أكد السفير محمد العرابي، عضو مجلس الشيوخ، وزير خارجية مصر الأسبق، ورئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية، أن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم لم يعد ما إذا كان النظام الدولي بحاجة إلى إصلاح، فقد باتت الإجابة على هذا السؤال واضحة بشكل متزايد، والسؤال الحقيقي هو ما إذا كان لدى المجتمع الدولي الشجاعة السياسية لإصلاح نظام لم يعد يعكس، بإنصاف وتوازن، واقع العالم الذي نعيش فيه.
وأوضح السفير محمد العرابي، خلال كلمته اليوم أمام منتدى السلام العالمي الرابع عشر، والذي يعقد في جامعة تسينغخوا في بكين، يالصين، أن العالم تغير بوتيرة أسرع من مؤسساته، وتغيرت موازين القوى الاقتصادية، وتعاظم دور آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وأصبحت دول الجنوب العالمي أكثر أهمية في النمو العالمي، والطاقة، والتجارة، وسلاسل التوريد، والتركيبة السكانية، والأسواق، والثقافة، والأمن الإقليمي، ومع ذلك، لا تزال قواعد وآليات صنع القرار الدولي، في كثير من النواحي، أقرب إلى خرائط القرن العشرين منها إلى واقع القرن الحادي والعشرين.
ولفت إلى أنه هنا تكمن أزمة الحوكمة العالمية؛ إنها ليست مجرد مسألة تمثيل ناقص، بل مسألة شرعية، ولا يتعلق الأمر فقط بقصور الآليات، بل بتآكل الثقة، وعندما تشعر أغلبية دول العالم بأن أصواتها مسموعة عند تقاسم الأعباء، ولكنها مهمشة عند اتخاذ القرارات، فإن المشكلة لم تعد إجرائية، بل أصبحت سياسية وأخلاقية، مؤكدًا أنه لا ينبغي تصوير الجنوب العالمي ككتلة صامتة تنتظر من يتحدث نيابة عنها، ولا ينبغي اختزاله إلى صورة ضحية أو متلقٍ أو فاعل سلبي في حاجة، واليوم، يضم الجنوب العالمي دولاً ذات تاريخ عريق، وموارد هائلة، ومجتمعات فتية، وأسواق متنامية، وتجارب سياسية وتنموية متنوعة، وقدرة متنامية على توجيه مسار النظام الدولي، موضحًا أنه ليس هامش العالم بل أنها تشكل جزءًا أساسيًا من مركز ثقلها.
وتابع: " لذا، عندما يدعو الجنوب العالمي إلى إصلاح الحوكمة العالمية، فإنه لا يدعو إلى تفكيك النظام الدولي، بل إلى تجديده قبل أن يفقد المزيد من فعاليته وشرعيته، إنه لا يسعى إلى استبدال شكل من أشكال الهيمنة بآخر، بل يدعو إلى نظام أوسع وأكثر عدلاً واستجابة؛ نظام قادر على الاستماع إلى تجارب متعددة، لا إلى صوت واحد أو وجهة نظر واحدة، مشيرًا إلى أن الجنوب العالمي لا يطالب بامتيازات خاصة، بل يطالب بمبدأ بسيط مفاده أنه يجب أن يكون من يتحملون تبعات القرارات شركاء حقيقيين في صياغتها، ويجب أن تكون القواعد الدولية عالمية، لا انتقائية، ويجب التعامل مع التنمية كحق، لا كمكافأة، ويجب أن يظل احترام السيادة مبدأً ثابتًا، لا أداة تُطبق وفقًا للظروف، ويجب فهم العدالة كجزء من الاستقرار، لا كترف يُؤجل إلى ما بعد انقضاء الأزمات.
وأكد أن الأزمات المتتالية كشفت عن حدود الحوكمة العالمية بصورتها الحالية؛ وفيما يتعلق بالمناخ، تتحمل العديد من دول الجنوب تبعات أزمة لم تساهم فيها إلا بأقل قدر؛ أما فيما يخص الديون وتمويل التنمية، فيُطلب من العديد من الدول النامية إجراء تحولات جذرية دون أدوات كافية أو تمويل عادل، وفي أزمات الغذاء والطاقة، غالبًا ما يدفع مواطنو الدول الأكثر هشاشة الثمن الأكبر للتوترات الجيوسياسية التي لا يملكون فيها إلا تأثيرًا ضئيلاً، وفي النزاعات المسلحة، يبقى سؤال واحد يلح: هل تُطبق قواعد القانون الدولي بنفس القدر من الاتساق في جميع الحالات؟
ولفت إلى أن أخطر تحدٍ يواجه النظام الدولي لا يقتصر على اندلاع الأزمات فحسب، بل يتعداه إلى تزايد الإدراك لدى قطاعات واسعة من العالم بأن إدارة هذه الأزمات تتشكل، في بعض الأحيان بمعايير مزدوجة؛ فعندما تتسع الفجوة بين النصوص والممارسة، وبين المبادئ المعلنة وتطبيقها، تبدأ الثقة في النظام نفسه بالتراجع، ولهذا السبب، لا ينبغي النظر إلى إصلاح الحوكمة العالمية على أنه مطلب سياسي يتبناه الجنوب العالمي وحده، بل هو مصلحة مشتركة؛ فالنظام الأكثر عدلاً سيكون نظامًا أكثر استقرارًا، والنظام الأكثر تمثيلاً سيكون أكثر قدرة على تنفيذ القرارات، ونظام يمنح الدول النامية صوتًا حقيقيًا سيكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات التي لا تستطيع أي قوة، مهما بلغت قوتها، معالجتها بمفردها.
وشدد على أنه يجب أن يتجاوز إصلاح الحوكمة العالمية مجرد الوعود العامة، فالعالم لا يحتاج إلى إقرار متكرر بأهمية الجنوب العالمي، بل يحتاج إلى ترجمة هذا الإقرار إلى بنية مؤسسية أكثر عدلاً، وعندما نتحدث عن إصلاح مجلس الأمن، فإننا لا نتحدث فقط عن مقاعد إضافية أو إجراءات تصويت، بل نتحدث عن مصداقية نظام الأمن الجماعي نفسه؛ فمؤسسة مُكلّفة بصون السلم والأمن الدوليين لا يمكن أن تبقى بعيدةً عن التمثيل العادل للقارات والمناطق التي تتحمل تكاليف النزاعات وتداعياتها المباشرة، وفي مقدمتها أفريقيا والعالم العربي.
ونوه بأنه عندما نتحدث عن إصلاح المؤسسات المالية الدولية، فإننا لا نتحدث فقط عن القروض والتمويل، بل نتحدث عن قدرة الدول النامية على اتباع مسارات التنمية المستدامة، ولا يُمكن توقع أن تُحقق الدول تحولاً أخضر، أو تُوسع نطاق الحماية الاجتماعية، أو تُشيّد البنية التحتية، أو تتصدى لأزمات الغذاء والطاقة، وهي مُثقلة بأعباء ديون ثقيلة ونظام تمويل لا يستجيب بالسرعة والنطاق والعدالة المطلوبة، موضحًا أنه عندما نتحدث عن التكنولوجيا والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، فإننا لا نتحدث عن مجرد أدوات تقنية، بل عن شكل جديد من أشكال القوة، ما لم تُصمم القواعد التي تُنظم التكنولوجيا بطريقة أكثر شمولاً، فإن العالم يُخاطر بالانتقال من فجوة تنموية تقليدية إلى فجوة رقمية أعمق وأكثر خطورة.
وأشار إلى أنه من هذا المنظور، لم تعد العدالة مفهومًا أخلاقيًا مجردًا، بل أصبحت شرطًا أساسيًا للاستقرار، ولا يُمكن بناء أمن عالمي مستدام على شعور متزايد بالظلم، ولا يُمكن توقع امتثال الدول لقواعد لم يكن لها فيها دور يُذكر، ولا يُمكن لنظام دولي قوي أن يصمد إذا شعر جزء كبير من العالم بأنه مجرد هدف للسياسات، وليس شريكًا في صياغتها، موضحًا أن الجنوب العالمي لا يسعى إلى إضعاف الحوكمة العالمية، بل يسعى إلى توسيع نطاقها، ولا يسعى إلى إنهاء التعددية، وتسعى هذه الجهود إلى جعل النظام الدولي أكثر أصالة، لا إلى الانسحاب منه، بل إلى إصلاحه ليعكس واقع الحاضر لا ذاكرة الماضي.
ولفت إلى أنه من وجهة نظر مصر، تكتسب هذه المناقشة أهمية خاصة؛ فمصر تنتمي إلى الجنوب العالمي، وفي الوقت نفسه تتحرك ضمن دوائر متعددة ومتداخلة عربية، وأفريقية، ومتوسطية، وإسلامية، ودولية، وبحكم تاريخها وجغرافيتها، تدرك مصر أن الاستقرار العالمي لا يتحقق باستبعاد أصوات الجنوب، بل بإدماجها بفعالية في عملية صنع القرار، مشيرًا إلى أنه لطالما دافعت مصر، عبر تاريخها الحديث، عن مبادئ السيادة، وعدم التدخل، وحق الشعوب في التنمية، وتعزيز دور الدول النامية في النظام الدولي، واليوم، لا تزال هذه المبادئ أساسية، لا مجرد شعارات سياسية، بل ركائز لعالم أكثر توازنًا.
واختتم مشددًا على أنه في الأزمات الراهنة، من الواضح أن صوت الجنوب ليس مهمشًا؛ ففي غزة، أصبحت مسألة القانون الدولي وحماية المدنيين اختبارًا لمصداقية النظام الدولي، وفي السودان، يثير الحفاظ على الدولة الوطنية ومؤسساتها تساؤلاً جوهريًا حول مسؤولية المجتمع الدولي في منع انهيار الدولة؛ أما فيما يتعلق بالمناخ والديون والغذاء والطاقة، فهناك حاجة ملحة إلى نهج لا يفصل بين الأمن والتنمية، أو بين الاستقرار والعدالة، مؤكدًا أن الدول التي تعيش التداعيات المباشرة للأزمات تمتلك معارف لا يمكن تجاهلها؛ فهي لا تقدم مطالب فحسب، بل تقدم أيضًا خبرات سياسية وإنسانية وتنموية يجب أن تُؤخذ في الحسبان عند صياغة الحلول.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك