ليست كأس العالم مجرد أكبر بطولة لكرة القدم في العالم؛ بل هي أيضاً السردية الكبرى التي تحمل إلى أرض الملعب ذاكرة الشعوب، ومفارقات التاريخ، والضمير الإنساني المشترك.
فبعض المباريات تمنح اللقب، وبعضها يُنسى بعد سنوات قليلة، لكن هناك مواجهات تتجاوز لوحة النتائج، لتُخلَّد في ذاكرة التاريخ.
واليوم، ورغم كل ما تتمتع به بطولة كأس العالم 2026 التي تستضيفها الولايات المتحدة والمكسيك وكندا بشكل مشترك، من زخم وإبهار، فإنها لا تزال تُقارن بكأس العالم 2022 في قطر.
فقد ظل التنظيم المثالي الذي قدمته قطر، وملاعبها، ومنظومة النقل فيها، والأجواء التي أضفتها على البطولة، يمثل المرجعية التي يُقاس بها تنظيم بطولات كأس العالم، رغم مرور السنوات.
لكن أكثر ما لفت الأنظار في هذه النسخة لم يكن ما جرى داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل إعادة فتح حساب تاريخي ظل معلقاً لعقود.
أجمل ما يميز هذه النسخة من كأس العالم أن كرة القدم الافريقية والعربية لم تعد تدخل البطولة بوصفها مجرد مشاركة، بل أصبحت قوة تصنع الحكاياتما جرى في كأس العالم 1982 بمدينة خيخون الإسبانية، سُجل في تاريخ كرة القدم باعتباره أحد أكبر فضائحها على الإطلاق.
ففي ذلك الوقت لم تكن ألمانيا قد توحدت بعد، بل كانت منقسمة إلى ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية.
وكانت ألمانيا الغربية تضم في صفوفها نجوماً من طراز شوماخر، وماتيوس، ورومينيغه، وبرايتنر، ولذلك كانت تُعد المرشح الأبرز لإحراز اللقب.
لكن أولى المفاجآت الكبرى في البطولة جاءت عندما نجحت الجزائر في هزيمة هذا المنتخب العملاق بنتيجة 2-1.
ولم يكن ذلك مجرد انتصار غير متوقع، بل كان أيضاً بشارة بفرصة تاريخية لكسر الحاجز الذي عجزت كل المنتخبات الافريقية عن تجاوزه حتى ذلك الحين، والمتمثل في التأهل من دور المجموعات.
كانت الجزائر لا تمثل نفسها فقط، بل كانت تحمل معها آمال كرة القدم الافريقية بأسرها.
وفي المباراة الأخيرة من المجموعة، التقت ألمانيا الغربية مع النمسا.
وكانت الحسابات واضحة: إذا فازت ألمانيا الغربية على النمسا بنتيجة 1-0 أو 2-0، فإن المنتخبين الأوروبيين سيتأهلان معاً إلى الدور التالي، فيما تُقصى الجزائر.
وبالفعل، سجل هورست هروبيش هدف التقدم لألمانيا الغربية في الدقيقة العاشرة، ومنذ تلك اللحظة بدا وكأن كرة القدم قد توقفت في الملعب.
فعلى مدى ثمانين دقيقة كاملة، لم يحاول أي من الفريقين اللعب أو الهجوم أو المجازفة.
وفي المدرجات، كانت الجماهير تهتف باسم «الجزائر»، بينما عبّر المعلقون عن احتجاجهم بالصمت.
وانتهت المباراة بفوز ألمانيا الغربية 1-0، لتتأهل مع النمسا، فيما خرجت الجزائر من البطولة.
ومنذ ذلك اليوم، دخلت تلك المباراة التاريخ تحت اسم واحد: فضيحة خيخون.
وبعد مرور أربعة وأربعين عاماً كاملة، شاء القدر أن يجمع الجزائر والنمسا مجدداً على مسرح كأس العالم.
والأكثر إثارة أن اللقاء جاء مرة أخرى في مباراة مصيرية، وأمام أنظار العالم بأسره، لكن هذه المرة لم يكن شبح عام 1982 هو الحاضر في الملعب، بل كانت كرة القدم في أنقى صورها.
فقد تحولت المباراة التي انتهت بالتعادل 3-3 بين الجزائر والنمسا، إلى واحدة من أكثر مباريات البطولة خلوداً، ليس بسبب نتيجتها فحسب، بل بسبب سرعتها، وإثارتها، ودراميتها، والصراع الذي استمر حتى اللحظة الأخيرة.
دخلت الجزائر الدقائق الأخيرة وهي تتشبث بالأمل، واقتربت كثيراً من انتصار تاريخي، لكنها استقبلت هدف التعادل الثالث في اللحظات الأخيرة، لتغادر الملعب بنقطة واحدة.
نعم، عاشت الجزائر الألم مرة أخرى، لكنه هذه المرة لم يكن ألم الظلم والعار، كما حدث قبل أربعة وأربعين عاماً، بل كان ألم كرة القدم الحقيقية.
ولعل هذا هو السبب الذي منح مواجهة الجزائر والنمسا في عام 2026 معنى يفوق مجرد كونها مباراة ثأرية لذكريات عام 1982.
فالثأر لا يكون دائماً بالفوز؛ بل قد يكون أحياناً في اللعب بشرف، والقتال حتى النهاية، وإزالة الظلام الذي خيم على صفحة من صفحات التاريخ عبر الأداء داخل الملعب.
ففي خيخون توقفت كرة القدم، أما في هذه المباراة فقد نهضت من جديد بكل عظمتها.
في خيخون كانت هناك حسابات، وهنا كانت هناك إثارة.
في خيخون كان الصمت، وهنا كانت العاصفة.
في خيخون كان هناك صمت متفق عليه بين الفريقين، أما هنا فقد قدم كلا المنتخبين كل ما يملك في معركة كروية حقيقية.
ولهذا لم تكن نتيجة 3-3 مجرد تعادل، بل كانت مصالحة بين كرة القدم وضميرها.
ومن أجمل ما يميز هذه النسخة من كأس العالم أيضاً أن كرة القدم الافريقية والعربية لم تعد تدخل البطولة بوصفها مجرد مشاركة، بل أصبحت قوة تصنع الحكايات.
فالمغرب أظهر صموداً كبيراً أمام هولندا، وحقق انتصاراً تاريخياً بركلات الترجيح، مؤكداً أن المسيرة الكبرى التي بدأت في قطر عام 2022 لا تزال مستمرة.
لم يعد المغرب منتخباً يصنع المفاجآت في كأس العالم، بل أصبح منتخباً كبيراً يفرض الخوف على منافسيه، ويعرف كيف يلعب، ويملك شخصية راسخة.
أما مصر، فقد حضرت هي الأخرى إلى البطولة ليس باعتبارها منتخباً يعتمد فقط على أكتاف صلاح، بل كقوة حقيقية تمثل الإرث العريق لكرة القدم الافريقية.
إن ثقة المغرب، وصلابة مصر، والنضال المشرف الذي قدمته الجزائر، كلها تؤكد بوضوح صعود كرة القدم الافريقية والعربية على الساحة العالمية في هذه البطولة.
إن بطولات كأس العالم ليست تاريخ الكؤوس والنجوم والنهائيات فحسب؛ بل هي أيضاً تاريخ الذاكرة، والسعي إلى العدالة، وصوت الضمير.
فبعض الحسابات لا تُحسم خلال تسعين دقيقة، بل تحتاج إلى أربعة وأربعين عاماً حتى تكتمل.
وربما خسرت الجزائر فرصة الفوز بعدما تلقت هدفاً في اللحظات الأخيرة، لكنها هذه المرة غادرت الملعب مرفوعة الرأس.
لأن ما سُلب منها عام 1982 لم يكن مجرد فرصة للتأهل إلى الدور التالي، بل كان شعور كرة القدم بالعدالة.
أما في عام 2026 فقد كُتبت القصة بطريقة مختلفة: نزل شبح خيخون إلى أرض الملعب، لكنه هذه المرة لم يتمكن من تلويث اللعبة.
لقد انتصرت كرة القدم، وانتصر الكفاح، وانتصرت الذاكرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك