وقالت الإفتاء نصا: " أباحت الشريعة من صور الترفيه والترويح واللهو ما لا يتعارض مع مقاصدها الكلية وقيمها الأخلاقية.
وقد رسَّخ النبي صلى الله عليه وآله وسلم معنى الترويح عن النفس في الحديث الذي رواه حنظلة الْأُسَيِّدِيُّ رضي الله عنه حين شكا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يجده من فرق بين حاله عند النبي وحاله مع أهله، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " يَا حَنْظَلَةُ، لَوْ كنْتُمْ كمَا تَكونُونَ عِنْدِي لَصَافَحَتْكمُ الْمَلَائِكةُ عَلَى فُرُشِكمْ -أَوْ: عَلَى طُرُقِكمْ-، يَا حَنْظَلَةُ، سَاعَةً وَسَاعَةً" أخرجه مسلم في" الصحيح".
وقوله: " سَاعَةً وَسَاعَةً"؛ " أي: أريحوها بعض الأوقات من مكابدة العبادات بمباحٍ لا عقاب فيه ولا ثواب.
قال أبو الدرداء رضي الله عنه: إني لأجم فؤادي ببعض الباطل -أي: اللهو الجائز- لِأَنْشَطَ للحق"؛ كما قال الإمام المناوي في" فيض القدير".
وأضافت الإفتاء: " فيما يخص مشروع السايبر الترفيهي المذكور، فإنه يشتمل على خدمات متنوعة؛ بعضها مباح في أصله ولا إشكال فيه، كخدمات الطباعة والفاكس وما شابهها من الخدمات المكتبية النافعة، أما الإشكال الذي يَرِدُ غالبًا، والذي يقع فيه المحظور، فيتعلق بالجانب الترفيهي من المشروع، وتحديدًا في الألعاب الإلكترونية واستخدام الإنترنت المفتوح، وحكم هذه الأنشطة منوطٌ بطبيعة المحتوى المقدم والغاية منه.
فإن كانت أنشطة الألعاب في مشروع السايبر تخلو من المحرمات، وتؤدي غرضًا مباحًا، فلا مانع منها، إذ من المقرر في الشرع الشريف أنَّ الأصل في اللهو واللعب والترويح عن النفس الإباحة، ما لم يقترن اللعب بمحظور شرعي؛ فيُنْهَى عنه؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: 12].
وعن أم المؤمنين عَائِشة رضي الله عنها قالت: " كَانَ الْحَبَشُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ، فَسَتَرَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَأَنَا أَنْظُرُ، فَمَا زِلْتُ أَنْظُرُ، حَتَّى كُنْتُ أَنَا أَنْصَرِفُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ تَسْمَعُ اللَّهْوَ" متفق عليه.
وكذلك ما رواه الإمامان أحمد وابن حِبَّان عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: " عَلِّمُوا غِلْمَانَكُمُ الْعَوْمَ، وَمُقَاتِلَتَكُمُ الرَّمْيَ".
وقد استنبط العلماء من هذا جواز ممارسة الألعاب، شريطة ألَّا يُجاوز دائرة الإباحة، فما يكون منها نافعًا فهو مباح، وما يكون منها ضارًّا فهو محرم، وفي ذلك يقول الإمام ابن القاصِّ في" فوائد حديث أبي عمير": " وفيه دليلٌ على الرخصة للوالدين في تخلية الصبي وما يروم من اللعب إذا لم يكن من دواعي الفجور.
وفيه دليلٌ على أنَّ إنفاق المال في ملاعب الصبيان ليس من أكل المال بالباطل إذا لم يكن من الملاهي المنهية".
واستطردت دار الإفتاء: الشريعة الإسلامية وإن كانت تُبيح وسائلَ الترويح عن النفس، غير مفرقة في ذلك بين كبير وصغير؛ كُلٌّ بما يناسبه، إلا أنَّ لذلك ضوابط يجب مراعاتها ومنها:1- ألَّا يكون اللعب هو دأب اللاعب بحيث يصير ذلك إدمانًا يَعُود على صاحبه بالضرر الصحي والنفسي والإرهاق الذهني، ويشغله عن أعماله وواجباته وإنجازاته النافعة له؛ كالعمل أو الدراسة أو نحو ذلك، فقد روى الإمام أحمد في" المسند" وابن ماجه في" السنن" من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ".
فالضرر منهي عنه شرعًا.
2- ألَّا يؤدي اللعب إلى تضييع حقوق الله على المكلَّف من عبادات وصلوات ونحوها؛ حتى لا يدخل بذلك تحت قول الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 4-5]؛ لأنَّ تعمد ذلك مُحَرَّمٌ، و" ما أدى إلى الحرام فهو حرام"، كما يقول الإمام العز بن عبد السلام في" قواعد الأحكام" (2/ 218، ط.
دار الكتب العلمية).
3- ألَّا تشتمل هذه الألعاب على الميسر أو القمار المنهي عنه شرعًا في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90].
4- ألَّا يقترن باللعب سلوكٌ محرَّمٌ؛ كتصوير العورات أو الإيحاءات الممنوعة التي تدعو إلى التفلت والانحلال القيمي والأخلاقي؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: 30]، ولقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ".
أخرجه" مسلم".
قال الإمام النووي في" شرح مسلم": وأما أحكام الباب: ففيه تحريم نظر الرجل إلى عورة الرجل، والمرأة إلى عورة المرأة، وهذا لا خلاف فيه، وكذلك نظر الرجل إلى عورة المرأة، والمرأة إلى عورة الرجل حرام بالإجماع".
والإسلام يدعو إلى محاسن الأخلاق وينهى عن مساوئها؛ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ» أخرجه الحميدي في" المسند"، والبخاري في" الأدب المفرد"، والترمذي في" السنن" وصححه واللفظ له، وابن أبي الدنيا في" الحلم"، وابن حبان في" الصحيح" من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.
5-ألَّا تشتمل اللعبة على طقوس تعبدية تخالف ثوابت عقيدة المسلمين، إذ يجب" حفظ الدين عما يخل به" كما يقول الإمام العدوي في" حاشيته على كفاية الطالب الرباني"قال الإمام الغزالي في" المستصفى": ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة.
وما دام حفظ الدين هو رأس هذه الأصول وأعلاها؛ فإن أي تهاون فيه، ولو كان في سياق اللعب، يُعد مفسدة عظيمة يجب دفعها.
6- ألَّا يكون اللعب مؤديًا إلى النزاع والخصومة والبغضاء بين اللاعبين، أو يشتمل على عنف أو يحث عليه؛ فإن الشريعة جاءت لتأليف القلوب، وقد حذَّر الله تعالى من كل ما يوقع العداوة والبغضاء بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: 91].
7- ألَّا تكون اللعبة من ألعاب التجسس الممنوعة محليًّا أو دوليًّا؛ عملًا بالنهي القرآني الصريح: ﴿وَلَا تَجَسَّسُواْ﴾ [الحجرات: 12]، ووجوب طاعة ولي الأمر في غير معصية درءًا للمفاسد العامة، إذ يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59].
قال الإمام القرافي في" الفروق" (2/ 103، ط.
عالم الكتب): [اعلم أنَّ حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد يرفع الخلاف، ويرجع المخالف عن مذهبه لمذهب الحاكم، وتتغيَّر فُتياه بعد الحكم عمَّا كانت عليه على القول الصحيح من مذاهب العلماء] اهـ.
8- ألَّا يؤدي كذلك إلى تضييع حقوق العباد عليه، وفي مقدمتهم الأهل ممن يعولهم ويقوم على رعايتهم؛ فإنهم في ذمته، وهو مسؤولٌ عنهم، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه سمع النَّبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" متفق عليه، واللفظ للبخاري؛ فإذا قَصَّرَ الإنسان أو فرَّط في حقوق مَن يعولهم استحق الإثم والمؤاخذة؛ فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ" أخرجه النسائي في" السنن"، والحميدي في" المسند"، والحاكم في" المستدرك".
على أن توفير هذه الألعاب أو إتاحة الوصول إلى المواقع التي تشتمل على المحرمات المذكورة، هو تمكين للغير من فعل المنكر وتيسير له، وهذا بحد ذاته يُعد مشاركة في الإثم.
فصاحب المشروع الذي يسمح بهذه المخالفات يصبح شريكًا في كل إثم يقع داخل محله، وتكون هذه المشاركة في المشروع من باب التعاون على الإثم والعدوان الذي نهى الله تعالى عنه صراحة في قوله: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
واختتمت الإفتاء: " بناءً على ما سبق، فإنَّ الحكم الشرعي في مشروع السايبر الترفيهي الذي تنوي المشاركة فيه، أنه إن خلا من جميع المحاذير الشرعية، كالألعاب والمواقع التي تشتمل على عورات أو تدعو للرذيلة، والتزمتم كأصحاب للمشروع بما يلزم لعدم الإعانة على إلهاء رواد المكان عن واجباتهم الدينية كالصلاة؛ فحكمه حينئذٍ الجواز والإباحة، والربح منه حلال.
أما إذا اشتمل على شيء من المحرمات، كالتساهل في عرض المحتوى الإباحي أو الألعاب المحرمة، أو تسبب صاحب السايبر في إضاعة الواجبات على رواده؛ فيصير الحكم هو الحرمة، وتكون المشاركة فيه من باب التعاون على الإثم والعدوان، والعبرة بالمحتوى والغاية، وعلى المسلم أن يكون رقيبًا على نفسه وماله، وأن يتجنب ما يضره، وأن يختار ما ينفعه في دينه ودنياه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك