لم تكد عشرات العائلات في قرية عابدين بمنطقة حوض اليرموك في ريف درعا الغربي تعود إلى منازلها بعد أيام من التصعيد الإسرائيلي داخل القرية، حتى عاد القصف المدفعي مجدداً ليعيد إليها مشاهد الخوف والترقب، وسط تصاعد المخاوف من أن تتحول المنطقة الحدودية إلى ساحة مفتوحة لعمليات عسكرية متكررة تهدد حياة المدنيين وتدفعهم إلى النزوح مرة أخرى.
وسقطت، اليوم الخميس، قذيفتان أطلقتا من مواقع قوات الاحتلال الإسرائيلي في محيط تل المغر غربي قرية عابدين، وفق ما أفادت به مصادر محلية لموقع تلفزيون سوريا، مؤكدة أن القذيفتين سقطتا في المنطقة الغربية من القرية دون تسجيل خسائر بشرية أو أضرار مادية.
وجاء ذلك بعد ساعات من قصف مدفعي إسرائيلي استهدف مناطق متفرقة في ريفي درعا والقنيطرة، بالتزامن مع تحليق مكثف لطائرات الاستطلاع في أجواء المنطقة.
وبحسب وكالة" سانا"، طال القصف وادي الرقاد في منطقة حوض اليرموك، وأراضي زراعية في محيط قرية عابدين، إضافة إلى مناطق بين بلدتي بريقة وكودنا في ريف القنيطرة الجنوبي، والسهول الزراعية المحيطة بقرية جملة في ريف درعا الغربي.
ويأتي هذا التصعيد بعد أيام فقط من توغل قوات الاحتلال داخل قرية عابدين، حيث أقامت نقاط تمركز وحواجز عسكرية قرب سرية جملة، في خطوة أثارت توتراً واسعاً بين السكان.
وخلال التوغل خرج عشرات الأهالي، بينهم أطفال، لمواجهة الدوريات الإسرائيلية، ورشقوا الآليات العسكرية بالحجارة وأغلقوا بعض الطرق الزراعية، فيما ردت القوات الإسرائيلية بإطلاق النار في الهواء لتفريقهم.
وأدى ذلك إلى نزوح مؤقت لعشرات العائلات، قدرتها مصادر محلية بما بين 100 و200 عائلة، قبل أن تعود تدريجياً بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من داخل القرية، إلا أن القصف المتجدد، الخميس، أعاد المخاوف إلى الواجهة.
يقول أحد وجهاء منطقة حوض اليرموك، فضل عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، إن الأهالي عادوا إلى منازلهم على أمل أن يكون التوغل الأخير حدثاً عابراً، لكن استمرار القصف أوصل رسالة مختلفة.
ويضيف خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن معظم سكان القرى الحدودية باتوا يعتقدون أن إسرائيل تحاول إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم، الأمر الذي يجعل الاستقرار مستحيلاً، ويهدد بدفع مزيد من العائلات إلى مغادرة منازلها إذا استمرت العمليات العسكرية.
ويؤكد أن السكان لا يريدون ترك قراهم، لكنهم يخشون أن تتحول التوغلات والقصف إلى سياسة ثابتة تمهد لفرض واقع جديد في المنطقة الحدودية.
ويقول أحد أبناء قرية عابدين إن الأطفال ما زالوا يعيشون حالة خوف منذ دخول القوات الإسرائيلية إلى القرية، مضيفاً: " كل صوت طائرة أو انفجار يعيد إلينا مشهد التوغل، الناس عادت لأنها لا تملك مكاناً آخر، لكنها لا تشعر بالأمان.
"ويضيف أن كثيراً من المزارعين باتوا يترددون في الوصول إلى أراضيهم القريبة من الشريط الحدودي خشية التعرض لإطلاق النار أو القصف، الأمر الذي يهدد مصدر رزق مئات الأسر.
ويرى عدد من أهالي قرية عابدين تواصل معهم موقع تلفزيون سوريا، أن ما جرى في عابدين قد يتكرر في قرى أخرى إذا استمر التصعيد، مؤكدين أنهم يرفضون أي محاولات لفرض وجود عسكري داخل قراهم.
وأكد الأهالي أن خروج عدد من الشبان والأطفال ورشق الآليات الإسرائيلية بالحجارة كان" رد فعل طبيعي على دخول قوة أجنبية إلى القرية"، مضيفاً أن" أي توغل جديد سيواجه برفض شعبي، لأن الناس تعتبر أن الدفاع عن أرضها حق مشروع.
"من جانبه، يرى صحفي وناشط من درعا طلب عدم الكشف عن اسمه أن استمرار التوغلات والقصف الإسرائيلي غيّر بشكل واضح طبيعة الحياة في القرى الحدودية.
ويقول إن السكان باتوا يعيشون حالة ترقب يومية، حيث أصبحت أصوات الطائرات والاستطلاع جزءاً من المشهد المعتاد، بينما تتوقف الحركة الزراعية مع كل عملية عسكرية جديدة، خشية من التعرض لإطلاق النار من قبل قوات الاحتلالويرى خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن استمرار هذا النمط من العمليات يرفع احتمالات حدوث موجات نزوح جديدة، خصوصاً إذا توسعت التوغلات داخل القرى كما حدث في عابدين.
ويشير إلى أن كثيراً من العائلات لم تعد تثق بأن الوضع الأمني سيتحسن قريباً، ولذلك باتت تضع خططاً بديلة للنزوح إلى مناطق أكثر أمناً إذا تكررت العمليات العسكرية.
وحول الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها عابدين، يقول إن ما جرى يعكس حالة رفض واسعة داخل المجتمع المحلي، لكنه يلفت إلى أن استمرار التوغلات قد يؤدي إلى احتكاكات أكبر، وربما مواجهات محلية أوسع، إذا شعر السكان بأن وجود القوات الإسرائيلية أصبح دائماً.
ويؤكد أن نمط الانتهاكات تغيّر بصورة واضحة مقارنة بالعام الماضي، موضحاً أن الأمر لم يعد يقتصر على توغل بري محدود، بل بات يشمل توغلات برية أوسع في عمق الجنوب السوري، وإقامة نقاط تمركز، وتسيير دوريات داخل القرى، وهو ما يمثل، بحسب وصفه، " مرحلة جديدة من التصعيد".
ويعتقد أن السيناريو الأكثر ترجيحاً خلال الأشهر المقبلة هو استمرار سياسة الضغط العسكري بهدف تكريس واقع أمني جديد في الجنوب، مع احتمال توسع التوغلات إلى قرى أخرى قريبة من الشريط الحدودي إذا لم تواجه بضغوط دولية.
ويحذر من أن أكبر المخاطر الإنسانية تتمثل في تراجع النشاط الزراعي، واستمرار النزوح الداخلي، فضلاً عن التأثيرات النفسية الكبيرة التي يعيشها الأطفال والسكان نتيجة القصف المتكرر.
إسرائيل تفرض وقائع ميدانيةوفي حديثه لتفزيون سوريا، يرى مدير مركز النهضة للدراسات، عبد الحميد توفيق، أن إسرائيل تستثمر حالة الضعف التي تمر بها الدولة السورية، إلى جانب غياب موقف أمريكي حازم تجاه عملياتها العسكرية.
ويقول إن الولايات المتحدة تتحدث عن تقريب وجهات النظر بين دمشق وتل أبيب، لكنها لم تعلن موقفاً واضحاً من التوغلات المتكررة داخل الأراضي السورية، الأمر الذي يمنح إسرائيل هامشاً أوسع للتحرك.
ويضيف أن إسرائيل تسعى إلى فرض أجندة سياسية عبر أدوات عسكرية، موضحاً أنها ترفض العودة إلى اتفاق فصل القوات لعام 1974 بالشكل الذي تطالب به دمشق، وتعمل بدلاً من ذلك على تثبيت وقائع جديدة على الأرض.
ويشير إلى أن السيطرة على مواقع استراتيجية في الجنوب السوري تمنح تل أبيب أوراق قوة إضافية في أي مفاوضات مستقبلية، لافتاً إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو أعلنت أكثر من مرة أنها لا تنوي الانسحاب من المناطق التي دخلتها حتى في حال التوصل إلى تفاهمات مع الجانب السوري.
وبحسب توفيق، فإن إسرائيل تريد تثبيت نقاط ارتكاز داخل الجنوب السوري تمهيداً لفرض شروطها السياسية والأمنية لاحقاً، مستفيدة من غياب الردع الدولي وعدم قدرة الحكومة السورية، في المرحلة الحالية، على مواجهة هذه التحركات عسكرياً.
من جهته، يعتقد الباحث السياسي وائل علوان أن خيار" المقاومة الشعبية" الذي يطرحه بعض سكان الجنوب السوري رداً على التوغلات الإسرائيلية قد يشكل تحدياً للحكومة السورية أكثر من كونه ورقة قوة بيدها.
ويقول في حديثه لتلفزيون سوريا إن دمشق الحالية تختلف في مقاربتها عن النظام المخلوع، إذ تسعى إلى تثبيت سلطة الدولة وإعادة الاستقرار، وليس إلى إدارة صراع مفتوح مع إسرائيل عبر مجموعات محلية.
ويضيف أن الحكومة تواجه معضلة حقيقية، تتمثل في عدم قدرتها على فرض سيطرة كاملة على الجنوب، في وقت تواصل فيه إسرائيل استهداف أي وجود عسكري أو مخازن سلاح في المنطقة.
ويرى علوان أن استمرار هذا الواقع قد يخلق بيئة تسمح بظهور مجموعات محلية أو خلايا مسلحة تتحرك بصورة منفصلة عن الدولة، سواء بدافع مقاومة الاحتلال أو بدوافع أخرى، وهو ما قد يعقد أي تفاهمات إقليمية مستقبلية.
كما يشير إلى أن التدخلات الإسرائيلية المتكررة لا تستهدف الجانب العسكري فقط، بل تحمل رسالة سياسية تهدف إلى إعادة رسم خريطة النفوذ في الجنوب السوري، ومنع تشكل أي تحالفات إقليمية قد تعزز موقع دمشق.
ويخلص إلى أن الجنوب السوري يقف اليوم أمام مرحلة دقيقة، إذ تحاول إسرائيل فرض معادلات ميدانية جديدة، بينما تجد الحكومة السورية نفسها أمام تحدي استعادة السيطرة وبسط الاستقرار، في وقت يعيش فيه المدنيون بين القصف المتكرر والخشية من نزوح جديد قد يعيد إنتاج واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في المنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك