صدم العراقيون قبل أيام بمقاطع مصورة تظهر ضبط أكوام كبيرة من المبالغ المالية المقدرة بعشرات ملايين الدولارات خبئت في منازل مسؤولين وسياسيين عراقيين.
وقدّر مسؤول عراقي أن قيمة الأموال المنهوبة من البلاد منذ عام 2003 تتجاوز تريليوني دولار، قائلا إن السرقات" تفوق مستوى العقل والمنطق".
ووسط الاهتمام الذي أثارته حملة مكافحة الفساد برزت شكوك حول جدية الحملة وما إن كانت ستطال بالفعل كبار الفاسدين أم ستقتصر على بعض الشخصيات.
بدأت الفضائح المرتبطة بالفساد تتكشف قبل أكثر من شهر، وذلك عند توقيف وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي، في أيار/مايو، في محافظة صلاح الدين في شمال العراق ليعلن مجلس القضاء الأعلى لاحقا عن ضبط أكثر من 85 مليون دولار وعشرات العقارات وكيلوغرامات من الذهب، في إطار قضية الفساد المرتبطة به.
اقرأ أيضاقبيل زيارة الزيدي إلى واشنطن.
بغداد توقف 47 نائبا ومسؤولا بتهم فسادتدحرجت كرة الثلج، فنفذت قوات مكافحة الإرهاب إلى جانب قوات من الجيش حملة مداهمات واسعة، فجر الأحد، لمنازل سياسيين ونواب ومسؤولين حكوميين كبار، في المنقطة الخضراء المحصنة في بغداد.
وأفادت وكالة الأنباء العراقية، نقلا عن مصادر وصفتها بأنها رفيعة المستوى أنه جرى" اعتقال 47 متهما من نواب ومسؤولين بتهم فساد" بينهم 12 نائبا على الأقل، وضبط أكثر من 14 مليون دولار أخرى.
بينما قال المتحدث باسم الحكومة، حيدر العبودي، الإثنين، إن عملية" صولة الفجر شملت إلقاء القبض على 21 متهما، فيما يجري تعقّب آخرين".
وكشفت المصادر أن بعض الاعتقالات استندت إلى اعترافات الجميلي.
أكثر من تريليوني دولار من الأموال المنهوبةتفوق قيمة الأموال المنهوبة في العراق منذ عام 2003 تريليوني دولار، وفق ما صرح به الأربعاء منير حداد، المستشار القانوني لرئيس الحكومة العراقية.
وقال حداد إن أرقام السرقات وعقارات المتهمين" تفوق مستوى العقل والمنطق"، وفق وكالة الأنباء العراقية.
كما أشار إلى ازدياد مستمر في عدد المقبوض عليهم.
وبينما تتضارب المعلومات حول حجم المبالغ المضبوطة وتلك المسروقة من العراق، وكذلك عدد المسؤولين الموقوفين، يطرح السؤال عن حدود هذه العملية وتوقيتها المرتبط بتغيّرات إقليمية وتراجع نفوذ إيران في المنطقة.
اقرأ أيضاعائدات النفط العراقي أداة بأيدي واشنطن للضغط على بغدادوتوضع حملة مكافحة الفساد في إطار استعداد رئيس الوزراء علي الزيدي لزيارة واشنطن، منتصف تموز/يوليو، للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض.
وتعدّ هذه الزيارة الأولى للزيدي إلى الخارج منذ تسلّمه منصبه الشهر الماضي وتعهّده مكافحة الفساد.
ضغوط أمريكية وراء حملة مكافحة الفساديربط كل من الباحث في الشؤون السياسية والأمنية، بسام القزويني، وكذلك المراقب للشأن العراقي علي الربيعي، بين توقيت إطلاق حملة مكافحة الفساد في العراق والضغوط الأمريكية على الحكومة.
بالإضافة إلى ذلك، يرى الباحث أن هناك" مساع في الحكومة العراقية الجديدة لنيل ثقة الشعب العراقي مرة أخرى لأن الفساد في العراق وصل إلى ذروته وبات لا يحتمل".
ويشير القزويني إلى خبر نقلته صحيفة نيويورك تايمز، الخميس، عن اثنين من مساعدي رئيس الوزراء، ويفيد بأن الولايات المتحدة استأنفت بعض شحنات الدولار جوا إلى العراق، بعد تعليقها لأشهر.
ويقول إن" تدفق الدولار عاد إلى العراق بعد حملات الزيدي في مكافحة الفساد".
ويضيف" واشنطن بدأت تثق نسبيا بإجراءات الحكومة المرتبطة بمكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة".
وفي حين يشكك عراقيون في جدية السلطات في مكافحة الفساد، يرى الباحث في الحملة" إجراءات إيجابية تحدث لأول مرة على هذا المستوى" ويلفت إلى" الضغوط الإقليمية والدولية لأن تقييد الفساد في العراق سؤدي إلى إنهاء الجماعات المسلحة القافزة على الدولة".
ويرى أنه في" حال خضعت التوقيفات لتسويات سريعة وأفرج عن معتقلين بسرعة ستفقد الثقة بعملية مكافحة الفساد، لكن إذا استكمل الموضوع وهذا المحتمل سيؤدي لتوقيف شخصيات تعمل في السلطة التنفيذية".
ويلفت إلى أنه" لا يعقل أن تكون للنائب القدرة على التحكم في الجانب التنفيذي إن لم يكن يملك أدوات داخل السلطة التنفيذية".
من جهته، يرى الربيعي أن الحملة تطال ظاهريا مسؤولين لكنها" في الحقيقة لا تطال أحدا، إنما تطال أذرع وأدوات بسيطة لدى الأحزاب، وأشخاصا صار وجودهم مزعجا في الحياة السياسية وباتوا مرفوضين شعبيا ويتم تقديمهم أكباش فداء لتقديم الطبقة الحاكمة على أنها هي التي أصلحت نفسها بنفسها".
ويرجح الربيعي ألا تحصل" حملة حقيقية لمكافحة الفساد وإنما تسوية يقنّن بها الفساد″.
" مناورة من السلطات العراقية لتمرير الوقت"وعلى الرغم من اعتقاد الربيعي أن الضغوط هي التي دفعت لإطلاق الحملة، لكنه يشكك بفعاليتها ويعتقد بأنها مناورة من السلطات العراقية لتمرير الوقت.
ويقول إن" تغول الفساد على حساب الدولة يضر بالمصالح الأمريكية ومصالح المنطقة.
وبعد حسم ملف سوريا صار العراق الإشكالية الوحيدة التي تفتح منفذا لإيران.
وكانت تصعب السيطرة على المنافذ العراقية".
لكنه يرى بالمقابل أن" رئيس المجلس الأعلى للقضاء، وهو عراب الزيدي، يراهن على فكرة شراء الوقت".
ويضيف" لدى هؤلاء انطباع بأن حكومة ترامب هي حكومة ’بيزنيس‘ ويعتقد رئيس مجلس القضاء الأعلى أن بإمكانه إغراء الأمريكيين بصفقات.
بينما لا يملك الأمريكيون أدواة تنفيذية لمكافحة الفساد في العراق".
بالمقابل، لا ينفي القزويني سعي المتضررين من مكافحة الفساد إلى المناورة، لكنه يرى بأن الإجراءات أثارت فعلا" استياء" الفصائل الموالية لإيران.
ويقول الباحث إنه" بعد إصدار مذكرة إلقاء قبض بحق رئيس كتلة كتائب حزب الله في العراق والذي لاذ بالفرار، أطلقت طائرة مسيّرة باتجاه المنطقة الخضراء".
ويرى أنها" رسالة تحذير لحكومة الزيدي".
وعن التداعيات السياسية لحملات الاعتقال، يميّز القزويني بين الارتكابات على أساس ما إذا كانت" فردية أم جماعية".
ويقول" إذا كانت ترتبط فقط بالنائب المعتقل فسينال جزاءه القضائي والسياسي، بينما إذا كانت هذه الأموال تموّل كتلا سياسية، فسيسبب ذلك اهتزازا داخل المشهد السياسي، خصوصا إن كانت كتلة وازنة، إذ يُفعّل دور المحكمة الاتحادية لاتخاذ قرار بحق هذه الكتلة".
وفي حين يكثر في العراق الحديث عن أموال هدرت في عهد رئيس الحكومة السابق محمد شياع السوداني، يرجح الربيعي أن يكون السوداني أحد" الرؤوس الكبيرة التي يمكن أن تتم التضحية بها"، لكن فقط" في حال الاضطرار إلى تقديم قربان، باعتباره انقلب على الإطار التنسيقي ولا يملك ثقلا شعبيا".
ويتخوف الربيعي من إتمام تسوية مع المتهمين تسهل على السلطات الوصول لأموالهم وعقاراتهم التي لا تعرف مكانها، مقابل الإفراج عنهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك