حين يشتد هجير الصيف في أقاصي الصعيد، لا تكسره سوى نغمة باردة تنبعث من أوتار ربابة عتيقة، هناك، حيث تتحول ليالي القرى إلى ساحات للسمر والتدبر، كان الجنوبيون يطوعون حرارة الطقس بحرارة الحكي، ويمزجون قسوة البيئة بقوة الحب المنبثقة من أبيات السيرة الهلالية.
لم تكن السيرة مجرد تسلية لقطع الوقت، بل كانت ميثاقاً أخلاقياً غير مكتوب؛ يستشهد به الرجال في مجالسهم لتأصيل قيم الكرم، والمروءة، وصون النساء، والجدعنة التي لا تلين.
في تلك الأجواء الساحرة، كان الأميون يتحولون إلى جهابذة في الحفظ والرواية، وكان والدي، رحمة الله عليه، واحداً من أولئك الحافظين الذين عشقوا التغريبة حتى تغلغلت في وجدانهم.
أذكر جراءته وشجوه وهو يشدو بالأبيات، فكان يطربني بجرسها الموسيقي، ثم يفيض عليّ بشرح ما استعصى على فهمي الصغير من مجازات وتلاعب لفظي بديع.
المفارقة التي كانت تدهشني دائماً، أنه كان أمياً لا يجيد القراءة أو الكتابة، لكنه كان مفتوناً بـ" ديوان العرب" الشفهي، يرويه بيقين العارف وحكمة الفيلسوف.
حكى لي ذات ليلة عن كواليس هذا العشق؛ كيف كان يسير على أقدامه كيلومترات طويلة وسط عتمة الدروب، قاطعاً المسافات والخطا ليجلس أمام الراوي، يلتهم الكلمات بعقله وقلبه قبل أن يعود محملًا بالكنوز.
أخبرني عن" الثلاثي المقدس" الذي لا تكتمل ليلة صعيدية بدونه: رنين الربابة الشجي، وكوب الشاي الصعيدي الثقيل المغلي على فحم هادئ، وأنفاس السامعين التي تحبس مع كل جولة قتال بين الأبطال.
من بين شفتيه، عرفت لأول مرة تفاصيل تلك الملحمة؛ تشرّبت قصة أبو زيد الهلالي" سلامة" البطل الأسطوري والقلب النابض للقبيلة، وعايشت جموح الأمير دياب بن غانم الفارس الجامح والرمح المسموم، وتأملت وقار السلطان حسن بن سرحان العقل المدبر والحكمة الهادئة.
ومن ورائهم، تجسد أمامي كبرياء الزناتي خليفة الخصم العنيد وحارس القرطاجيين، ورجاحة الجازية الهلالية أيقونة الجمال والسياسة.
لقد حولت تلك السيرة الصعيد من مجرد جغرافيا جافة إلى مسرح إنساني تتوارثه الأجيال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك