لا يكتفي فيلم" آخر المعجزات" باقتباس قصة" معجزة" لنجيب محفوظ، بل يعيد قراءتها من منظور معاصر، ويطرح أسئلة مفتوحة حول الإيمان والشك، والواقع والوهم، والقدر والاختيار، من دون أن ينحاز إلى إجابة واحدة.
منذ عرضه الأول في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، واصل الفيلم رحلته في عدد من المهرجانات الدولية، حاصدا 3 جوائز، قبل أن يصل إلى مهرجان روتردام.
list 1 of 4حكايات مصرية مؤثرة تعرض لأول مرة في الإسكندرية.
ماذا ينتظر جمهور المهرجان؟list 2 of 4هل انتهت أزمة الفيلم المصري؟ مشاركة لافتة للسينما المصرية في الجونة 8list 3 of 4مدير مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير: شجعنا سينما فلسطين لأنها شهادة على الواقعlist 4 of 4فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية وعالمية لافتةفي هذا الحوار مع الجزيرة نت، يتحدث المخرج عبد الوهاب شوقي عن رهانه على الأدب الكلاسيكي، وكواليس تحويل نص نجيب محفوظ إلى لغة سينمائية، وفلسفته في الاقتباس وبناء الصورة ومستقبل السينما المستقلة.
لماذا اخترت قصة" معجزة" لنجيب محفوظ لتكون أولى تجاربك الإخراجية؟ وإلى أي مدى وجدتها قريبة من جيلك؟أؤمن بأننا بحاجة إلى العودة للأدب الكلاسيكي، لأننا نعيش أزمة كتابة في السينما والأدب.
اقتراح تحويل" معجزة" جاء من مارك لطفي، شريكي في الكتابة والإنتاج، وعندما أعدت قراءتها شعرت أنها تمس الهواجس والأسئلة التي تشغلني شخصيا.
ما جذبني في القصة أنها تنظر إلى الإنسان من زوايا متناقضة وتطرح أسئلة لا ترتبط بزمن محدد، لأن التاريخ يعيد نفسه وتظل القضايا الإنسانية الكبرى كما هي.
ورغم أنها كتبت في أجواء ما بعد نكسة 1967، شعرت أنها تعبر أيضا عن واقعنا بعد الربيع العربي؛ حين اصطدمت الأحلام الكبيرة بإمكانات محدودة فتحولت إلى صدمة وانكسار.
بالنسبة لي، القصة تناقش حاضرنا بقدر ما تعكس الماضي.
لهذا لم أحتج إلى تحديث زمن الأحداث إلا في أضيق الحدود.
كل ما أضفته كان الهاتف والرسائل الصوتية (Voice Note) لخدمة الدراما والحفاظ على وحدة المكان، وكان يمكن الاستغناء عنهما.
لذلك يمكن أن يُقرأ الفيلم باعتباره يدور في أواخر الستينيات أو في الوقت الحاضر، لأن جوهر القصة لم يتغير.
تحويل الأدب إلى سينما يطرح دائما معضلة بين الالتزام بالنص الأصلي ومنح صناع الفيلم حرية التغيير، إلى أي اتجاه تميل خاصة أنك لم تلتزم حرفيا بقصة" معجزة"؟أنا أنتمي إلى المدرسة التي تلتزم بروح العمل الأدبي لا بحرفيته.
كنا ندرك أن تغيير قصة لنجيب محفوظ قد يثير الانتقادات، لكن لو تعاملنا مع النص بخوف فلن نصنع فيلما جيدا.
من وجهة نظري، لو نقلت القصة كما هي، فما الحاجة إلى الفيلم؟ النص الأدبي موجود بالفعل، وما يهمني هو نقل روحه إلى لغة سينمائية جديدة.
لذلك كان طبيعيا أن أغير الأماكن والمهن وبعض الخطوط الدرامية والشخصيات، مع الحفاظ على جوهر القصة وأهدافها.
بالنسبة لي، الاقتباس ليس نقلا للنص، بل تحويل كامل من وسيط أدبي إلى وسيط بصري.
ما أصعب تحد واجهك في تحويل قصة تقوم على التأمل الداخلي إلى فيلم؟التحدي الأكبر أن القصة لا تصلح لأن تُنقل إلى الشاشة كما هي، لأن معظمها قائم على التأمل الداخلي.
كان من السهل اللجوء إلى المونولوج أو الراوي العليم -كما حدث في أفلام أخرى- لكنني رفضت هذا الطريق منذ البداية، لأنني أردت أن تحكي الصورة وحدها الأفكار والمشاعر، لا الكلمات.
اعتمدت على الصمت وحركة الممثل وتكوين الكادر والإيقاع والصوت وكل العناصر البصرية، واستغرق تطوير السيناريو نحو عامين حتى وصل إلى هذه الصيغة.
أتذكر أنني بعد الانتهاء من النسخة السابعة تقريبا اكتشفت أن الجملة التي دفعتني أصلا لتحويل القصة إلى فيلم لم تعد موجودة في النص؛ كانت جملة يصف فيها نجيب محفوظ لحظة إدراك البطل أنه يمتلك" معجزة" وأن المجد ينتظره.
شعرت أنني لا أريد استعادتها بالكلمات، بل كان علي أن أجد لها معادلا بصريا داخل الفيلم.
لماذا غيرت العنوان من" معجزة" إلى" آخر المعجزات"؟في البداية لم يكن اسم الفيلم" معجزة"، بل كان عنوانه" قاب قوسين أو أدنى".
ومع تطور السيناريو شعرت أن" آخر المعجزات" هو الاسم الأكثر دقة في التعبير عن الفيلم.
لا أستطيع شرح سبب اختياره بالكامل، لأن ذلك سيكشف النهاية ويحرق جزءا مما أردت أن يثيره الفيلم من نقاش.
بالنسبة لي، عنوان" آخر المعجزات" ليس مفتاحا جاهزا لتفسير النهاية، بل عنصر يزيد من غموضها ويفتح بابا أوسع للتأويل وطرح الأسئلة، وهذا واحد من أهداف الفيلم.
يتحرك" آخر المعجزات" بين الواقعية السحرية والدراما النفسية، هل قصدت بناء عالم غرائبي أم أن ما نراه انعكاسا لحالة البطل؟هذا من أكثر الأسئلة التي شغلتني أثناء الإخراج.
صحيح أن المشاهد قد يظن أنه أمام فيلم من الواقعية السحرية، لأن البطل يتلقى اتصالا من شخص يفترض أنه مات، لكنني لم أرد التعامل مع الفيلم بهذا الشكل.
بالنسبة لي، الفيلم واقعي ولم أكن أريد أن أخدع المشاهد أو أدفعه إلى التسليم بما يراه باعتباره الحقيقة الوحيدة.
حرصت منذ البداية على زرع إشارات بصرية وسمعية توحي بأن الأمور ليست بالضرورة كما يراها البطل، وأن هناك حقيقة أخرى تتحرك في الخلفية.
حتى في المشاهد ذات الطابع الروحاني تعمدت الابتعاد عن الصورة والموسيقى الاحتفاليتين، واستخدمت ألوانا باردة وموسيقى إلكترونية خشنة وإيقاع مونتاج حادا، حتى يظل المشاهد في حالة توتر ولا يقين.
في النهاية، ما نراه هو الواقع كما يمر عبر وعي البطل وحالته النفسية، لا عالما من الواقعية السحرية بالمعنى التقليدي.
الفيلم يطرح تساؤلات حول" المقدس" و" الدنيوي" والصدفة والقدر، هل تخشى تأويلات الجمهور لهذه المفاهيم الشائكة؟على العكس تماما، هذا الفيلم صُنع من أجل التأويل.
أكثر ما يسعدني أن أجد قراءتين متناقضتين للعمل، لأن ذلك يعني أنه نجح في إثارة الأسئلة لا تقديم الإجابات.
لم أصنع فيلما ليعبر عن آرائي أو يفرض وجهة نظر واحدة، بل ليترك مساحة لكل مشاهد كي يقرأه بطريقته.
كنت حريصا طوال الكتابة والإخراج على ألا ينحاز الفيلم إلى تفسير واحد، سواء في تناوله للإيمان أو الشك، أو للمقدس والدنيوي.
بالنسبة لي، هذه ليست معركة بين صواب وخطأ، بل رحلة إنسانية وروحية يعيشها كل شخص بطريقته.
لذلك جاءت النهاية مفتوحة على أكثر من قراءة، لأنني أؤمن أن قيمة العمل الفني تكمن في قدرته على إثارة الحوار والتأويل، لا في تقديم إجابة نهائية أو حسم موقف على حساب آخر.
كيف اخترت طاقم العمل، خاصة أن الأفلام المستقلة والقصيرة غالبا ما تعتمد على ممثلين غير محترفين ووجوه جديدة، بينما استعنت أنت بعدد من النجوم؟بحكم عملي مساعد مخرج لمدة 11 عاما، كانت معظم خبراتي مع نجوم وفنيين محترفين، لذلك كان التعاون معهم بالنسبة لي أسهل من البحث عن وجوه جديدة.
سبق أن عملت مع غادة عادل في أكثر من مشروع وكذلك مع عدد كبير من فريق العمل، فكنت أعرف إمكاناتهم وكان من الطبيعي أن أختار من أراهم الأنسب للفيلم.
أما خالد كمال، فهو صديق وسبق أن عملنا معا، لذلك أعرف طريقته في التفكير وثقافته وحساسيته كممثل، وكنت مقتنعا منذ اللحظة الأولى بأنه الأنسب لتجسيد هذه الشخصية.
استعنت أيضا بالمونتير ياسر عزمي لأنه ينتمي إلى السينما المستقلة، وكنت أبحث عن هذا الحس في بناء الفيلم.
في النهاية، لم تكن اختياراتي مرتبطة بكون الفيلم مستقلا أو تجاريا، بل بما يخدم العمل.
قد يكون الأمر مختلفا في فيلم آخر، لأن طبيعة بعض الأفلام قد تفرض الاستعانة بممثلين غير محترفين إذا كانت هذه هي اللغة الأنسب لها.
الصورة السينمائية في" آخر المعجزات" تعتمد على أجواء من الغموض والترقب، كيف صنعت هذه الحالة؟منذ كتابة السيناريو كنت أرى الفيلم بصريا، وأتخيل شكل الإضاءة والألوان وطبيعة كل مشهد.
بدأت مناقشاتي مع مدير التصوير عمر أبو دومة قبل التصوير بنحو عامين، وكنا نطور هذه الرؤية خطوة بخطوة حتى وصلت إلى شكلها النهائي.
أردت أن تعكس الصورة الحالة النفسية للبطل، فاعتمدنا على ألوان النيون وثنائية الأحمر والأخضر للتعبير عن اضطرابه، حتى إن مشاهد النهار تعمدنا أن تبدو باردة ومائلة إلى الزرقة، كي يظل المشاهد في حالة قلق لا طمأنينة.
أبو دومة من أفضل مديري التصوير في التعامل مع اللون، وكان شريكا أساسيا في صياغة هذا العالم البصري.
وماذا عن أماكن التصوير والديكور؟المعاينات أيضا استغرقت نحو عامين، بالتوازي مع كتابة السيناريو والبحث عن التمويل.
زرت عشرات المواقع -خاصة في جبانات القاهرة- بحثا عن الأماكن التي تعبر بصريا عن عالم الفيلم.
أما الديكور، فكان نتيجة تعاون وثيق مع المهندس عاصم علي؛ كنت أحدد الإحساس الذي أريده لكل مكان، بينما يحوله هو إلى تصميم بصري يخدم الدراما، ويقدم ملاحظات عملية تتعلق بالتصوير، وهو ما ساعدنا على الوصول إلى أفضل اختيار.
بعد مشاركة الفيلم في مهرجانات دولية بارزة من القاهرة السينمائي وصولا إلى روتردام وحصوله على 3 جوائز، كيف استقبله الجمهور والنقاد؟ وهل جاءت كما توقعت؟ردود فعل الجمهور فاقت كل توقعاتي.
منذ العرض الأول في مهرجان القاهرة شعرت أن الفيلم خلق حالة من الحوار والنقاش، وتكرر ذلك في كل العروض اللاحقة.
بالنسبة لي، الجمهور هو المعلم الحقيقي، لأنه يكشف نقاط القوة والضعف ويمنح صناع الفيلم فرصة للتعلم والتطور.
أسعدتني أيضا الحالة النقدية التي صاحبت الفيلم.
كنت أتمنى أن يفتح مساحة لقراءات وتأويلات مختلفة، وهذا ما حدث بالفعل.
أكثر ما يلفتني أن أقرأ تفسيرات متناقضة للفيلم، لأن ذلك يعني أنه نجح في إثارة الأسئلة وفتح باب الحوار.
أما المهرجانات والجوائز فأراها امتدادا لهذه الرحلة، لأنها تمنح الفيلم فرصة للوصول إلى جمهور جديد في ثقافات مختلفة، وهو ما لمسته في عروضه خارج مصر.
الجوائز مهمة بالطبع، لكنها في النهاية تعبر عن رأي لجنة تحكيم، بينما يبقى الأهم بالنسبة لي أن يواصل الفيلم رحلته مع الجمهور، وأن يظل قادرا على إثارة النقاش.
هل يمثل" آخر المعجزات" بداية لمشروع سينمائي يعيد تقديم الأدب الكلاسيكي برؤية معاصرة، أم أنك تفضل التنقل بين تجارب مختلفة؟لطالما آمنت بأن الأدب -خاصة الكلاسيكي- ملاذ مهم، وأننا بحاجة إلى العودة إليه.
لكن هذا لا يعني أن كل أعمالي المقبلة ستكون مقتبسة عن نصوص أدبية.
فيلمي الروائي الطويل الأول" يونس في بلاد الشوق" من تأليفي، وكذلك فيلمي القصير المقبل، لكنني في الوقت نفسه أرغب في تقديم المزيد من الأعمال المقتبسة عن الأدب.
لدي أكثر من مشروع أعمل عليه حاليا؛ منها أعمال مستوحاة من نصوص لنجيب محفوظ، وأخرى مأخوذة عن رواية لكاتب شاب، وأتمنى أن ترى النور قريبا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك