الجزيرة نت - هل يظهر مجتبى خامنئي في جنازة والده؟ الجزيرة نت - الأبيِّض على خطى الفاشر.. هل يستفيق العالم قبل وقوع الكارثة؟ CNN بالعربية - بكلمتين.. تركي آل الشيخ يعلق على تأهل مصر إلى دور الـ16 في كأس العالم قناة الجزيرة مباشر - نقاش الساعة | هل تمثل بداية تشييع المرشد بداية لتشييع مرحلة في إيران؟ التلفزيون العربي - مصر تعبر أستراليا بركلات الترجيح وتبلغ ثمن نهائي كأس العالم 2026 التلفزيون العربي - تقنية "سنيكو" تحرم كرواتيا من التعادل أمام البرتغال CNN بالعربية - منتخب مصر يتلقى رسالة من السيسي بعد التأهل إلى ثمن نهائي المونديال العربية نت - صلاح يخطف الأضواء بعد تأهل مصر.. "بانينكا" قناة الجزيرة مباشر - هل يمر اتفاق طهران ومسقط بشأن تنظيم حركة الملاحة في هرمز خليجياً أو إقليمياً أو دولياً؟ Independent عربية - عقار تجريبي يبشر بعلاج مرضى متلازمة تنفسية مهددة للحياة
عامة

رسالة عتب بيروتية إلى دمشق

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 يوم

قالت لي أمي يومًا: بين بيروت ودمشق مسافة أقصر من الطريق، وأطول من الحرب؛ مسافة كان يكفي لعبورها أن نحمل معنا بعض الشوق، قبل أن تثقلها الحدود والدماء والذاكرة. كنت أظن أن الياسمين يعرف طريقه إلى البحر،...

قالت لي أمي يومًا: بين بيروت ودمشق مسافة أقصر من الطريق، وأطول من الحرب؛ مسافة كان يكفي لعبورها أن نحمل معنا بعض الشوق، قبل أن تثقلها الحدود والدماء والذاكرة.

كنت أظن أن الياسمين يعرف طريقه إلى البحر، وأن البحر، مهما ارتفع موجه، لا ينسى رائحة دمشق.

لكنني أقف اليوم بين المدينتين وأسأل: كيف ضاع الطريق بين أختين كانتا تتقاسمان الجمال والجرح؟ هل سرقوا منك كل شيء يا دمشق: الشعر، والياسمين، والبحر، وبيروت؟ ما كان يليق بمدينة أرضعتني الياسمين أن تتركني فريسة لكل هذا الشك.

لقد شوهت الحرب صورة المدن في داخلنا، حتى إنني، من فرط الألم، خلت دمشق تطبق يدها على فمها لتخفي ضحكتها كلما سقطت قنبلة على بيروت، رغم معرفتي بأن المدن لا تضحك على جراح المدن، وأن الياسمين لا يشمت.

أهذا ما آل إليه حالنا يا دمشق؟ أن نقف على ضفتي الجرح، نتبادل القسوة بدل العزاء، والرماد بدل الياسمين؟ كنت أظن أننا، كعادتنا القديمة، كلما أمطرت علينا السماء قنابل، سنركض معًا نحو جدنا قاسيون ونختبئ في حضنه.

كنت أظن أن الجبل يعرف أبناءه جميعًا، وأنه حين تضيق بنا الأرض، يوسع لنا صدره؛ لبيروت كما لدمشق، ولي كما لكل من أضاعته الحرب بين المدينتين.

فكيف بت اليوم أقف وحدي تحت القصف، أبحث عن الطريق إلى قاسيون، ولا أعرف إن كان بابه ما زال مفتوحًا، أم أن الحرب سرقت منا حتى حق الاحتماء بعضنا ببعض؟في هذه الحرب افتقدنا دمشق، كما افتقدنا قرانا التي هجرنا منها.

كان الوجع أثقل من أن يقال.

فكيف نعود إليك الآن يا دمشق؟ وكيف نمحو الجراح التي كنا، نحن أو بعض من ينتسبون إلينا، سببًا فيها؟ وكيف نخيط جرحك، وكلانا ينزف من موضع لا يصل إليه الآخر؟قال نزار قباني: (إن كان من ذبحوا التاريخ هم نسبي على العصور، فإني أرفض النسبا).

وأنا أيضًا، إن كان من جرحوك من نسبي، أرفض هذا النسب.

أتبرأ من كل يد حملت إليك السكين، ومن كل صوت برر دمك، ومن كل قرابة تلزم القلب بالصمت أمام الجريمة.

لكنني، وأنا أقول ذلك، أستجدي الأبجدية كلها أن تمدني بكلمات تنقذ ما بقي بيننا؛ كلمات تشرح لك ما بي نحوك، وكيف يمكن للمرء أن يعاتب مدينة يحبها، وأن يغضب منها، ثم يخشى عليها في اللحظة نفسها.

كانت أمي تحلم أن نشتري، بعملة الأحلام، بيتًا دمشقيًا تتوسطه بحرة، وتتدلى على جدرانه عرائش الياسمين، فنستيقظ فيه على خرير الماء بدل دوي القنابل.

أما اليوم، فأقف على عتبة الحلم نفسه وأسألك يا دمشق: هل ما زال لنا عندك مكان، ولو في الخيال؟ أم أن الحرب أخرجتنا من بيوتنا، ثم لاحقتنا حتى إلى أحلام أمهاتنا؟ قولي لي إن البحرة ما زالت تنتظرنا، وإن باب البيت الدمشقي لم يغلق نهائيًا في وجوهنا.

قولي إن لنا فيك غرفة، أو شرفة، أو حتى زاوية صغيرة نضع فيها تعبنا وما تبقى من أحلامنا.

حين زرتك للمرة الأولى، زرعت في قدمي أجنحة.

مشيت في طرقاتك كأنني أستعيد أرضًا أعرفها منذ ما قبل الذاكرة، وعدت منك أخف من جسدي، وأكثر يقينًا بأن للإنسان أكثر من مدينة واحدة تسكنه.

فكيف جعلت عودتي إلى أرض الواقع بهذا القدر من الثقل والوجع؟ كيف أختار بينك وبين بيروت، وأنتما نصفا قلب واحد؟ كيف أختار بين مدينة منحتني اسمي، وأخرى أرضعتني الياسمين والحلم، وتركت في كل ما أفعله لمسة شامية لا أعرف كيف أتخلص منها، ولا أريد؟ أحملك معي أكثر مما أحمل بيروت أحيانًا.

أحدثهم عن سماء دمشق المختلفة عن السماء التي اعتدتها في بيروت؛ عن غيومها القريبة إلى حد أنني خلت، يومًا، أنني أستطيع لمس طرف الغيم بيدي.

لعل هذا هو السر الذي تمنحه دمشق لأبنائها: أن تجعلهم يشعرون بأن الغيم نفسه في متناول أيديهم، وأن بلوغ المستحيل لا يحتاج سوى أن يقفوا على أطراف أصابعهم، كراقصات الباليه، مستندين إلى شموخ قاسيون.

لكنني، في لحظة واحدة، سقطت إلى الأرض.

خلت أن دمشق تسحب مني نسب الحلم الذي منحته لي، وأنها تنكر فجأة تلك الطفلة التي صدقت أن الغيم قريب.

هويت من سمائها دفعة واحدة، لأن المدينة التي زرعت الأجنحة في قدمي كانت هي نفسها التي قصتها.

كيف أقول اليوم إنني ابنة بيروت، وأنا التي ضحكت حين قالوا لي: كل هذا الحب لدمشق، ولست شامية؟ فمن أكون إذًا؟ من أكون إن خسرت دمشق وبيروت في عام واحد؟ من أكون إذا لم تعد سماء الشام تعرفني، ولم يعد بحر بيروت قادرًا على إعادتي إلى نفسي؟ أنت وبيروت جردتماني من كل شيء: من السماء، والعطر، واللهجة.

تركتماني واقفة بينكما بلا اسم كامل، وبلا مدينة أستطيع أن أنسب قلبي إليها من دون أن أشعر بأنني أخون الأخرى.

لقد أفقدتماني هويتي، لأنني لم أعرف كيف أحب مدينة على حساب أخرى، ولم أفهم يومًا لماذا ينبغي للقلب أن يختار بين الياسمين والبحر.

ما الذي ستربحه دمشق إن خسرت بيروت؟ وبأي ماء ستغتسل بيروت إن جف بردى؟ عودي يا شام إلى بيروت، أختًا تعرف معنى أن تقصف مدينة وتبقى واقفة.

وافتحي ذراعيك لبيروت التي تحمل إليك ما بقي في البحر من ملح يكفي لتطهير الجراح.

عودا، فالمدن أبقى من حكامها، وأنقى من الخطابات التي تقال باسمها.

لكن مأساتنا أننا تركنا السياسة تستعير وجوه مدننا، حتى اختلط علينا الجلاد بالبيت، والسلطة بالأم، وصار كل واحد منا يخاف المدينة التي كان يفترض أن تحميه.

عودا، فقد تعبنا من الوقوف بينكما، ومن الدفاع عن حب إحداكما أمام الأخرى.

تعبنا من أن يطلب منا في كل حرب أن نختار أي جرح يستحق البكاء، وأي مدينة يحق لنا أن نحبها.

عودا، كي نستعيد نحن، أبناء المدينتين، أسماءنا الكاملة.

عودا، فما زال في القلب متسع لمدينتين، وما زال الجمال، حين يتصالح مع نفسه، قادرًا على هزيمة الخراب.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك