير ملزم عمليًا بالشكل الكافي".
ويلفت إلى أن" تفاوت مستويات التنمية بين الدول الإفريقية يجعل التكامل غير متكافئ ويخلق مخاوف من المنافسة داخل القارة".
ويُوضح أن" هشاشة البنية التحتية تمثل عائقًا أساسيًا، لأن حرية التبادل تبقى نظرية إذا كانت الحركة الفعلية للبضائع مكلفة وبطيئة، إضافة إلى ضعف التكامل النقدي والمالي".
ويخلص إلى أن المشروع" طموح تاريخيًا، لكنه حتى الآن أقرب إلى إطار سياسي قيد البناء منه إلى سوق إفريقية موحدة فعليًا".
ووقّعت دول إفريقية في مارس/آذار 2018 خلال قمة استثنائية بالعاصمة الرواندية كيغالي اتفاقية تأسيس منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.
ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في مايو/أيار 2019، بينما بدأ التداول التجاري في إطارها مطلع يناير/كانون الثاني 2021، لكنها لم تتحول بعد إلى سوق قارية موحدة بالكامل.
وتهدف الاتفاقية إلى إزالة الحواجز التجارية وتعزيز التجارة بين دول القارة، بما يرفع حجم المبادلات الإفريقية البينية ويدعم انتقال القارة من تصدير المواد الأولية إلى توسيع قاعدة السلع المصنعة والخدمات.
كما تسعى إلى خفض القيود الجمركية والضريبية على السلع المصنعة أو المستخرجة داخل الدول الإفريقية، دون الإضرار بالصناعات الوطنية، في إطار مسار طويل لبناء سوق قارية أكثر تكاملًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك