تحوّل قطع مقابلة تلفزيونية مسجلة مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، مساء أمس الثلاثاء، إلى سجال سياسي داخل إيران، بعدما اعتبرت أوساط قريبة من البرلمان أن هيئة الإذاعة والتلفزيون تعاملت مع الحوار بوصفه مادة قابلة للحجب، في حين رأت وسائل ومعلقون أن ما جرى كشف نفوذ تيار داخل التلفزيون الرسمي يتخذ موقفا معارضا لمسار التفاوض مع الولايات المتحدة.
وبدأت القصة حين بثت" شبكة خبر"، القناة الإخبارية التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون، مقابلة مع قاليباف، بصفته رئيسا للبرلمان ورئيسا لفريق التفاوض الإيراني، للحديث عن الحرب ومضيق هرمز والمفاوضات مع واشنطن ومذكرة تفاهم إسلام آباد.
لكنّ البث توقف قبل اكتمال المقابلة، في لحظة كان قاليباف يشرح فيها، وفق وسائل إيرانية، ملفات مرتبطة بالأموال الإيرانية المجمدة وترتيبات التفاهم.
وبعد مراجعة المقطع الذي يوثق لحظة القطع، تبين أن المقابلة توقفت عند شرح آلية الإفراج عن أموال إيران المجمدة، وتحديدا بعد حديث قاليباف عن اتفاق شراء الحبوب والقمح مقابل تلك الأموال، ونسبته إلى حكومة الرئيس السابق إبراهيم رئيسي.
وقال مركز الإعلام في البرلمان إن المقابلة جاءت" تنفيذا لأمر المرشد" بمتابعة الشروط المحددة في مذكرة تفاهم إسلام آباد، وبهدف تقديم تقرير للرأي العام.
وأضاف أن المقابلة كانت مسجلة وسُلِّمت إلى هيئة الإذاعة والتلفزيون قبل أكثر من ساعتين من موعد بثها، لكن عرضها توقف من منتصفها، معتبرا أن الحد الأدنى، إذا كان لدى الهيئة قرار بعدم بث جزء من الحوار، هو التنسيق مسبقا مع البرلمان.
ونقلت وكالة إرنا الرسمية بيانا عن" الفريق الإعلامي الرسمي" لقاليباف يؤكد هذه الرواية، ويقول إن الأجزاء غير المعروضة شملت الرد على ادعاء تفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية مواقع نووية إيرانية، وتفاصيل متابعة الإفراج عن الأموال المجمدة، وبند ائتمان إعادة الإعمار البالغ 300 مليار دولار في نص التفاهم، والرد على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وشرح رسالة المرشد بشأن الاتفاق.
في المقابل، قدّمت هيئة الإذاعة والتلفزيون رواية مختلفة، إذ نقلت وسائل إيرانية، بينها وكالة فارس القريبة من الحرس الثوري، أن الجزء الثاني من المقابلة سيُبث لاحقا، وأن هذا الأمر أُعلن في نهاية البرنامج عبر شريط إخباري أسفل الشاشة.
غير أن هذه الرواية لم تمنع اتساع الانتقادات، خصوصا أن البرلمان شدد على أن المقابلة كانت مسجلة، وأن قرار تقسيمها أو وقفها لم يُنسق معه مسبقا.
وتكتسب الواقعة حساسية إضافية لأن هيئة الإذاعة والتلفزيون ليست مؤسسة إعلامية حكومية عادية، فبحسب المادة 175 من الدستور الإيراني، يكون تعيين وعزل رئيس الهيئة بيد المرشد، مع وجود مجلس رقابي يضم ممثلين عن رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية والبرلمان.
أما المدير الحالي للهيئة بيمان جبلي فقد عُيّن في سبتمبر/أيلول 2021 بحكم من المرشد السابق علي خامنئي لمدة خمس سنوات، مما يجعل اعتراض البرلمان على أدائها خلافا يمس منصة تقع ضمن صلاحيات القيادة العليا.
وسرعان ما خرجت القضية من إطار الخلاف الإجرائي إلى مستوى سياسي أوسع، فقد نشر موقع" خانه ملت" التابع للبرلمان مقالا بعنوان" عندما يرتكب التلفزيون الوطني أكثر الأعمال لا مهنية وبأسوأ شكل"، منتقدا طريقة تعامل هيئة الإذاعة والتلفزيون مع مقابلة رئيس البرلمان.
وبصدور هذا الموقف على منصة البرلمان، أخذت الواقعة بُعدا مؤسسيا وتحولت إلى رسالة مباشرة من المؤسسة التشريعية إلى التلفزيون الرسمي.
الأشد لهجة جاء من داخل البرلمان نفسه، إذ نقلت وسائل إيرانية عن النائب مجتبى زارعي وصفه ما حدث بأنه" سلوك غير أخلاقي" من" جناح يعمل خارج الأطر المؤسسية" داخل هيئة الإذاعة والتلفزيون تجاه رئيس السلطة التشريعية.
وذهب زارعي إلى حد القول إن هذا التيار" وقف إلى جانب ترمب" في ذروة ما سماه" حربا معرفية وروايات" بين الرئيس الأمريكي وقاليباف، داعيا إلى التحقيق الفوري في الملف.
وتكشف هذه اللغة حجم التوتر داخل مؤسسات النظام الإيراني، فالمسألة، وفق منتقدي هيئة الإذاعة والتلفزيون، لا تتعلق فقط بتقسيم مقابلة إلى جزأين، بل بمن يملك منصة الرواية الرسمية: البرلمان ورئيس فريق التفاوض الذي يدافع عن التفاهم مع واشنطن، أم تيار إعلامي وسياسي داخل التلفزيون الرسمي يتعامل مع التفاوض باعتباره خطرا أو تنازلا؟وفي هذا السياق، نشر موقع" انتخاب" الإصلاحي تقريرا مصورا بعنوان" المجموعة الثنائية جبلي-جليلي.
خلفية قطع مقابلة قاليباف"، قال فيه إن هيئة الإذاعة والتلفزيون" باتت تحت تصرف فريق سعيد جليلي"، وإنها قطعت حديث قاليباف، بينما كان يقدم توضيحات مهمة بشأن مذكرة التفاهم والمفاوضات مع الولايات المتحدة، ورغم أن هذه القراءة لا تمثل موقفا رسميا، فإنها تعكس اتساع الاتهامات الموجهة إلى التلفزيون الرسمي بمنح التيار المناوئ للتفاوض نفوذا أكبر على الشاشة.
وسعيد جليلي ممثل المرشد في المجلس الأعلى للأمن القومي، ويُعَد من أبرز وجوه التيار المحافظ المتشدد، واللافت أن شقيقه وحيد جليلي يعمل نائبا لجبلي رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون.
كما رأى موقع جماران، التابع لحسن الخميني، أن قطع حديث قاليباف لم يكن حادثا منفصلا، بل جزءا من نمط أوسع في أداء هيئة الإذاعة والتلفزيون، التي تتيح، وفق المقال، مساحة واسعة لمنتقدي الحكومة والمفاوضين، مقابل مساحة محدودة للأصوات المدافعة عن الدبلوماسية والتفاهم.
وفي محاولة لاحقة لخفض التصعيد، قال رئيس مركز الاتصالات والإعلام والشؤون الثقافية في البرلمان إيمان شمسائي إن بيان البرلمان بشأن الواقعة كان كافيا، لكنه لم يتراجع عن جوهر الاعتراض.
وأوضح أن البرلمان لم يكن على علم مسبق بتقسيم المقابلة إلى جزأين، وأن المشكلة لا تتعلق فقط بأصل القرار، بل بطريقة التنفيذ، حيث قُطِع الحوار في منتصف سؤال أو جواب، من دون تمهيد من المذيع أو تنسيق مع الجهة المعنية.
وربط شمسائي عدم التصعيد أكثر بالحاجة إلى الحفاظ على الوحدة والتعاطف في البلاد، في ظل الاستعدادات لمراسم وداع وتشييع المرشد السابق علي خامنئي.
وبين رواية هيئة الإذاعة والتلفزيون التي تتحدث عن" جزء ثانٍ"، ورواية البرلمان التي ترى في ما جرى قطعا غير منسق لمقابلة مسجلة، تحولت الشاشة الرسمية إلى مساحة عاكسة لخلافات أعمق داخل النظام، فالمقابلة التي أُريد لها أن تشرح للرأي العام مسار التفاوض وشروط التفاهم مع واشنطن، انتهت بإظهار حجم الصراع حول هذا المسار نفسه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك