بدأ الجيش السوداني تصعيد عملياته العسكرية في المحور الغربي للبلاد، إذ تمكن أمس الثلاثاء بمساندة القوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة من استعادة السيطرة الكاملة على منطقة" جبل مون" الاستراتيجية التي تبعد نحو 74 كيلومتراً من مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور، وذلك بعد معارك عنيفة مع قوات" الدعم السريع" استخدم فيها الجيش الطائرات المسيرة والطيران الحربي باستهداف مواقع وتجمعات الأخيرة داخل تلك المنطقة.
وتعد منطقة جبل مون من المواقع ذات الأهمية الجغرافية والاستراتيجية غرب دارفور، نظراً إلى ارتباطها بخطوط الحركة والإمداد، مما يجعلها محوراً مهماً في مسار العمليات العسكرية الجارية في الإقليم.
يأتي هذا التقدم العسكري للجيش بعد سيطرته أخيراً على مدينة كلبس ومنطقة أبو قمرة بولاية شمال دارفور، مما يعد تحولاً ميدانياً ستكون له تداعيات على مجرى الحرب الجارية بين الطرفين منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وفق مصادر عسكرية.
في الأثناء، أكد المتحدث باسم الجيش في بيان، أن" قواته والقوات المساندة تمكنت خلال الأسبوعين الماضيين من تدمير 224 مركبة قتالية تابعة لقوات" الدعم السريع"، فضلاً عن الاستيلاء على 36 مركبة أخرى، وإسقاط طائرة مسيرة متطورة، وتدمير دبابتين، وخمس شاحنات محملة بالعتاد العسكري، وأربع ناقلات وقود، إضافة إلى تدمير مخزنين للذخيرة ومستودعين للوقود في إطار عمليات عسكرية نفذت في أقاليم دارفور وكردفان والنيل الأزرق".
وأوضح البيان أنه" في محور شمال دارفور نفذ الجيش عمليات عسكرية في منطقة أبو قمرة، أسفرت عن تدمير 39 مركبة قتالية، وإلحاق خسائر بشرية بقوات" الدعم السريع"، وأعلن إسقاط طائرة مسيرة استراتيجية شمال مدينة الطويشة"، مشيراً إلى أنه نُفذت أيضاً عملية أخرى في مدينة كلبس والمناطق المجاورة بولاية غرب دارفور، انتهت بدحر قوات" الدعم السريع" وتدمير 10 مركبات قتالية والاستيلاء على 29 مركبة بكامل تجهيزاتها بعد تكبيدها خسائر في الأرواح والعتاد.
وتابع" كذلك واصل الجيش عمليات التمشيط والتأمين في محور شمال كردفان، وتمكن من تدمير 119 مركبة قتالية وأربع ناقلات وقود، وخمس شاحنات محملة بالعتاد العسكري إلى جانب مستودعين للوقود، فيما دمر في محور جنوب كردفان 27 مركبة قتالية، وقتل عدداً من عناصر الجماعة".
وبحسب البيان، استعاد الجيش منطقتي سركم ومقجة في إقليم النيل الأزرق بعد معارك حاسمة كبدت قوات" الدعم السريع" عشرات القتلى والجرحى، وأسفرت عن تدمير 29 مركبة قتالية ودبابتين والاستيلاء على سبع مركبات قتالية، إضافة إلى تدمير مخزنين للذخيرة بمدينة الكرمك.
في محور كردفان، تلقى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة طلباً رسمياً من دول عدة، بينها المملكة المتحدة وألمانيا، لعقد جلسة نقاش عاجلة في شأن الأوضاع داخل مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان التي تشهد حصاراً وتصعيداً عسكرياً مستمراً، يتضمن قصفاً بالطائرات المسيرة وحشوداً لقوات" الدعم السريع" حول المدينة، في وقت تتفاقم الأزمة الإنسانية وسط تقارير عن سقوط ضحايا من المدنيين.
ورجح المتحدث باسم المجلس باسكال سيم، خلال مؤتمر صحافي عقد أمس الثلاثاء في جنيف، أن تعقد الجلسة بعد غد الجمعة.
ويأتي هذا التحرك الدولي في ظل تقارير تفيد بأن قوات" الدعم السريع" وحلفاءها يقومون بحشد قواتهم حول مدينة الأبيض، مما يثير مخاوف من احتمال اندلاع موجة جديدة من الفظائع بحق المدنيين، على غرار ما حدث في مدينة الفاشر.
من جهته، أفاد مختبر الشؤون الإنسانية في جامعة ييل الأميركية، بأن الجيش السوداني أقام نقاط تفتيش وشبكة تحصينات من السواتر والخنادق داخل مدينة الأبيض، وخارجها.
وذكر المختبر، في تقرير، أن" الجيش أحاط الأبيض بسواتر وخنادق دفاعية يبلغ طولها 51 كيلومتراً، إضافة إلى 14 نقطة تفتيش في الأقل على الطرق الرئيسة داخل المدينة وخارجها".
وأوضح أن الأضرار الظاهرة في صور الأقمار الاصطناعية الملتقطة خلال الفترة من الـ25 من مايو (أيار) إلى الـ25 من يونيو (حزيران) الماضيين تشير إلى قصف متعمد للبنية التحتية المدنية اللازمة لاستمرار الحياة، إذ تعرضت منشآت توليد الكهرباء ومرافق تخزين الوقود والسوق الرئيسة للقصف.
وتحظى الأبيض بأهمية استراتيجية، إذ تقع عند ملتقى الطرق المؤدية إلى جنوب كردفان جنوباً، والنيل الأبيض شرقاً، وغرب كردفان وصولاً إلى إقليم دارفور غرباً، ويربطها بالعاصمة الخرطوم طريقان.
في المحور نفسه، أحبطت قوات تابعة للجيش هجوماً وشيكاً كانت تعد له قوات" الدعم السريع" وحليفتها الحركة الشعبية شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو على مدينة الدلنج ثاني مدن ولاية جنوب كردفان.
وبحسب مصادر عسكرية، فإن" وحدات تتبع الجيش رصدت مواقع لقوات ’الدعم السريع‘ والحركة الشعبية في محيط الدلنج، كانت تعد لشن هجوم على المدينة، وتمكنت من التعامل معها باحترافية واقتدار، وألحقت بها خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، وأجبرتها على التراجع من محيط المدينة".
في الوقت ذاته، استهدفت مسيرات انتحارية تتبع الجماعة أحياء متفرقة من مدينة الدلنج، أحدثت أضراراً في بعض المنازل، دون تسجيل إصابات بين المدنيين، وفق شهود.
ويتهم الجيش تحالف" الدعم السريع" والحركة الشعبية بالتعمد في استهداف المدنيين بالطيران المسير والمدفعية الثقيلة، لإجبارهم على مغادرة المدينة.
وتتعرض الدلنج، لقصف جوي ومدفعي متقطع منذ أشهر، إلى جانب محاولات برية للسيطرة عليها، وسط أوضاع إنسانية متدهورة ونزوح متزايد للأسر.
وتمكن الجيش أخيراً من فتح طريق التكمة – الدلنج – هبيلا، الذي يمثل شرياناً حيوياً لإيصال الإمدادات والمساعدات إلى المدينة، بعد أشهر من العزلة بسبب العمليات العسكرية.
في محور دارفور، أفادت غرفة طوارئ محلية كرنوي في ولاية شمال دارفور أن المحلية استقبلت 544 أسرة نازحة من مناطق أبو ليحا، وأورشي، وأمبرو خلال ثلاثة أيام، إثر الأحداث الأخيرة، مما أدى إلى اكتظاظ معظم المناطق بالنازحين.
وأشارت الغرفة في بيان إلى أن هؤلاء النازحين يعيشون في العراء منذ أسبوع بلا مأوى أو مأكل أو مشرب، ومن دون حماية أو رعاية، لافتة إلى وجود أعداد كبيرة بينهم نساء حوامل، ومرضعات، وذوو حاجات خاصة، وكبار سن، فضلاً عن مصابين بأمراض مزمنة.
ونوه البيان إلى أن الأسر النازحة توزعت على مراكز الإيواء في هلالية وتوقي وجرباء وجربوكي وكرنوي، لافتاً إلى استمرار حركة النزوح، إذ وفدت إلى المحلية 328 أسرة جديدة حتى الإثنين، توزعت على مراكز الإيواء المختلفة داخل المحلية.
وشدد البيان على ضرورة فتح ممرات إنسانية آمنة لدخول المساعدات إلى مناطق الصراع، وتوفير سلال غذائية عاجلة لاحتواء أزمة انعدام الأمن الغذائي المتفاقمة، وتوفير الأدوية والرعاية الطبية للحوامل والأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة.
وطالب البيان بتأمين الحماية وإجلاء الفئات الضعيفة والمرضى من مناطق الخطر، وتوفير مواد الإيواء بصورة عاجلة لاستقبال الأسر الوافدة، وصيانة وحفر الآبار لضمان الأمن المائي واستقرار النازحين في المنطقة.
وكانت قوات" الدعم السريع" قد سيطرت على منطقتي أورشي وأمبرو وما حولهما خلال الأيام الماضية، في حين سيطرت القوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة والمتحالفة مع الجيش على منطقة أبو قمرة التابعة لمحلية كرنوي.
من جانبها أكدت شبكة أطباء السودان إن 25 من الكوادر الطبية قُتلوا شمال دارفور، في وقت لا يزال مصير 20 طبيباً بينهم أربع طبيبات مجهولاً بمدينة الفاشر التي سيطرت عليها قوات" الدعم السريع" منذ الـ26 من أكتوبر (تشرين الأول) 2025.
وأشار تقرير للشبكة، إلى أن ولاية شمال دارفور شهدت استهدافاً مباشراً للكوادر الطبية، إذ بلغ عدد الأطباء الذين قتلوا في الفترة من الـ15 من أبريل (نيسان) 2023 حتى اجتياح الجماعة الفاشر 25 طبيباً.
بينما هناك 20 طبيباً في عداد المفقودين بينهم أربع طبيبات، مرجحاً احتجازهم من قبل" الدعم السريع".
وأكدت الشبكة أن فقدان هذه الكوادر يمثل ضربة كبيرة للقطاع الصحي في شمال دارفور، وهي امتداد لقائمة ضحايا الكوادر الطبية منذ انطلاق الحرب التي بلغت أكثر من 235 كادراً طبياً ما بين قتيل ومفقود، معتبرة حماية العاملين في المجال الطبي أمراً ضرورياً لاستمرار تقديم الكوادر الطبية لخدماتها في مناطق الصراع، مطالبة" الدعم السريع" بالكشف عن مصير المحتجزين بالفاشر، والسماح للكوادر الصحية بأداء واجبها بعيداً من الاستهداف والانتهاكات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك