شهد الاقتصاد الإيطالي، خلال الأشهر الأخيرة، تصاعداً في الضغوط الناجمة عن تداعيات الحرب بين إيران وإسرائيل، رغم الإعلان عن اتفاق لوقفها، إذ انعكست حالة عدم اليقين واستمرار القيود على الملاحة في مضيق هرمز على أسعار الطاقة والتضخم وحركة التجارة والسياحة.
وفي هذا السياق، حذّر مركز دراسات اتحاد الصناعات الإيطالي في تحليل حمل عنوان" الاقتصاد في حالة تباطؤ: النفط يتراجع والتضخم يرتفع والمعدلات تتصاعد والسياحة تتوقف"، من أن الاقتصاد الإيطالي دخل مرحلة من التباطؤ خلال الربع الثاني من العام الجاري، في ظل استمرار التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية، رغم التوصل إلى اتفاق لوقفها، مشيراً إلى أن الغموض لا يزال يحيط بتنفيذ الاتفاق، فيما تبقى حركة الملاحة عبر مضيق هرمز محدودة، الأمر الذي يواصل الضغط على الأسواق.
وتابع المركز أن أسعار النفط تراجعت مجدداً لتقترب من مستوياتها السابقة للحرب، بعدما هبط سعر خام برنت إلى نحو 74 دولاراً للبرميل، مقارنة بذروة بلغت 104 دولارات، إلا أن أسعار الغاز لا تزال مرتفعة، كما يظل التضخم عند مستويات مرتفعة، بينما أدت زيادة أسعار الفائدة إلى تشديد شروط الائتمان وإبطاء الاستثمارات، في وقت يشهد فيه قطاع السياحة الأجنبية تراجعاً حاداً.
وأوضح أن الاقتصاد الإيطالي سيدفع ثمن هذه التطورات خلال الربع الثاني من العام الجاري، بينما يُتوقع أن يشهد الربع الثالث تحسناً تدريجياً، مستفيداً من استمرار متانة القطاع الصناعي، واستمرار الاستثمارات المدعومة بأموال خطة التعافي الأوروبية.
وذكر مدير الأبحاث في معهد برونو ليوني الإيطالي للدراسات الاقتصادية والقانونية والسياسة العامة، كارلو ستانيارو، في حديث لـ" العربي الجديد"، أن التحليل الصادر عن اتحاد الصناعات الإيطالي" ينقل لنا صورة بلد ذي أسس هشة، بلد يئن من جهة تحت وطأة التوترات الجيوسياسية، ومن جهة أخرى بسبب نهاية خطة التعافي الأوروبية".
واستدرك ستانيارو أنه" على الرغم من ذلك، فإن تجربة هذه الأخيرة غير قابلة للتكرار: إذ كانت خطة عملاقة للإنفاق في مرحلة ما بعد جائحة كورونا، لم يكن بمقدور بلد ذي مديونية ثقيلة، مثل إيطاليا، المضي فيها قدماً"، مشدداً على أن" هشاشة الأفق الاقتصادي، على وجه التحديد، تكشف لنا الكثير عن التقييم الضمني لخطة التعافي الأوروبية".
وأوضح أن" هذه الخطة، من الناحية النظرية، كان من المفترض أن تساهم بشكل جوهري، من خلال استثمارات وإصلاحات، في رفع معدل النمو المحتمل للناتج المحلي الإجمالي على المدى الطويل.
وهذا لم يتحقق على المستوى العملي".
وفيما يتعلق بتداعيات الحرب في الشرق الأوسط، أعرب المحلل الاقتصادي الإيطالي البارز عن اتفاقه مع تقرير اتحاد الصناعات، إلا أنه شدد على أن" المجهول يكمن في الأشهر المقبلة التي ستكون فاصلة لملء مخزونات الغاز، ومنح المصافي فرصة لالتقاط الأنفاس".
ورأى أنه" بالإمكان امتصاص تداعيات الحرب في حال استقرار الأوضاع.
أمّا إذا عدنا لنشهد مجدداً أوضاعاً متأزمة، فمن الممكن أن نواجه شتاءً صعباً، لا سيما إذا اتسم الموسم المقبل بدرجات حرارة أكثر انخفاضاً".
وشدد تقرير اتحاد الصناعات الإيطالي على أن ارتفاع أسعار الطاقة أدى إلى تسارع التضخم في إيطاليا إلى 3.
2% في مايو، وهو المستوى نفسه المسجل في منطقة اليورو، بعد أن كان عند 1% فقط في يناير، كما عادت معدلات التضخم الأساسي إلى الارتفاع، الأمر الذي دفع البنك المركزي الأوروبي إلى رفع سعر الفائدة الرئيسي إلى 2.
25% في منتصف يونيو، لكنه أشار إلى أن رئيسة البنك، كريستين لاغارد، أكدت أن السياسة النقدية لن تتجه نحو تشديد قوي، فيما تتوقع الأسواق زيادة إضافية محدودة لا تتجاوز ربع نقطة مئوية قبل نهاية عام 2026.
وأضاف أن ارتفاع تكلفة الاقتراض سيجعل تنفيذ الاستثمارات أكثر صعوبة، رغم استمرار الدعم الذي توفره أموال خطة التعافي الأوروبية خلال الأشهر المقبلة، إذ ستتراجع وتيرة التمويل الموجه للمشروعات الاستثمارية، بينما لا تزال ثقة الشركات المنتجة للسلع الرأسمالية عند مستويات منخفضة.
وأشار المركز إلى أن الاستهلاك المحلي بدأ يُظهر علامات تباطؤ، فرغم استمرار نمو معدلات التوظيف بما يدعم دخول الأسر، فإن ارتفاع الأسعار يلتهم جزءاً كبيراً من القوة الشرائية، وهو ما انعكس في انخفاض مبيعات التجزئة، وتراجع مشتريات السيارات، الأمر الذي قد يمهد لانخفاض الإنفاق الاستهلاكي خلال الربع الثاني.
وفي المقابل، رأى التقرير أن القطاع الصناعي ما زال يحتفظ بقدر من الصلابة، بعدما ارتفع الإنتاج الصناعي في إبريل بنسبة 0.
5%، مدعوماً بزيادة إنتاج السلع الرأسمالية والوسيطة، كما بقي مؤشر مديري المشتريات الصناعي في منطقة النمو، وإن كان ذلك يعود جزئياً إلى اتجاه الشركات نحو تكوين مخزونات احتياطية تحسباً لأي اضطرابات مستقبلية، في ظل استمرار المخاطر المرتبطة بالحرب والسياسات التجارية الدولية.
ولفت إلى أن قطاع الخدمات فقد أحد أهم محركاته، بعدما أدى الصراع في الخليج إلى توقف الانتعاش السياحي، حيث انخفض إنفاق السياح الأجانب في إيطاليا بنسبة 3.
2% خلال إبريل، بعد أن كان يسجل نمواً تجاوز 14% قبل أشهر قليلة، كما واصل نشاط الخدمات تسجيل أداء ضعيف بفعل تراجع الطلب وارتفاع تكاليف التشغيل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك