قدمت وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود أمس الثلاثاء مشروع قانون" الهجرة واللجوء" إلى البرلمان، وهو التشريع الذي كان أعلن عنه في خطاب الملك، ويأتي ضمن حزمة إصلاحات أوسع لنظام اللجوء البريطاني تشمل إلى جانب تعديل تطبيق المادة الثامنة من الاتفاق الأوروبي لحقوق الإنسان، تشديد قواعد العبودية الحديثة وإنشاء هيئة مستقلة جديدة للطعون، وفتح مسارات آمنة وقانونية جديدة للاجئين.
والمادة الثامنة من الاتفاق الأوروبي تكفل الحق في احترام الحياة الخاصة والأسرية، وقد باتت تستخدم على نطاق واسع من قبل بعض طالبي اللجوء والمهاجرين لعرقلة قرارات الترحيل.
ووفقاً لبيانات وزارة الداخلية، بلغ عدد الطلبات التي حصلت على موافقة استناداً إلى هذه المادة 77 ألف طلب في العام الماضي وحده، وهو ما تصفه الوزارة بأنه يؤثر بصورة كبيرة في قدرة الحكومة على إنفاذ قواعد الهجرة ومواجهة الهجرة غير الشرعية.
يعمل التشريع الجديد على تضييق تطبيق المادة الثامنة عبر تعريف" الأسرة" بأنها تقتصر على أفراد العائلة المباشرين، مثل الوالد أو الزوج أو الطفل دون 18 سنة إلا في ظروف استثنائية، وبموجب هذا التعريف الجديد لن يعود بإمكان طالبي اللجوء الاستناد إلى صلات قرابة بعيدة كالأعمام أو الأخوال أو أبناء العم، لعرقلة إجراءات ترحيلهم.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وفق القانون الجديد أيضاً، سيطلب من طالبي اللجوء الذين يدعون حاجتهم للبقاء في المملكة المتحدة لأجل زوجهم أو شريكهم أو طفلهم أن يثبتوا أنهم يعيشون فعلياً معهم، وإذا لم يكونوا يقيمون مع الطفل، فسيتعين عليهم إثبات وجود علاقة أبوة حقيقية وفعلية.
تنص الحزمة على وضع معيار جديد أكثر تشدداً يوضح أن ترحيل المجرمين الأجانب يخدم المصلحة العامة، ولا ينبغي منعه إلا في أضيق الحالات الاستثنائية.
وتستشهد الوزارة بحالة بولندي متورط في العنف المنزلي وله سجل من الإدانات، سُمح له بالبقاء في بريطانيا بحجة أنه بمثابة" أب بديل" لابن أخيه، وتعدها الوزارة مثالاً على" استغلال" النص الحالي.
وينص التشريع الجديد أيضاً على أنه لن يعطى أي وزن لادعاء شخص ما بوجود حياة أسرية إذا كانت العلاقة قد نشأت في وقت لم يكن لديه فيه الحق في البقاء، وقد يشمل ذلك شخصاً دخل البلاد بصورة غير قانونية أو تجاوز مدة تأشيرته، وقالت" الداخلية" إن تفسير لندن للمادة الثامنة يختلف بصورة كبيرة عن تفسير المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ، بطريقة وسعت نطاق استخدامها، والهدف من تفسير الاتفاق بصورة أضيق هو جعل تجنب الترحيل أكثر صعوبة بالنسبة إلى الأشخاص الذين خالفوا قوانين الهجرة.
من جانب آخر، لن تعود طلبات تأشيرة الدخول التي تستند إلى المادة الثامنة تقدم من قبل القريب الموجود في الخارج، بل يجب أن يقدمها الكفيل المقيم في المملكة المتحدة، بحيث يتركز القرار على حقوق الشخص الموجود داخل البلاد.
وأقرت وزارة الداخلية بأن التغييرات ستكون لها" تداعيات اجتماعية سلبية أوسع نطاقاً" على الأسر التي تختار الانفصال نتيجة لهذا التشريع، ومع ذلك قالت إن التغيير سيعود بالنفع على البلاد بصورة عامة عبر" تعزيز ثقة الجمهور" في نظام الهجرة، والحد من" خطر الإجرام" من طريق ترحيل المجرمين الأجانب.
ووفقاً لتقييم أجرته وزارة الداخلية، ستؤدي الإصلاحات القانونية إلى انخفاض عدد الأشخاص الذين يمنحون حق الإقامة في المملكة المتحدة على أساس حقوق الأسرة بنحو 14 ألفاً، ومع ذلك اعترفت الوزارة بأن تأثير الإصلاحات" غير مؤكد"، وقدرت أن أكثر من نصف أولئك الذين سيحرمون من حق البقاء سيتجنبون الترحيل على أي حال.
قدرت الوزارة أن الإصلاحات ستكلف وزارة الخزانة أكثر من ملياري جنيه استرليني في صورة إيرادات مفقودة ناتجة من نقص في عائدات الضرائب ورسوم التأشيرات والرسوم الصحية الإضافية المفروضة على المهاجرين.
بموجب أحكام مشروع القانون الجديد، الذي يبدو أنه يحظى بدعم المرشح لرئاسة الوزراء آندي بيرنهام، سيتطلب من المهاجرين الذين تلقوا إخطارات الترحيل تقديم جميع مطالباتهم المتعلقة بحقوق الإنسان والعبودية الحديثة للطعن في قرار ترحيلهم في دعوى قانونية واحدة، وأي طعن لاحق سيواجه خطر الرفض بموجب نظام" المسار السريع" المخصص للتعامل مع المطالبات المتأخرة المقدمة بنية إعاقة إجراءات ترحيلهم.
في هذا السياق سيلغى العمل بعتبة الأشهر الـ12 السابقة، بحيث تسحب حماية ضحايا العبودية الحديثة عن أي شخص أجنبي ارتكب جريمة وحكم عليه بعقوبة سجن، مع رفض الطلبات التي تحوي وثائق مزورة، وكذلك الطلبات المتأخرة التي تقدم بعد بدء إجراءات الترحيل دون سبب وجيه.
وتستند الوزارة إلى بيانات تشير إلى أن 76 في المئة من طلبات حماية ضحايا العبودية الحديثة، في عينة من رحلات الترحيل المنظمة العام الماضي، قدمت في الساعات الأخيرة قبل الترحيل.
وفق الإصلاحات أيضاً، سيستبدل القضاة المتخصصون في قضايا الهجرة بهيئة مستقلة جديدة تدعى" الهيئة المستقلة للطعون في شؤون الهجرة"، تضم" محكمين" مدربين، على أن يمنح طالب اللجوء فرصة استئناف واحدة فقط لقراره المرفوض.
وتصف الحكومة الهدف من الإصلاح بأنه" إعادة ضبط جوهرية" تستعيد ثقة الجمهور وتضع سلامة المواطن البريطاني في المقام الأول، مع إعادة التطبيق البريطاني إلى ما يتماشى مع اجتهاد محكمة ستراسبورغ، أي محكمة حقوق الإنسان الأوروبية ذاتها.
وبعبارة أخرى، تقول الوزارة إن المحاكم البريطانية توسعت في تفسير هذا الحق محلياً بما يتجاوز ما يقتضيه الاتفاق نفسه، بعد فترة شهدت توسعاً في التفسير المحلي للمادة الثامنة داخل نظام الهجرة، وأن القانون الجديد يسعى إلى تصحيح هذا الانحراف لا للخروج عن الاتفاق.
على رغم حدة الإصلاحات المقترحة تؤكد وزارة الداخلية أنها لا تسعى للانسحاب من الاتفاق الأوروبي لحقوق الإنسان، وتصف عضوية المملكة المتحدة في الاتفاق بأنها" تصب بوضوح في المصلحة الوطنية"، وبخاصة في ظل عدم الاستقرار الجيوسياسي الراهن، لكونها تدعم نظاماً قائماً على القواعد يتيح التعاون مع الشركاء الأوروبيين لمواجهة تصاعد الهجرة وتهريب البشر عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية وإنفاذ القانون واتفاقات الإعادة، وتشير إلى أن حكومة لندن قادت جهوداً في ستراسبورغ لتأمين إعلان سياسي على المستوى الأوروبي يُقر بضرورة الإصلاح لمواجهة تحديات الهجرة الحديثة.
هذا الموقف يميز مقاربة حكومة" العمال" عن مطالب حزبي" المحافظين" و" ريفورم"، اللذين أعلنا نيتهما الانسحاب الكامل من الاتفاق إذا فازا في الانتخابات المقبلة، بينما تفضل الحكومة الحالية مسار" الإصلاح من الداخل" عبر التشريع المحلي.
وقال وزير الداخلية في" حكومة الظل" المحافظة كريس فيليب إن" عملية صقل المادة الثامنة وقوانين العبودية الحديثة، قد جربت سابقاً ولم تنجح، والطريقة الوحيدة لإنهاء الهجرة غير الشرعية هي الانسحاب من الاتفاق الأوروبي لحقوق الإنسان ومعاهدة العبودية الحديثة، مما سيتيح ترحيل المهاجرين غير الشرعيين في غضون أسبوع من وصولهم".
وبينما يدعي فيليب أن المحافظين وحدهم من لديهم خطة مدروسة للقيام بذلك، يقول المتحدث باسم" ريفورم" ضياء يوسف إن" ما يقترح ’العمال‘ القيام به هو ما فعله ’المحافظون‘، وطالما ظلت المملكة المتحدة في الاتفاق الأوروبي لحقوق الإنسان، فإن ترحيل مَن دخلوا البلاد بشكل غير قانوني، حتى المجرمين المتشددين، يكاد يكون مستحيلاً".
من جانب آخر يواجه التوجه الجديد لحكومة حزب العمال تحفظات من متخصصين في القانون الدستوري وحقوق الإنسان، فبحسب تحليل نشرته" الجمعية البريطانية للقانون الدستوري"، فإن الانتقادات الموجهة للمادة الثامنة تأتي في سياق تصاعد سياسي متنامٍ ضد الاتفاق الأوروبي وقانون حقوق الإنسان، مدفوعة بصورة أساس بملف الهجرة.
وتشير" جمعية الدستور" إلى نقطة قانونية جوهرية مفادها أنه إذا تبنى البرلمان تعريفاً لعبارة" الظروف الاستثنائية" يتعارض مع اجتهاد محكمة حقوق الإنسان الأوروبية في شأن هذا المفهوم، فسيضع ذلك البرلمان في مواجهة مباشرة مع المحاكم، وهي مسألة تثير تساؤلات حول مدى قدرة السيادة البرلمانية على تجاوز التزامات دولية ملزمة.
كذلك تشير تقارير قانونية إلى أن جزءاً من الانتقاد الشعبي للمادة الثامنة ينطلق من تصورات غير دقيقة، فتلك مدمجة في القانون المحلي عبر قانون حقوق الإنسان لعام 1998 الذي أقره البرلمان نفسه، وليست حقاً مفروضاً من محكمة أجنبية كما يصور أحياناً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك