في زمن تتشابك فيه الأخبار والجماعات والشاشات، لا يزال المونديال يصنع لحظة نادرة يجلس فيها البشر أمام حدث واحد.
ليست كرة القدم طقساً جديداً، ولا ينبغي التعامل معها بهذه الخفة، لكنها تؤدي وظيفة طقسية قديمة، إذ تهذب الخصومة وتجمع الحشد من دون أن تحوله بالضرورة إلى قطيع، وتمنح العالم استراحة رمزية من أهواله اليومية.
من المباراة كساعة كونية إلى الدولة المستضيفة كمنصة صورة، تكشف كأس العالم أن البشر لم يفقدوا حاجتهم إلى الطقس الجماعي، بل غيروا شكله.
لم يعودوا يجتمعون حول المعبد نفسه، ولا حول الإمبراطور نفسه، ولا حول الساحة نفسها، لكنهم ما زالوا، كل أربعة أعوام، يجلسون أمام كرة تتحرك على عشب أخضر، كأنهم يتذكرون أن الجماعة لم تمت، بل بدلت مكانها وشاشتها وموعدها.
الخصومة التي لا تصير حرباًلا تبدأ كرة القدم من التسلية وحدها، بل من حاجة أقدم إلى تهذيب الخصومة.
فالإنسان لم يتخلص، في تاريخه الطويل، من الرغبة في الغلبة، ولا من ميله إلى الانقسام بين" نحن" و" هم".
لكنه اخترع، مع الزمن، صيغاً تجعل هذه الرغبة أقل دموية.
في المباراة يبقى الصراع موجوداً، لكن صورته تتغير.
هناك فريقان، وجمهوران، ورايتان، وأغانٍ متقابلة، ورغبة في الفوز، وخوف من الخسارة.
غير أن كل ذلك يجري داخل قانون معلن ووقت محدد وحكم وصفارة بداية ونهاية.
هذا هو الفارق الجوهري بين الخصومة والحرب.
الحرب لا تعترف دائماً بحدود واضحة، ولا تقبل غالباً بالآخر إلا مهزوماً أو خاضعاً أو مدمراً.
أما المباراة فتبدأ باعتراف متبادل مفاده لا لعبة من دون خصم.
الخصم هنا ليس كائناً يجب إلغاؤه، بل شرط وجود اللعبة نفسها.
لذلك تصبح كرة القدم، في أحد وجوهها العميقة، تمريناً اجتماعياً على احتمال الآخر داخل نزاع محدود.
قد تكون علاقة الألعاب بالمنافسة والقتال الرمزي قديمة جداً، من المصارعة والمبارزة وسباقات الخيل والعربات إلى مشاهد الكولوسيوم الروماني.
لكن كرة القدم الحديثة ذهبت أبعد من ذلك.
نزعت السلاح من يد الخصم، وأبقت له جسده وذكاءه وقدمه.
لم تعد الغلبة تحتاج إلى دم، بل إلى هدف.
إنها حرب مصغرة أُفرغت من نيتها القاتلة، وأُبقي لها توترها من هجوم ودفاع وخطة ومراوغة وخداع وتراجع، ثم لحظة اختراق.
اللغة قريبة من المعجم العسكري، لكن النتيجة مختلفة.
في النهاية يعود اللاعبون إلى غرف الملابس، ويبقى الخصم خصماً يمكن مواجهته مرة أخرى.
لهذا تحتفظ كرة القدم بقوة غريبة.
هي تسمح للبشر بأن يشعروا بانفعالات كبيرة داخل مساحة صغيرة.
تمنحهم العداء، لكن بلا إبادة.
تمنحهم الانتماء، لكن بلا ضرورة أن يتحول إلى عقيدة.
تمنحهم فرح الغلبة ومرارة الهزيمة، لكنها تذكرهم، ولو نظرياً، بأن الخسارة ليست نهاية العالم.
لا يفوز الجميع، ولا يحصل كل فريق على الكأس، ومع ذلك تستمر اللعبة.
نعيش اليوم في عالم لم يعد يشاهد الشيء نفسه.
لكل جماعة أخبارها وشاشاتها ومصادرها وخوارزمياتها ومخاوفها وغضبها، وأحياناً حقائقها الخاصة.
لم يعد العالم ينقسم فقط إلى دول ولغات وطبقات، بل إلى عوالم انتباه متوازية.
ما يراه أحدهم حدثاً مركزياً قد لا يصل أصلاً إلى شاشة الآخر، وما يعده طرف مأساة يراه طرف آخر دعاية أو تفصيلاً بعيداً.
في هذا التشظي، يظهر المونديال كاستثناء غريب.
فهو لا يوحد مواقف البشر ولا يجعلهم أكثر حكمة ولا يلغي حروبهم، لكنه يوحد انتباههم موقتاً.
ملايين الناس يعرفون أن مباراة معينة تبدأ في ساعة معينة.
الهدف نفسه يُرى في اللحظة نفسها.
ركلة الجزاء نفسها تجعل قارات مختلفة تحبس أنفاسها.
خطأ الحكم وانتظار تقنية الفيديو وارتطام الكرة بالقائم ودمعة اللاعب وفرح الجمهور، كلها تنتقل في وقت واحد تقريباً إلى عالم لم يعد يملك كثيراً من الأوقات المشتركة.
لا يعني ذلك أن العالم يصبح واحداً أخلاقياً أو سياسياً.
هو فقط يصبح واحداً زمنياً.
وهذه ليست مسألة صغيرة.
في زمن الفردانية الرقمية، إذ كل شخص يحمل شاشة خاصة به، وتاريخاً مصغراً من تفضيلاته ومخاوفه ومقاطع الفيديو التي اختيرت له، يصبح الانتباه إلى حدث واحد شكلاً نادراً من الاجتماع.
المونديال لا يجمع البشر لأنهم متفقون، بل لأنهم منتبهون معاً.
لذلك تبدو كأس العالم أكبر من جدول مباريات، إنها رزنامة وجدانية عابرة للحدود.
الناس يرتبون أوقاتهم حولها ويؤجلون مواعيد ويفتحون المقاهي ويغيرون عادات النوم ويجتمعون في بيوت، ويتابعون النتائج في أماكن العمل ويرسلون الرسائل بعد الأهداف، ويتذكرون بعد أعوام أين كانوا حين نظمت مباراة ما.
كل بطولة تصبح علامة في تقويم شخصي وجماعي، أحدهم يتذكرها لأنه كان طفلاً، وآخر لأنه شاهدها مع أبيه، وثالث لأنه كان في الحرب، ورابع لأنه كان مهاجراً، وخامس لأنه بكى على منتخب لم يكن يظن أنه سيبكي عليه.
لم يخترع المونديال حاجة البشر إلى الطقس.
هذه الحاجة أقدم من كرة القدم ومن الرياضة الحديثة كلها.
في المجتمعات القديمة، لم يكن الطقس مجرد عبادة، بل طريقة لتنظيم الزمن وربط الأفراد بالجماعة وإعادة إنتاج الشعور بأن الناس ينتمون إلى شيء يتجاوز حياتهم الخاصة.
الأعياد والمواسم الزراعية والحج والألعاب والمواكب والأسواق الكبرى والاحتفالات الإمبراطورية، كلها كانت تقول للفرد إنه ليس فرداً فحسب، بل جزءاً من جسد أوسع.
الألعاب القديمة نفسها لم تكن منفصلة عن هذا المعنى.
الأولمبياد الإغريقية لم تكن مجرد مسابقات رياضية، بل جزءاً من مهرجان ديني وثقافي في أولمبيا.
كان الجسد يتسابق، لكن الجماعة كانت تحتفل أيضاً بآلهتها وبمدنها وبذاكرتها، وبصورتها عن نفسها.
وكذلك فعلت إمبراطوريات كثيرة حين أقامت عروضها وألعابها ومهرجاناتها الكبرى.
كانت السلطة تحتاج إلى مشهد والجماعة تحتاج إلى موعد والجسد يحتاج إلى اختبار والحشد يحتاج إلى شيء ينظر إليه.
لا يزال العالم المعاصر يعرف طقوساً ضخمة، دينية وروحية وقومية.
الحج إلى مكة، والكومبه ميلا في الهند، والزيارات الكبرى، والأعياد الدينية، والاحتفالات الوطنية، كلها تشير إلى أن الإنسان الحديث لم يغادر تماماً حاجته إلى الاجتماع حول معنى.
لكن المونديال يختلف عن هذه الطقوس في أنه لا يطلب من البشر إيماناً واحداً ولا عقيدة واحدة ولا لغة واحدة ولا ذاكرة تاريخية واحدة.
يكفي أن يفهموا أن هناك كرة ومرميين ووقتاً ونتيجة.
هذا لا يجعل كرة القدم حدثاً مقدساً، ولا ينبغي أن نقع في هذه المبالغة المكررة.
لكنها تؤدي وظيفة طقسية علمانية.
لها موعد دوري وانتظار ورموز وألوان، وأناشيد وقمصان وحكايات وأبطال وخيبات ودموع، ومشاهد تعود في الذاكرة.
ولها أيضاً طقوسها الصغيرة كارتداء القميص نفسه، والجلوس في المكان نفسه والذهاب إلى المقهى ذاته، والاتصال بالصديق ذاته عند كل هدف، تكرار عبارات التفاؤل والتشاؤم، وحتى الاعتقاد أن المشجع قادر، بطريقة ما، على التأثير في النتيجة من خلف الشاشة.
ساعة كونية على شاشات كثيرةفي الحياة اليومية، الزمن فردي ومجزأ.
هناك وقت العمل ووقت المدرسة ووقت المرض ووقت الانتظار ووقت الغربة، وقت الأخبار السيئة ووقت الهاتف ووقت الحرب ووقت الفقر، ووقت القلق.
لكل إنسان ساعته الصغيرة التي تضغط عليه بطريقتها.
لكن المباراة الكبرى تفعل شيئاً مختلفاً، إذ تحول الوقت إلى ملكية جماعية.
الدقيقة الـ90 لا تخص اللاعبين وحدهم.
الوقت بدل الضائع لا يمر على المدرج فحسب.
ركلات الترجيح تجعل ملايين البشر في الحالة العصبية نفسها.
لا يجتمع هؤلاء في مكان واحد.
قد يجلس أحدهم في مقهى داخل بيروت، وآخر في شقة صغيرة في مكسيكو، وثالث في قرية مغربية ورابع في ضاحية باريسية، وخامس في سيارة أجرة يتابع عبر هاتفه.
لكنهم جميعاً يدخلون الدقيقة نفسها.
وهذا هو معنى الساعة الكونية.
لا يوجد مركز واحد للمشاهدة، لكن هناك لحظة مركزية.
ليست الكرة في الملعب وحده، بل في أعصاب من يراقبونها.
يختلف زمن المباراة عن زمن الأخبار.
الخبر يأتي غالباً كصدمة ككارثة كقلق، كشيء لم نستعد له.
أما المباراة فتأتي كموعد.
نعرف بدايتها، ونعرف أن لها نهاية، ونقبل مسبقاً أن نتوتر داخلها.
إنها قلق اختياري تقريباً، أو قلق قابل للإدارة.
وربما لهذا يحبها الناس.
فالحياة تمنحهم توترات لا يختارونها، أما المباراة فتمنحهم توتراً دخلوا إليه برضاهم، ويعرفون أنه سينتهي، مهما كانت النتيجة قاسية.
وفي المونديال، لا تكون الساعة الكونية مباراة واحدة فحسب، بل شهراً كاملاً من المواعيد.
نسخة 2026، بتوسعها إلى 48 منتخباً و104 مباريات، تجعل البطولة أطول وأكثر امتلاء.
قد يكون في ذلك تضخم تجاري وتنظيمي، وقد يكون فيه إتاحة أوسع لدول لم تكن تجد مكانها في النسخ السابقة.
لكن المؤكد أن المونديال، بهذا الحجم، لا يكتفي بأن يكون بطولة، بل يصبح موسماً عالمياً كاملاً، يعيش فيه جزء كبير من البشر على إيقاع المباريات والنتائج والجداول والاحتمالات.
كان الطقس القديم يحتاج إلى مكان واحد.
من أراد أن يشهد المهرجان كان عليه أن يذهب إلى الساحة أو المعبد أو الحلبة أو الملعب.
أما الطقس الحديث فقد تعلم أن ينتشر.
في المونديال لا يجلس العالم في مكان واحد، بل أمام شاشات كثيرة تعرض المشهد نفسه.
التلفزيون والهاتف والحاسوب والشاشات العملاقة في الساحات، والمقاهي ومنصات البث والتعليقات والمقاطع القصيرة، كلها تتحول إلى أجزاء من شاشة كونية موزعة.
عادة نقول إن الشاشات فرقت البشر.
وهذا صحيح إلى حد بعيد.
كل شخص بات يعيش داخل شاشة مصممة على مقاسه ومزاجه وخوفه ورغباته.
لكن المونديال يقلب هذه الحقيقة موقتاً.
الشاشات الكثيرة، التي صنعت عزلات كثيرة، تعود لتعرض حدثاً واحداً.
كل مشاهد يرى من زاويته، بلغته، بتعليقه، وبمنصته، لكن الصورة الأساس واحدة.
هدف واحد ينتقل إلى ملايين الشاشات.
خطأ واحد يصبح مادة نقاش عالمي.
لاعب واحد يبكي فيرى العالم بكاءه في اللحظة نفسها.
لم يعد المشجع يرى المباراة فحسب، بل يراها ويرسل الرسائل، ويكتب تعليقات، ويشارك لقطة، ويسخر، ويغضب، ويراجع الإحصاءات، ويتابع رأي المحللين.
صار المونديال حدثاً متعدد الطبقات، مباراة على الشاشة الأولى وتعليق عالمي على الشاشة الثانية.
ومع ذلك، فإن هذا التعدد لا يلغي الطقس، بل يغير شكله.
يمكن القول إن المونديال هو الطقس الذي تكيف مع عصر التشتت.
لم يعد يتطلب صمتاً جماعياً ولا حضوراً في مكان واحد.
يقبل الضجيج والتعليق والسخرية والانتباه المتقطع، ثم ينجح على رغم ذلك في استعادة لحظة واحدة حين تقترب الكرة من المرمى.
عند تلك اللحظة، تسقط كل الشاشات الثانية تقريباً، ويعود العالم إلى الفعل الأول: النظر.
الحشد الذي يعرف صافرة النهايةمنذ غوستاف لوبون، صار الحشد موضوع خوف وتحليل.
رأى لوبون أن الفرد، حين يدخل الجمهور، يفقد شيئاً من استقلاله العقلي وينخرط في روح جماعية أشد اندفاعاً أقل عقلانية، وأكثر قابلية للتحريض.
كانت هذه النظرة ابنة زمنها أيضاً، خوف برجوازي من الجماهير الشعبية ومن الثورة ومن الاشتراكية ومن الشارع الذي صار يدخل التاريخ لا كمتفرج، بل كفاعل.
ومع ذلك، بقيت فكرته عن" روح الجماهير" مؤثرة لأنها التقطت شيئاً حقيقياً، الإنسان يتغير حين يصبح جزءاً من حشد.
لكن الحشد ليس نوعاً واحداً.
هناك حشد سياسي يريد السلطة.
حشد ديني يريد الخلاص.
حشد غاضب يريد الانتقام.
حشد ثوري يريد إسقاط نظام.
حشد طائفي أو قومي قد يريد محو الآخر.
وهناك أيضاً حشد رياضي يريد الفوز لفريقه.
هذه الحشود قد تتشابه في الصوت والكثافة والانفعال، لكنها لا تتشابه في الغاية ولا في الزمن ولا في الحدود.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك