لم تعد روبوتات المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي مجرد أدوات للإجابة عن الأسئلة العامة أو المساعدة في الكتابة والترجمة، بل بدأت تتحول تدريجيا إلى وسيط جديد في استهلاك الأخبار.
غير أن هذا التحول لا يحدث بالطريقة نفسها في كل الأسواق، ولا بالسرعة ذاتها، إذ يبدو أن البلدان التي اعتاد جمهورها الاعتماد على محركات البحث ومنصات التواصل والفيديو ومجمعات الأخبار، هي الأكثر استعدادا لاستخدام روبوتات مثل تشات جي بي تي وجيميني في متابعة الأخبار وفهمها.
وكشفت إيمي روس أرجويداس، في تقرير استنادا إلى نتائج تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة، أن واحدا من كل 10 أشخاص يستخدمون الآن روبوتات الذكاء الاصطناعي للحصول على الأخبار أسبوعيا، بزيادة 3 نقاط مئوية عن العام الماضي.
ويقيس هذا المؤشر استخدام روبوتات المحادثة المستقلة، لا وظائف الذكاء الاصطناعي المدمجة داخل منصات أخرى، مثل الملخصات الذكية في محركات البحث.
وتأتي هذه النتائج في عام شهد تحولا لافتا، إذ أظهر تقرير الأخبار الرقمية أن شبكات التواصل والفيديو تجاوزت، للمرة الأولى عالميا، مواقع الناشرين كمصدر للأخبار.
وفي ظل انتقال الجمهور نحو الوسطاء الرقميين، تظهر روبوتات المحادثة بوصفها منصة جديدة تستحق المراقبة، لا لأنها أصبحت المصدر الأول للأخبار، بل لأنها تدخل تدريجيا في عادات البحث والفهم والتقييم.
لكن النمو ليس عاما، ففي مقارنة بين 48 سوقا شملها التقرير، تتركز الزيادة في أجزاء من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، إلى جانب جنوب وشرق أوروبا.
فقد تضاعف الاستخدام الأسبوعي في كوريا الجنوبية من 7% إلى 14%، وارتفع في بيرو من 6% إلى 11%، وفي إسبانيا من 4% إلى 8%، في المقابل، ظل الاستخدام في الولايات المتحدة مستقرا عند 6%، وبقي دون المتوسط العالمي في دول شمال وغرب أوروبا مثل المملكة المتحدة 4%، وألمانيا 5%، والدنمارك 5%.
وتوضح هذه الفروق أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الأخبار لا ينفصل عن البيئة الرقمية الأوسع، فالأسواق التي يعتمد فيها الجمهور أصلا على المنصات والبحث ومجمعات الأخبار تميل إلى تسجيل مستويات أعلى في استخدام روبوتات المحادثة.
بمعنى آخر، لا تبدأ هذه الأدوات من فراغ، بل تبني حضورها فوق عادات سابقة تشكلت حول الوسائط الرقمية غير التابعة مباشرة للمؤسسات الصحفية.
وتلعب الثقة دورا حاسما في هذا الانتشار، فالدول التي يسجل فيها الجمهور مستويات أعلى من الثقة في الأخبار التي تنتجها روبوتات المحادثة تميل أيضا إلى تسجيل معدلات استخدام أعلى.
وتبدو العلاقة بين الثقة والاستخدام هنا أقوى مما هي عليه في حالة وسائل التواصل، لأن استخدام روبوت محادثة يتطلب فعلا مقصودا؛ فعلى المستخدم أن يطرح سؤالا أو يكتب أمرا مباشرا، بخلاف الأخبار على منصات التواصل التي تظهر غالبا عرضا أثناء التصفح.
ورغم أن الثقة العامة في الأخبار الصادرة عن روبوتات الذكاء الاصطناعي لا تزال منخفضة، إذ يقول 20% فقط من المشاركين إنهم يثقون في مخرجاتها الإخبارية معظم الوقت، مقابل 37% يثقون في الأخبار عموما، فإن الصورة تختلف بين المستخدمين الفعليين لهذه الأدوات.
فبين من يستخدمون روبوتات المحادثة للأخبار، ترتفع نسبة الثقة إلى 44%.
وهذا يعني أن جزءا كبيرا من ضعف الثقة مرتبط بمن لا يستخدمون التقنية بعد، لكنه يكشف أيضا أن المستخدمين الحاليين يرون أنها تؤدي دورا مفيدا إلى حد معقول.
وتظل الفجوة العمرية واحدة من أقوى العوامل المفسرة، فـ17% من الفئة العمرية بين 18 و24 عاما يستخدمون روبوتات المحادثة للأخبار أسبوعيا، مقابل 5% فقط ممن تبلغ أعمارهم 55 عاما فأكثر.
ومع ذلك، جاء معظم النمو خلال العام الماضي من البالغين بين 25 و54 عاما، مما يشير إلى أن الاستخدام بدأ يتجاوز دائرة المتبنين الأوائل من الشباب، كما يرتفع الاستخدام بين الأكثر اهتماما بالأخبار، إذ يصل إلى 18% بين مستهلكي الأخبار بكثافة، مقابل 7% بين من يتابعون الأخبار مرة واحدة يوميا فقط.
ولا يقتصر استخدام هذه الروبوتات على تلقي الأخبار، فبحسب بيانات 45 سوقا، كان الاستخدام الأكثر شيوعا هو طرح أسئلة متابعة حول قصة إخبارية، وذكره 42% من مستخدمي روبوتات المحادثة للأخبار.
كما قال 35% إنهم يطلبون آخر الأخبار، و34% يستخدمونها لتلخيص قصة، و33% لتقييم مدى موثوقية مصدر، بينما يستخدمها 30% لجعل الأخبار أسهل فهما، وهذا يشير إلى أن الجمهور لا يستعمل الذكاء الاصطناعي بديلا كاملا عن الأخبار، بل أداة للتنقل داخلها وتفسيرها وتبسيطها والتحقق من مصادرها.
وتختلف الاستخدامات بين البلدان ففي تايوان وكوريا الجنوبية، حيث تتوسط المنصات ومجمعات الأخبار عملية الاستهلاك الإخباري بدرجة كبيرة، يتصدر طلب آخر الأخبار قائمة الاستخدامات.
وفي كندا والمملكة المتحدة، يحتل التلخيص المرتبة الأولى، بينما يستخدم الجمهور في النمسا وألمانيا واليابان الروبوتات أكثر لفهم القصص المعقدة.
أما في هونغ كونغ وتركيا وأسواق منخفضة الثقة مثل المجر ورومانيا، فيبرز استخدام الذكاء الاصطناعي لتقييم موثوقية المصادر.
وتطرح هذه التحولات تحديات واضحة أمام الناشرين، فبعض الاستخدامات تكشف احتياجات تقليدية يمكن للصحافة أن تلبيها، مثل الشرح، والتلخيص، والتحقق، وتبسيط القصص المعقدة، لكن جاذبية روبوتات المحادثة تكمن في قدرتها على تقديم إجابات شخصية وسريعة وبجهد منخفض من المستخدم، وهي ميزة يصعب على كل ناشر منفرد أن يضاهيها.
لذلك، لا يبدو المسار الأمثل للمؤسسات الصحفية في تقليد روبوتات المحادثة فقط، بل في تعزيز ما يجعل الصحافة مختلفة: التحقق، والسياق، والمساءلة، والعمل الميداني، والشفافية التحريرية.
فحتى الآن، لا تزال روبوتات الذكاء الاصطناعي مصدرا ثانويا للأخبار، إذ يسميها 1% فقط عالميا مصدرهم الرئيسي.
غير أن النمو السريع، خصوصا بين الشباب، يشير إلى أن تأثيرها في استهلاك الأخبار سيستمر في التوسع، وإن بأشكال متفاوتة من سوق إلى أخرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك