يخوض الجيش السوداني والقوات المشتركة والمساندة لليوم الثاني على التوالي معارك ضارية واشتباكات ومواجهات شرسة مع قوات" الدعم السريع" في جبهات القتال المحيطة بمدينة الجنينة، عاصمة غرب دارفور، تمهيداً للتقدم نحو عمق المدينة عقب سيطرتها على عدد من المواقع الاستراتيجية في محيط جبل مون، 74 كيلومتراً شمال المدينة.
وأعلن المتحدث باسم القوات المشتركة متوكل علي أن القوات أحرزت مزيداً من التقدم نحو مدينة الجنينة بسيطرتها على منطقة (بئر كليكل) شرق جبل مون، وتقوم بعمليات تمشيط واسعة في ضواحي الجبل.
وشنت طائرات الجيش المسيرة أمس الأربعاء، الأول من يوليو (تموز) الجاري، غارات عدة جوية استهدفت متحركات قوات" الدعم السريع" في منطقتي جبل مون وكلبس.
وكانت قوات الجيش والقوات المشتركة سيطرت قبل يومين على منطقة جبل مون بجانب بلدة (سربا)، شمال شرقي الجنينة.
أكدت مصادر ميدانية أن مدينة الجنينة باتت على أعتاب مواجهة عسكرية حاسمة، عقب تضييق الجيش والقوات المشتركة الخناق عليها، بالتزامن مع موجة نزوح واسعة في اتجاه معبر أدري على الحدود السودانية التشادية، الذي يشهد ازدحاماً شديداً وتضاعفت كلفة نقل الراكب الواحد من الجنينة إلى المعبر، لتصل إلى 70 ألف جنيه سوداني وسط موجة نزوح واسعة.
يأتي هذا التقدم العسكري للجيش بعد سيطرته أخيراً على مدينة كلبس ومنطقة أبو قمرة بولاية شمال دارفور، مما عدته مصادر عسكرية تحولاً ميدانياً كبيراً في مجرى الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات.
أكدت لجان مقاومة الفاشر أن الجيش والقوات المشتركة والمساندة تقترب بشدة من المدينة، وسط غارات عنيفة ومتواصلة لمقاتلات الجيش الحربية استهدفت مقار ومواقع وتحصينات" الدعم السريع" العسكرية داخل المدينة للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023.
من جانبها وصفت قوات" الدعم السريع" المناوشات التي ينفذها الجيش والقوات المشتركة بغرب دارفور وعلى الحدود السودانية التشادية بأنها محاولة يائسة للتغطية على الهجوم الكبير المرتقب على مدينة الأبيض، كما بثت مقطع فيديو على منصاتها الرسمية تشير فيه إلى أن قواتها بقيادة اللواء إدريس حسن ما زالت ترابط أعلى جبل مون.
في الأثناء شهد محور كردفان تطوراً ميدانياً جديداً بإعلان غرفة طوارئ دار حمر رصد انسحابات مفاجئة لقوات" الدعم السريع" من غرب كردفان، إذ تحركت نحو 60 عربة قتالية من مدينة النهود و80 عربة من عاصمة الولاية مدينة الفولة، سلكت القوة المنسحبة طريقها نحو إقليم دارفور.
ورجحت مصادر عسكرية أن تكون القوات المنسحبة من كردفان في طريقها إلى ولاية غرب دارفور، لإسناد قواتها المتراجعة في محيط مدينة الجنينة.
في شمال كردفان قالت مصادر محلية إن مسيرات قوات" الدعم السريع" واصلت استهدافها لمدينة الأبيض، وقصفت أمس شاحنة محملة بالضأن عند المدخل الشرقي للمدينة.
وبالتزامن مع تمركز حشود لقوات" الدعم السريع" في عدة بلدات وقرى حول الأبيض، يواصل الجيش هجماته الجوية المكثفة وتعزيز دفاعاته في محيط المدينة.
وكشف مختبر الأبحاث الإنسانية التابع لكلية الصحة العامة في جامعة ييل الأميركية أمس، عبر صور الأقمار الاصطناعية، خلال الفترة بين الـ25 من مايو والـ25 من يونيو هذا العام، عن تعرض المرافق الحيوية بمدينة الأبيض لأضرار كبيرة، نتيجة القصف المستمر بالطائرات المسيرة، المنسوبة إلى قوات" الدعم السريع"، شملت ثماني محطات وقود ومحطة الكهرباء ومرافق تخزين الوقود، إضافة إلى السوق الكبير وأحياء سكنية.
رصد المختبر توسعاً ملاحظاً في مخيمات النازحين بالمدينة، إذ أظهرت الصور بالأقمار الاصطناعية إنشاء أكثر من 700 مبنى موقت جديد خلال شهر واحد، لاستيعاب تدفقات إضافية من المدنيين الفارين من مناطق القتال نحو المدينة.
أوضحت مصادر ميدانية أن مسيرات الجيش شنت أمس سلسلة هجمات بشمال كردفان دمرت خلالها نقاطاً لتمركز قوات" الدعم السريع"، كما دمرت 13 عربية مقاتلة بمنطقة الوعجاجة بالقرب من محلية أم بادر، فضلاً عن قصف وتشتيت تجمعات كبيرة لها حول منطقة أم صميمة الاستراتيجية 60 كيلومتراً غرب مدينة الأبيض، التي تعد نقطة عبور حيوية بين ولايتي شمال كردفان وغربها.
وقالت غرفة طوارئ دار حمر إن مسيرات ومقاتلات الجيش الحربية استهدفت أمس أكبر مخازن لسلاح" الدعم السريع" في مدينة أبوزبد، كما هاجمت قوافل إمدادات بشرية ولوجستية خاصة بها في منطقة البيجا بغرب كردفان.
تعيش مدينة الأبيض ظروفاً إنسانية بالغة الصعوبة جراء تزايد هجمات الطائرات المسيرة التي استهدفت البنية التحتية الخدمية بصورة مباشرة، مما تسبب في نقص حاد بالمياه والوقود والخدمات الأساسية.
في وقت تتهم فيه قوات" الدعم السريع" الجيش بتحويل المدينة إلى ثكنة عسكرية ومنع خروج المدنيين، تزعم أن عناصرها بدأوا يستقبلون مجموعات من المواطنين المغادرين لمدينة الأبيض عبر ممرات آمنة خصصتها لهم.
وتفقد قائد الفرقة الخامسة مشاة (الهجانة) اللواء الصديق الجيلي عبدالرحيم أمس القوات المرابطة في الخطوط الأمامية بمناطق العمليات بشمال كردفان، وظهر قائد الهجانة في مقطع فيديو وهو وسط المقاتلين، مؤكداً أن الجيش والقوات المساندة تمضي بعزم وإصرار نحو استكمال مهماتها العسكرية وتطهير جميع المناطق التي تنتشر فيها الميليشيات المتمردة.
وحذر تقرير جامعة ييل من أن استمرار الحصار المفروض على المدينة من هذه القوات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويزيد من أخطار سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.
أشار التقرير الأميركي أيضاً إلى تعرض مقر الفرقة الخامسة للمشاة للجيش للقصف، مما يشير إلى أن حملة الهجمات تستهدف في الوقت نفسه البنية التحتية المدنية الحيوية والمواقع العسكرية للجيش داخل المدينة، مبيناً أن الجيش أقام شبكة دفاعية من الحواجز الترابية والخنادق بطول نحو 51 كيلومتراً حول الأبيض، بينما تحاصر قوات" الدعم السريع" المدينة من ثلاث جهات في الأقل (الغرب والشمال والجنوب)، إذ تتمركز معظم قواتها في الجهة الغربية.
في ولاية النيل الأبيض استهدف هجوم بطائرة مسيرة لقوات" الدعم السريع" شاحنتين تجاريتين (جامبو) كانتا تحملان بضائع بالقرب من إحدى محطات الوقود غرب مدينة كوستي، كبرى مدن الولاية على الطريق الرابط بين العاصمة الخرطوم وشمال كردفان، مما أسفر عن احتراق الشاحنات وإصابة ثلاثة مدنيين بجروح متفاوتة، بحسب معلومات أولية.
ويشكل هذا الاستهداف الهجوم المسير الرابع من نوعه على شاحنات ومرافق خدمية بولاية النيل الأبيض خلال الفترة الماضية، إذ سبق وتعرضت محطات للوقود في مدن كوستي وربك وتندلتي لهجمات مماثلة سقط خلالها عدد من الضحايا بين قتيل وجريح.
في المقابل قالت قوات" الدعم السريع" إن مسيراتها تمكنت من تحييد سبع شاحنات كانت محملة بالإمداد العسكري المموه في شكل بضاعة في مدينة كوستي بالنيل الأبيض، في طريقها إلى عاصمة شمال كردفان.
بالتزامن مع الجلسة الطارئة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة المخصصة للوضع في مدينة الأبيض شمال كردفان، اتهمت منظمة العفو الدولية أمس الأربعاء قوات" الدعم السريع" بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وأعمال تطهير عرقي، خلال هجومها على مدينة الفاشر بين عامي 2024 و2025.
ويعقد مجلس حقوق الإنسان جلسة نقاش عاجلة غداً الجمعة الثالث من يوليو (تموز) الجاري، لبحث أوضاع حقوق الإنسان المتدهورة في مدينة الأبيض والمناطق المحيطة بها بولاية شمال كردفان في السودان، استجابة لطلب مشترك لمجموعة دولية تقودها المملكة المتحدة، وتضم ألمانيا وإيرلندا وهولندا والنرويج.
ومن المنتظر أن تشهد الجلسة تقديم مشروع قرار يطالب بالوقف الفوري للتصعيد العسكري وحماية المدنيين، في ظل التحذيرات الدولية والأممية من احتمال شن قوات" الدعم السريع" هجوماً وشيكاً على المدينة.
وتوصل تقرير منظمة العفو الدولية من خلال مقابلات شملت 247 من الضحايا والشهود في شمال دارفور بين أوائل عام 2024 وأكتوبر (تشرين الأول) 2025، إلى أن قوات" الدعم السريع" ارتكبت جرائم ضد الإنسانية وتطهيراً عرقياً خلال حملتها للسيطرة على الفاشر.
وكانت بعثة حقوقية دولية مستقلة لتقصي الحقائق داخل السودان، في فبراير (شباط) الماضي، قد خلصت إلى أن هجوم عام 2025 على الفاشر يحمل" سمات الإبادة الجماعية".
كشف التقرير أن قوات" الدعم السريع" شنت هجمات ممنهجة على تجمعات سكانية من أبناء قبيلة الزغاوة الإثنية بغرب دارفور في محيط مدينة الفاشر، بجانب وقوع أعمال عنف متعمدة واسعة النطاق ضد أطفال، شملت القتل والاختطاف والتجنيد القسري والاغتصاب.
اتهمت المنظمة قوات" الدعم السريع" بتجنيد الأطفال من الجماعات العربية الموالية لـ" الدعم السريع" أو اختطاف فتيان من الجماعات ذات الأصول الأفريقية من القرى ومخيمات النزوح في دارفور واستخدامهم على نطاق واسع.
ووصفت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية أنيس كالامار، في بيان، ما حدث بأنه وصمة عار في ضمير الإنسانية.
حقوقياً، كشفت عضو اللجنة الوطنية للتحقيق في جرائم وانتهاكات ميليشيات" الدعم السريع" روضة إدريس عبدالقادر عدم تلقى السودان أية استجابة في شأن مخاطبته لعدد من الدول عبر نشرات من البوليس الدولي (الإنتربول)، لتسليم قادة بالميليشيات المتمردة على رغم الانتهاكات والجرائم الموثقة التي ارتكبوها.
كشفت عبدالقادر، خلال منبر تنويري، تقييد 149860 دعوى قضائية ضد الميليشيات، مشيرة إلى أن حصيلة عدد القتلى بلغت 30971، بجانب 44617 جريحاً، و1499 مفقوداً، فضلاً عن تسجيل 2200 حالة اغتصاب ممنهج، متهمة" الدعم السريع" باستخدام الاغتصاب كسلاح في الحرب.
وصلاً للتحذيرات والمناشدات الدولية في شأن محاذير ومخاوف تداعيات هجوم قوات" الدعم السريع" المحتمل على مدينة الأبيض، دعا كل من رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الجمهوري جيم ريش، والسيناتور الديمقراطي كريس كونز، الداعمين الخارجيين لكل من الجيش السوداني وقوات" الدعم السريع"، بمن فيهم الشركاء في الشرق الأوسط، إلى الوقف الفوري لتدفق الأسلحة والموارد التي تسهم في إطالة أمد حرب السودان الكارثية.
أعرب البيان عن القلق البالغ إزاء الاستعدادات الواضحة لقوات" الدعم السريع" والميليشيات المتحالفة معها لشن هجوم على مدينة الأبيض، محذراً من تكرار الفظائع التي وقعت عند سيطرة" قوات الدعم" على مدينة الفاشر العام الماضي.
شدد القياديان على أن لا نهاية في الأفق لحرب السودان ولا حل عسكرياً للأزمة، وأن التفاوض هو السبيل الوحيد للاستقرار، وناشدا طرفي النزاع وسائر الأطراف المشاركة بحسن نية في مفاوضات تفضي إلى سلام دائم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك