" لقد فقدت القليل من الوزن"، بهذه العبارة الساخرة اختار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإجابة أولا عند سؤاله عن كيفية تغيره شخصيا منذ أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قبل أن ينتقل إلى الحديث بجدية مستخلصا الدروس بضرورة فرض" مناطق عازلة في أرض العدو وليس في أرضنا"، وفق تعبيره.
تعكس هذه البداية تصاعد التحريض خلال الأيام الماضية على قطاع غزة في الخطاب السياسي الإسرائيلي، حيث يتداخل الاستخفاف بالمسؤولية الشخصية مع الإصرار على فرض واقع ميداني وعسكري جديد، في تصريحات تبدو وكأنها تأطير للتوجهات الميدانية والسياسية الجديدة لإسرائيل في القطاع.
وتأتي هذه التصريحات وسط نقاش عام مستمر في الداخل الإسرائيلي حول المسؤولية عن الهجوم، الذي دفع بالعديد من كبار المسؤولين العسكريين والاستخباريين إلى الاعتراف علنا بالإخفاقات والاستقالة، إلا أن نتنياهو لم يقبل صراحة المسؤولية الشخصية عن الهجوم ورفض تشكيل لجنة تحقيق رسمية، وبدلا من ذلك دعا إلى تحقيق يتم التحكم فيه سياسيا.
وفي ظهوره على شاشة القناة الـ14، سُئل نتنياهو عما إذا كانت المقترحات السابقة بشأن" الهجرة الطوعية" للغزيين لا تزال قيد الدراسة بعد أن رفضها جزء كبير من المجتمع الدولي بشكل قاطع، واتهم مؤيدي الفكرة بمحاولة التطهير العرقي لغزة من فلسطينييها.
ورفض نتنياهو الإسهاب في تفاصيل ذلك، قائلا: " أفضل أن نتحدث أقل ونفعل أكثر".
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي" الشيء الأكثر أهمية، في نظري، هو أولا وقبل كل شيء وجود مناطق عازلة داخل أراضي العدو وليس داخل أراضينا.
لا أريد أن تكون التجمعات السكنية في الشمال نوعا من المناطق الحدودية التي يختلف واقعها عن واقع المناطق الواقعة إلى الجنوب منها مباشرة".
ولم يصرح نتنياهو بموقف واضح محدد عندما سُئل عن احتمال تجدد الاستيطان الإسرائيلي في غزة، بل اكتفى بقوله: " في بعض الأحيان يكون من المستحسن الفصل" بين الأفعال والتصريحات العلنية، وأنه" لذلك، ليس لديّ ما أضيفه بشأن هذا الأمر".
وفي الماضي، كان نتنياهو قد استبعد الاستيطان في غزة، ولكن تشير تحليلات صحيفة يديعوت أحرونوت إلى أنه الآن يكيّف موقفه العلني بما ينسجم مع اقتراب الانتخابات.
وادعى نتنياهو أن إسرائيل حققت اثنين من أهداف الحرب الثلاثة: إعادة الرهائن والقضاء على حركة حماس كتهديد عسكري، وقال" كان لدينا أيضا هدف ثالث، وهذا الهدف لم يتحقق بعد: القضاء على حكمهم المدني"، وتوعّد بتحقيقه.
ثم أردف قائلا" لا تزال إسرائيل تستهدف المشاركين في هجوم 7 أكتوبر"، مضيفا" سوف نجد" أي شخص لا يزال باقيا ممن خططوا أو شاركوا في الهجوم.
وبالتزامن مع تصريحات نتنياهو، يتركز مسار التمهيد الإعلامي والأمني الإسرائيلي حول استئناف العمليات العسكرية في قطاع غزة، من خلال بث تقارير استخبارية تُحذر من استعداد كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس لجولة حرب جديدة وتطوير قدراتها الميدانية.
وتدعي هيئة الاستخبارات العسكرية والقيادة الجنوبية لجيش الاحتلال الإسرائيلي من خلال تحذير لرئيس الأركان إيال زامير، أن الجناح العسكري لحماس يستعد لحرب متجددة مع إسرائيل، ويقوم بإنتاج مئات العبوات الناسفة والصواريخ المضادة للدبابات شهريا، بالإضافة إلى تجنيد مقاتلين (18-22 عاما)، واستئناف تدريب قوة النخبة، وإعادة بناء البنية التحتية تحت الأرض، ومحاولة تهريب مسيّرات وأجهزة اتصالات عبر سيناء.
وتضيف الهيئة أن حماس قوية على الأرض ولا أحد يهددها وترفض التخلي عن السيطرة على غزة، حسبما ذكرت هيئة البث العامة" كان"، الأحد.
وسرعان ما اتخذ جيش الاحتلال هذه المعلومات ذريعة برر بها رغبته في استئناف هجومه على حماس، في حين تعارض الولايات المتحدة ذلك وتفضل الحفاظ على الوضع الراهن وتعزيز مبادرة" مجلس السلام" للرئيس الأمريكي دونالد ترمب التي أسفرت عن وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
ويربط مبعوث مجلس السلام إلى غزة، نيكولاي ملادينوف، الالتزام الإسرائيلي بشروط المرحلة الأولى بمدى موافقة حماس على نزع السلاح في المرحلة الثانية، بينما تصر حماس على عدم نزع سلاحها حتى تلتزم إسرائيل بكافة الشروط.
أما الميدان فيروي قصة أخرى، إذ يستمر الجيش الإسرائيلي في شن ضربات شبه يومية في غزة يدعي أنه يرد بها على انتهاكات الهدنة ويحبط هجمات مزعومة، كما يقوم بتوسيع حدود سيطرته داخل القطاع لتصل إلى 60% بدلا من 53% عند بدء الهدنة، مع صدور تعليمات من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو باحتلال أراض إضافية لتصل السيطرة إلى 70%.
وفي إطار العمليات المستمرة، أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الأربعاء، أنه قضى بهجمات عدة على أربعة عناصر من حماس في قطاع غزة، بالإضافة إلى استهدافه منصات لإطلاق الصواريخ وفتحات إطلاق داخل القطاع.
وقال المراسل العسكري لإذاعة الجيش الإسرائيلي نقلا عن بيانات للجيش، إن 28 طائرة مسيّرة تسللت بنجاح إلى غزة في الأشهر الأخيرة وصل معظمها إلى حماس ويخشى الجهاز الأمني من استخدامها في عمليات إرهابية.
خطط رسمية للتوسع الاستيطانيبالتزامن مع تعليمات نتنياهو هذه، بدأت تتكشف مسارات سياسية وأمنية داخل الحكومة الإسرائيلية تتعلق بمخططات عملية لإعادة الاستيطان والسيطرة الجغرافية على قطاع غزة، مما يضع هذه التوجهات في مواجهة مباشرة مع المعارضة الأمريكية والرفض الداخلي من عائلات الرهائن.
وأعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أن إدارة الاستيطان بوزارة الدفاع -التي يديرها- أكملت العمل الأساسي لإنشاء ثلاث مستوطنات في منطقة شمال غزة، وأن المشروع ينتظر موافقة نتنياهو.
ودعا سموتريتش أيضا إلى السيطرة على أكثر من 70% من أراضي قطاع غزة، وهو ما يتجاوز المساحة المسموح ببقاء القوات الإسرائيلية فيها مؤقتا بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
واعتبر سموتريتش أن المستوطنات ستعمل كحزام أمني بناء على قاعدته: " حيث لا يوجد استيطان، لا يوجد أمن"، وأصرّ على أن نهاية الحرب يجب أن تصاحبها توسعات إقليمية واحتلال القطاع كله.
وفي السياق الميداني والسياسي، أعلن وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين توجهات رسمية أكثر توسعا بالقول: " سنسيطر على 100% من مساحة قطاع غزة ولن نسمح لحماس أن ترفع رأسها"، مما يمثل تصعيدا في السقف السياسي مقارنة بالأوامر السابقة بالسيطرة على 70% من القطاع.
ويؤكد تقرير تايمز أوف إسرائيل معارضة سموتريتش المستمرة أو تقديمه لدعم مشروط لمقترحات صفقات الرهائن طوال عامين من الحرب، وتصويته ضدها داخل الكابينت، مهددا بسحب حزبه" الصهيونية الدينية" من الحكومة وإسقاطها إذا وقّعت اتفاقا لا يرضى عنه، مفضلا استمرار الهجوم العسكري والإطاحة بحماس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك