تزامن حدث إدخال المؤرخ الفرنسي مارك بلوخ إلى" البانثيون" مع صدور كتاب جماعي بعنوان" مارك بلوخ، التاريخ بوصفه مقاومة" (منشورات سوي، 2026)، بإشراف المؤرخين فلوريان مازيل ويان بوتان، ليعيد قراءة إرثه الفكري والإنساني على ضوء الأسئلة التي تشغل بال مؤرخي اليوم.
يقع الكتاب في نحو 600 صفحة، ويضم إسهامات 25 باحثاً من تخصصات متعددة، تجمعهم قناعة راسخة بأن مارك بلوخ لا يزال حاضراً في قلب النقاشات التاريخية المعاصرة، إضافة إلى بعض النصوص التي وقّعها المؤرخ وبقيت غير منشورة.
ولا يقتصر هدف الكتاب على استعراض سيرة بلوخ أو التعريف بمؤلفاته، وإنما سعى إلى الكشف عن العلاقة العميقة التي ربطت مشروعه العلمي بموقفه الأخلاقي والسياسي، وإلى تفسير السر الذي جعل من أفكاره مصدر إلهام لأجيال متعاقبة من المؤرخين في فرنسا وخارجها.
يبتعد الكتاب من الصورة التقليدية التي نظرت إلى بلوخ على أنه أحد أبطال المقاومة الفرنسية وأحد مؤسسي" مدرسة الحوليات"، إذ ينظر المسهمون فيه إلى حياة هذا المؤرخ على أنها وحدة متكاملة، يتداخل فيها النشاط الأكاديمي بالالتزام المدني، ويتحول البحث عن الحقيقة إلى موقف أخلاقي يرفض الاستسلام للأكاذيب والدعاية والتعصب.
ومن هذا المنطلق، يبدو دخول رفاة بلوخ إلى" البانثيون" تتويجاً لمسار فكري وإنساني ظل قائماً على الدفاع عن قيم الحرية والعقل والمسؤولية.
وُلد مارك بلوخ عام 1886 في مدينة ليون لأسرة يهودية ألزاسية اختارت الانتماء إلى فرنسا بعد ضم مقاطعتي الألزاس واللورين إلى ألمانيا عام 1871.
نشأ في بيئة أولت التعليم مكانة مهمة، وترسخت فيها مبادئ الجمهورية والمواطنة والمساواة، فكان من الطبيعي أن يتجه الشاب إلى الدراسات التاريخية، وأن يبرز سريعاً كأحد ألمع الباحثين في جيله.
وقد جمع منذ بداياته بين التكوين الكلاسيكي الصارم والانفتاح الواسع على العلوم الإنسانية والاجتماعية، وهي سمة ستصبح لاحقاً من أهم ملامح مشروعه العلمي الذي ارتبط قبل كل شيء بتجديد علم التاريخ.
ففي زمن كانت الكتابة التاريخية تدور حول الملوك والحروب والقرارات السياسية وسجلات الوثائق الرسمية، دعا بلوخ إلى توسيع مجال البحث ليشمل كل مكونات المجتمع من أنماط الحياة اليومية والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والعقليات الجماعية والمعتقدات والرموز وتفاصيل البيئة الطبيعية التي عاش فيها الناس.
وبذلك أسهم في نقل علم التاريخ من مجرد سرد للأحداث إلى علم يدرس المجتمعات في مختلف أبعادها.
وتجسد هذا التوجه بوضوح عندما أسس مع لوسيان فيفر عام 1929 مدرسة" الحوليات" ومجلتها التي أصبحت واحدة من أكثر المجلات تأثيراً في مجال الدراسات التاريخية، إذ فتحت أبواب الحوار بين التاريخ وعلم الاجتماع والاقتصاد والجغرافيا والأنثروبولوجيا، مشجعة الباحثين على تجاوز الحدود التقليدية بين التخصصات وعدم النظر إلى الوثيقة المكتوبة على أنها مصدر وحيد للمعرفة التاريخية، بل الاهتمام بالصور والخرائط واللقى الأثرية والمناظر الطبيعية والعادات الشعبية ضمن المواد التي يمكن للمؤرخ أن يستند إليها لفهم الماضي.
ومن أبرز ما ميّز منهج بلوخ أيضاً رفضه التعامل مع الوقائع باعتبارها حقائق جاهزة، إذ رأى أن المؤرخ يبدأ عمله بطرح الأسئلة، وأن قيمة الوثيقة لا تكمن في وجودها وحده، وإنما في نوعية الأسئلة التي تُوجَّه إليها.
ولهذا السبب دعا إلى استخدام كل الشواهد الممكنة، وإلى إخضاعها للنقد حتى تتكون صورة أكثر دقة عن المجتمعات القديمة.
كذلك، منح المقارنة بين المجتمعات مكانة في البحث التاريخي، إذ لم يكُن مقتنعاً بأن تاريخ أي بلد يمكن فهمه بمعزل عن تجارب الشعوب الأخرى.
وساعده هذا المنهج في تجاوز الرؤية القومية الضيقة التي سادت لدى عدد كبير من المؤرخين في مطلع القرن الـ20.
ولعل أشهر مثل على جرأته العلمية يتمثل في كتاب" الملوك أصحاب القدرة على الشفاء" الذي نشره عام 1924 والذي درس فيه الاعتقاد السائد خلال العصور الوسطى بأن ملوك فرنسا وإنجلترا يملكون قدرة خارقة على شفاء بعض الأمراض، باحثاً عن فهم الأسباب الاجتماعية والثقافية التي دعت الناس إلى الإيمان بهذا الاعتقاد، وإلى الدور الذي قام به في ترسيخ السلطة الملكية.
وفتح هذا الكتاب أفقاً جديداً أمام دراسة العقليات والتمثّلات الجماعية، وأصبح لاحقاً واحداً من النصوص المؤسِسة للتاريخ الثقافي والأنثروبولوجيا التاريخية.
أما في كتابه" المجتمع الإقطاعي"، فقدّم بلوخ قراءة جديدة للعالم في العصور الوسطى، مبتعداً من الصور النمطية التي اختزلت الإقطاع في مجموعة من القواعد القانونية الجامدة.
وحاول فيه فهم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وشبكات الولاء والسلطة، مبيّناً أن المجتمع الوسيط كان أكثر تعقيداً وتنوعاً مما كان يُعتقد.
وساعد هذا العمل في إعادة صياغة دراسة العصور الوسطى داخل الجامعات الأوروبية، وظل مرجعاً أساسياً لعقود طويلة.
بين الدقة العلمية والسرد المشوقولم تنحصر قيمة مارك بلوخ في ابتكار مناهج جديدة، بل امتدت إلى أسلوبه في الكتابة، لإيمانه أن المعرفة التاريخية ينبغي أن تكون في متناول الجميع، وأن المؤرخ لا يكتب لزملائه وحدهم، وإنما يخاطب أيضاً القارئ العادي.
لذلك جاءت مؤلفاته واضحة البناء وغنية بالأمثلة وتجمع بين الدقة العلمية والسرد المشوق، مما منحها قدرة على الصمود أمام الزمن، وجعلها تعتمد كمرجع في الجامعات وخارجها.
ولئن كانت مؤلفات بلوخ أحدثت تحولاً عميقاً في دراسة الماضي، فإن حياته الشخصية منحت مشروعه الفكري بعداً أخلاقياً.
عاش مارك المؤرخ الحربين العالميتين وتجنّد في صفوف الجيش الفرنسي، ونال أوسمة تقدير لشجاعته خلال الحرب العالمية الأولى.
وعندما اندلعت الحرب الثانية كان في الـ53 من عمره، لكنه أصرّ على الالتحاق بالخدمة العسكرية، لأن الدفاع عن الوطن مسؤولية لا يعفي منها العمر ولا المكانة العلمية.
ومن موقعه داخل المؤسسة العسكرية شهد الانهيار السريع لفرنسا عام 1940، فخرج من تلك التجربة بواحد من أهم الكتب السياسية والتاريخية في القرن الـ20، " الهزيمة الغريبة" الذي حاول فيه تفسير الأسباب التي انتهت باحتلال فرنسا، منتقداً أخطاء القيادة العسكرية وجمود الإدارة وعجز النخب السياسية والثقافية عن إدراك التحولات التي شهدها العالم.
وكتب هذا النص في لحظة كانت فيها الجراح لا تزال مفتوحة، فغدا نموذجاً لتأريخ الزمن الحاضر الذي يدرس فيه المؤرخ الحدث وهو لا يزال يعيش آثاره المباشرة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ازدادت محنة بلوخ بعد وصول حكومة فيشي إلى السلطة، فبسبب أصوله اليهودية طُرد من الجامعة وصودرت مكتبته، وأصبح هدفاً للقوانين العنصرية التي فرضها الاحتلال.
ومع ذلك لم يتراجع عن قناعاته، واختار طريق المقاومة السرّية مشاركاً في تنظيم شبكاتها، مستعملاً أسماء حركية متعددة في إعداد المنشورات وتنسيق الاتصالات بين المجموعات المناهضة للنازية.
وشهد رفاقه على دقته في العمل وقدرته على الجمع بين صرامة الباحث وجرأة المناضل.
في مارس (آذار) 1944 اعتقلت قوات" الغيستابو" بلوخ في مدينة ليون، فتعرض لتعذيب قاسٍ، من دون أن يدلي بأية معلومة عن رفاقه في المقاومة.
وفي الـ16 من يونيو من العام نفسه أُعدم رمياً بالرصاص قرب مدينة ليون، عن عمر لم يتجاوز57 سنة.
لهذا السبب ترفض دراسات الكتاب الجماعي الجديد على اختلاف مقارباتها الفصل بين شخصية المؤرخ وشخصية المقاوم، وترى أن المقاومة لم تبدأ مع انضمام بلوخ إلى العمل السرّي، وإنما كانت حاضرة في مشروعه العلمي منذ أعوام طويلة، إذ قاوم بلوخ التفسيرات السطحية ورفض الانغلاق داخل التخصص ودافع عن حرية البحث وآمن بأن الحقيقة لا تُبنى إلا بالنقد والمراجعة والحوار، جاعلاً من الدراسات التاريخية نفسها فعلاً من أفعال المقاومة لأنها تواجه التزييف وتدافع عن العقل، وتمنح المجتمع القدرة على فهم ماضيه بعيداً من الأساطير والدعاية.
ختاماً، يكتسب الكتاب الجديد" مارك بلوخ، التاريخ بوصفه مقاومة"، أهمية خاصة لأنه يقدم قراءة جماعية لتراث بلوخ في ضوء تطور البحث التاريخي خلال العقود الأخيرة.
وحرص المشرفان على نشره فلوريان مازيل ويان بوتان على إشراك باحثين ينتمون إلى مجالات مختلفة، من تاريخ العصور الوسطى، إلى تاريخ الحربين العالميتين، وتاريخ الأفكار، وعلم الاجتماع التاريخي، من أجل إبراز تعدد الأبعاد التي يتضمنها إرث بلوخ الذي تجاوز حدود الدراسات الوسيطة التي تخصّص فيها، متوقفاً عند أثره في أجيال متلاحقة من مؤرخي الأزمنة الحديثة والمعاصرة، والباحثين في التاريخ الثقافي والذاكرة الجماعية وتاريخ العقليات، والدارسين لعلوم السياسة والأنثروبولوجيا الذين وجدوا في أعماله نموذجاً للتجديد المنهجي القائم على الانفتاح على الأنثروبولوجيا، والاستفادة من الاقتصاد وعلم الاجتماع، والاعتماد على المقارنة بين المجتمعات، والاهتمام بالبنى الاجتماعية، وتوسيع مفهوم الوثيقة التاريخية ليشمل كل ما خلفه الإنسان من آثار مادية ورمزية.
ولذلك لم يعُد حضوره مقتصراً على الجامعات الفرنسية، بل أصبح جزءاً من التراث الفكري العالمي.
لذا يندرج تكريم مارك بلوخ في إطار تخليد ذكرى الشخصيات التي دفعت حياتها ثمناً لمواقفها الفكرية والوطنية وتأكيداً لقيمة المعرفة الحرّة في بناء المجتمع الديمقراطي.
وحمل هذا التكريم دلالة إضافية بدخول زوجته معه إلى" البانثيون"، في اعتراف بدور العائلات التي أسهمت في المقاومة وتحملت تبعات الاحتلال، مما جعل الحدث استحضاراً جماعياً لمرحلة مفصلية من تاريخ فرنسا وتأكيداً على أن الدفاع عن الحرية مسؤولية مشتركة.
ولا تزال أعمال بلوخ اليوم حاضرة وفاعلة بفضل حيوية الأسئلة التي تطرحها والتي يبرز الكتاب الجماعي أبعادها من خلال مناقشة وظيفة التاريخ في زمن الأخبار الزائفة وفي سياق استعمال الماضي لأغراض أيديولوجية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك