القاهرة – “القدس العربي”: أثار مصرع 9 أطفال بعد سقوط “تروسيكل” يقلهم في ترعة قرية المسعودي في مركز أبوتيج في محافظة أسيوط، غضباً واسعاً في مصر، وتساؤلات حول ما تمثله الواقعة من انتهاك مركب للحقوق الأساسية للأطفال، في مقدمتها الحق في الحياة والسلامة الجسدية، والحق في الحماية من الاستغلال الاقتصادي والعمل الخطر، والحق في التعليم، والتنقل الآمن، فضلًا عن الحق في التمتع بخدمات عامة وبنية تحتية تراعي الحد الأدنى من معايير الأمان.
وتتراوح أعمار الضحايا بين 10 و17 عامًا، كانوا في طريقهم إلى العمل في إحدى المزارع، مقابل يومية لا تتخطى 100 جنيه، أي ما يعادل 2 دولار.
وقال أحد أهالي القرية لـ”القدس العربي” إن الظروف الاقتصادية الصعبة تجبر الأسر على الدفع بأطفالها، ما إن يكبروا، إلى سوق العمل، سواء بالتوجه إلى أي مدينة تتوافر فيها فرصة عمل، أو اللجوء إلى أحد الأقارب للعمل معه في متجر أو مخبز خارج القرية.
وأضاف: “حتى الأسر التي تحافظ على استمرار أولادها في التعليم، بمجرد بدء الإجازة الدراسية، يخرج الأطفال إلى العمل في المزارع مقابل أجر يومي 100 جنيه، لمساعدة الأسرة على مواجهة الأعباء المعيشية”.
حسب شهادات الأهالي، يعاني الطريق الذي وقعت عليه الفاجعة من تدهور واضح في مستوى الأمان، تتعدد مظاهره بين غياب الإنارة الكافية، ووجود منحنيات ومناطق خطرة دون إشارات أو تحذيراتوحسب شهادات الأهالي، يعاني الطريق الذي وقعت عليه الفاجعة من تدهور واضح في مستوى الأمان، تتعدد مظاهره بين غياب الإنارة الكافية، ووجود منحنيات ومناطق خطرة دون إشارات أو تحذيرات، فضلًا عن وجود مجرى مائي مكشوف غير مؤمن بحواجز خرسانية تمنع سقوط المركبات أو المارة.
كما أشار الأهالي إلى أن أجزاء من الطريق، ولا سيما نهايته، تعاني من الحفر وعدم الردم، عقب أعمال إصلاحات مرتبطة بتركيب الغاز الطبيعي.
وكتبت النائبة سناء السعيد على صفحتها على “فيسبوك”: “هذه الكارثة، ليست مجرد أرقام تُضاف إلى سجل الحوادث، بل هي جرس إنذار يدق بقوة، يستوجب مراجعة شاملة لكل إجراءات السلامة، ووسائل نقل المواطنين، وتأمين المجاري المائية، واتخاذ التدابير الكفيلة بمنع تكرار مثل هذه المآسي”.
وأضافت: “يبقى السؤال المؤلم: كم من الأرواح البريئة يجب أن نفقد حتى تتحول إجراءات الحماية من وعود إلى واقع؟ وكم من أسرة يجب أن تكتوي بنار الفقد حتى تصبح سلامة المواطنين أولوية لا تحتمل التأجيل؟ ”.
وشددت على أن “المسؤولية الوطنية والبرلمانية تفرض متابعة ملابسات الحادث، ومحاسبة أي تقصير إن ثبت وجوده، والعمل على سرعة تنفيذ جميع وسائل الحماية اللازمة، حتى لا يتكرر هذا المشهد الحزين مرة أخرى”.
وأعادت غرق أطفال أبو تيج إلى الأذهان واقعة مصرع 18 فتاة من قرية كفر السنابسة في محافظة المنوفية في دلتا مصر في شهر يونيو/ حزيران 2025، كن في طريقهن للعمل في إحدى مزارع العنب.
ووفقاً لتحليل منظمة اليونيسف لبيانات مسح صحة الأسرة المصرية لعام 2021 الصادر في يونيو/ حزيران 2024، فإن نحو 1.
3 مليون طفل في مصر، بين 5 و17 سنة، منخرطون في عمالة الأطفال، بينهم حوالي 900 ألف طفل يعملون في بيئات خطرة.
وتدعم مؤشرات دولية أحدث استمرار خطورة الظاهرة، إذ يشير تقرير وزارة العمل الأمريكية لعام 2024 إلى أن 3.
6% من الأطفال بين 5 و14 سنة يعملون، وأن 13.
1% من الأطفال بين 15 و17 سنة منخرطون في أعمال خطرة، مع ارتفاع النسبة في الريف مقارنة بالحضر.
اعتبرت دار الخدمات النقابية والعمالية أن فاجعة أبو تيج ليست حادثاً معزولاً، وإنما تأتي ضمن سلسلة متكررة من الحوادث التي تزهق فيها أرواح العمال على الطرقواعتبرت دار الخدمات النقابية والعمالية أن فاجعة أبو تيج ليست حادثاً معزولاً، وإنما تأتي ضمن سلسلة متكررة من الحوادث التي تزهق فيها أرواح العمال على الطرق، في ظل استمرار استخدام وسائل نقل غير آمنة، وغياب الرقابة الفعالة على شروط السلامة، وعدم اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية العاملات والعمال أثناء انتقالهم من وإلى أماكن العمل.
وأضافت أنها سبق وحذرت من خطورة التفريط في أمن وسلامة العمال، ومن استمرار إهدار دمائهم على الطرق بسبب النقل غير الآمن، مؤكدة أن هذه الحوادث ليست قدراً محتوماً، وإنما نتيجة مباشرة لغياب الرقابة، وضعف إنفاذ القانون، والتهاون في تطبيق معايير السلامة والصحة المهنية.
وتابعت: “تكشف هذه الكارثة، مرة أخرى، عن الوجه المأساوي لعمالة الأطفال، إذ كان غالبية الضحايا من الأطفال الذين دفعتهم الظروف الاقتصادية إلى العمل في سن مبكرة، في انتهاك واضح لحقوقهم الأساسية في الحماية والتعليم والحياة الكريمة، وفي مخالفة لما تقره القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية التي صدقت عليها مصر”.
وطالبت الدار بفتح تحقيق جاد وشفاف في ملابسات الحادث، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره أو مسؤوليته، واتخاذ إجراءات عاجلة لضمان توفير وسائل نقل آمنة للعاملين، وتشديد الرقابة على تشغيل الأطفال، وإنفاذ التشريعات الخاصة بحمايتهم، بما يمنع تكرار مثل هذه المآسي.
وحذرت من أن استمرار التقصير في الرقابة، والتغاضي عن انتهاكات السلامة، والتهاون مع تشغيل الأطفال، لن يؤدي إلا إلى تكرار هذه الحوادث وسقوط المزيد من الضحايا.
كذلك أكدت “المفوضية المصرية للحقوق والحريات” أن عمالة الأطفال تمثل إخلالًا بالتزامات الدولة بموجب المادة 80 من الدستور المصري، التي تلزم الدولة بحماية الطفل من جميع أشكال العنف والإساءة وسوء المعاملة والاستغلال، وكذلك بموجب التشريعات الوطنية المنظمة لعمل الأطفال، التي تحظر تشغيل الأطفال قبل بلوغ السن القانونية وتمنع تشغيلهم في الأعمال الخطرة أو المضرة بصحتهم أو تعليمهم أو نموهم.
كما يتعارض ذلك مع المادة 32 من اتفاقية حقوق الطفل، التي تكفل حماية الطفل من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء أي عمل يرجح أن يكون خطرًا أو معيقًا لتعليمه أو ضارًا بصحته أو نموه.
وشددت على أن الفاجعة تكشف عن شبهة تقصير جسيم من جانب الجهات التنفيذية والمحلية المختصة، بما يستوجب تحقيقًا جادًا لا يقتصر على مسؤولية قائد المركبة، بل يمتد إلى فحص مسؤولية الجهات المعنية بالطرق والري والنقل والحماية الاجتماعية.
كما تسلط الواقعة الضوء، مرة أخرى، على أوجه اللامساواة التنموية والعدالة المكانية الغائبة في قرى الصعيد، حيث يتقاطع الفقر مع غياب النقل العام الآمن، وتردي الطرق، وضعف الحماية الاجتماعية، لينتهي الأمر بأطفال يدفعون حياتهم ثمنًا لهذا الإهمال المتراكم.
وتشدد المفوضية على أن الطرق والترع والمصارف داخل الكتل السكنية أو على طرق الحركة اليومية لا يجوز أن تبقى بهذا القدر من الخطورة، خصوصًا حين تخدم قرى يعتمد سكانها على وسائل نقل بدائية ومزدحمة.
كما تعرب المفوضية عن قلقها من لجوء الجهات المحلية، بحسب روايات الأهالي، إلى إجراءات شكلية أو مؤقتة بعد وقوع الكارثة، مثل بناء حاجز ضعيف من الطوب الجيري، بدلًا من معالجة الخطر من جذوره عبر إقامة حواجز خرسانية مطابقة للمواصفات، ومراجعة هندسية للطريق، وتوفير إنارة وإشارات تحذيرية وصيانة عاجلة.
طالبت المفوضية بفتح تحقيق عاجل وشفاف من قبل النيابة العامة في الواقعة، على أن يتجاوز نطاق التحقيق مسؤولية قائد المركبة إلى فحص مسؤولية الجهات المحلية والتنفيذية المختصة بالطرق والري والنقل والسلامة العامةوأكدت المفوضية أن اعتماد الأطفال والأهالي على التروسيكل كوسيلة انتقال جماعية ليس اختيارًا حرًا، بل نتيجة مباشرة لغياب خطوط نقل عامة آمنة ومنتظمة ومناسبة للقرى.
فحين تغيب المواصلات، ويتدهور الطريق، وتترك الترع دون حواجز، يصبح الفقر نفسه عامل خطر مباشرًا على الحياة.
وطالبت المفوضية بفتح تحقيق عاجل وشفاف من قبل النيابة العامة في الواقعة، على أن يتجاوز نطاق التحقيق مسؤولية قائد المركبة إلى فحص مسؤولية الجهات المحلية والتنفيذية المختصة بالطرق والري والنقل والسلامة العامة، وتفعيل لجان حماية الطفل في المحافظة لرصد حالات عمالة الأطفال في القرى المتضررة، وتقديم دعم اجتماعي مباشر للأسر الأكثر فقرًا، وضمان عودة الأطفال المهددين بالتسرب إلى التعليم.
وتحظر مصر عمالة الأطفال أقل من 15 سنة، وأصدر حسن رداد، وزير العمل، في مارس/ آذار الماضي، قراراً يضع ضوابط صارمة وقواعد جديدة لتنظيم تشغيل وتدريب الأطفال، بما يتوافق مع الدستور المصري وقانون العمل والمعايير الدولية.
ونص القرار على حظر تشغيل الأطفال قبل إتمام مرحلة التعليم الأساسي أو قبل بلوغ سن 15 عاماً، فيما سمح بالبدء في “التدريب المهني”، اعتباراً من سن 14 عاماً، بشرط وجود ضوابط تكفل حماية الطفل وضمان عدم الإضرار بصحته البدنية أو مساره التعليمي.
كما حدد وزير العمل قواعد لساعات العمل للأطفال فوق 15 عاماً، وهي ألا تتجاوز 6 ساعات يومياً وحظر التشغيل في الساعات الإضافية أو خلال أيام الراحة الأسبوعية والعطلات الرسمية، ومنع التشغيل الليلي نهائياً في الفترة من السابعة مساءً وحتى السابعة صباحاً.
وتضمن القرار قوائم تفصيلية بالمهن الخطرة التي يُمنع تواجد الأطفال فيها نهائياً حفاظاً على سلامتهم الجسدية والنفسية، ومنها العمل في المناجم والمحاجر وصناعة الأسفلت والمنسوجات والتعامل مع المواد الكيمياوية والنفايات الخطرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك