شهران قبل الاقتراع التشريعي تفجر نقاش حاد بين الإسلاميين حول جدوى المشاركة السياسية في إحداث التغيير السياسي في المغرب.
رسالة بعث بها الأمين العام لجماعة العدل والإحسان محمد عبادي للعدالة والتنمية يحذرهم فيها من خوض الانتخابات لمرة أخرى، ويذكرهم فيها بصوابية اختيار العدل والإحسان، ويؤكد بأن جماعته كانت تتوقع منذ البداية محدودية قدرة العدالة والتنمية على تنفيذ الإصلاحات التي وعد بها عقب فوزه في انتخابات 2011 معتبرا أن المشاركة في البنية السياسية القائمة آنذاك لم تمكنه من معالجة ملفات الفساد والاستبداد أو إحداث أي تغيير حقيقي.
رد العدالة والتنمية جاء على لسان الأمين العام لحزب العدالة والتنمية لم يتأخر، فقد أعاد التأكيد أن التجربة المشاركة السياسية لحزبه لم تفشل، وأن حزبه كان على صواب وأن جماعة «العدل والإحسان» فشلت، لأنها لا تقدم أي مقترح سياسي، وهي غائبة وغير موجودة في الساحة السياسية ولا تخرج إلا في المناسبات تتحدث فيها ثم تعود للاختفاء.
حملة كبيرة اندلعت بين أنصار التنظيمين عقب هذه التصريحات، انطلقت من تقييم مختلف لجدوى المشاركة السياسية، وانتهت إلى ملاسنات تجاوزت أحيانا آداب الاختلاف حول خط الحركتين الإسلاميتين وإنجازاتهما في الساحة السياسية، لولا تدخل أصوات للحكمة تدعو كل جماعة إلى احترام خط الجماعة الأخرى، والتفكير في مناطق الاتفاق بدل توسيع محاور الخلاف.
في واقع الأمر، لا يقدم هذا النقاش أي جديد يذكر، فقد ظلت العلاقة بين التنظيمين لعقود محكومة بهذا النقاش: العدل والإحسان، ترى أن المشاركة في العملية السياسية بدون توفر الشروط التي تضمن إمكان حصول التغيير السياسي الحقيقي، مجرد عبث يعيد إنتاج الاستبداد، و»التوحيد والإصلاح»، مع «العدالة والتنمية»، يريان أن الانتظارية لا يمكن أن تعدل الشروط، وأن تعديلها يتطلب المشاركة السياسية ومنافسة القوى السياسية التي تدعم الجمود والتحكم.
جديد النقاش، لا يتعلق بالجانب النظري، وإنما بتقييم التجربة، أي تقييم «العدل والإحسان» لعشر سنوات من قيادة العدالة والتنمية للتجربة الحكومية، وتقييم العدالة والتنمية لواقع ومستقبل العدل والإحسان بعد وفاة مرشدها الشيخ عبد السلام ياسين.
«العدل والإحسان» أضافت إلى حجتها النظرية تقييمها لواقع ممارسة العدالة والتنمية السياسية من موقع رئاسة الحكومة، وبشكل خاص هزيمتها الانتخابية سنة 2021، فالحزب -بنظرها- بعد عشر سنوات من قيادة الحكومة، لم ينجح في محاربة الفساد والاستبداد، وأخرج من واقع السياسة بشكل مهين ضمن المرتبة الثامنة، و»العدالة والتنمية» أضاف إلى حجته النظرية واقع الانتظارية والغياب الذي أصبح يسم علاقة العدل والإحسان بالسياسة، فلا هي قامت بالقومة التي بشر بها مرشدها العام عام 2006، ولا هي نجحت في تكوين جبهة لإسقاط النظام (جبهة جميعا من أجل الخلاص) ولا هي نجحت في الوصول إلى ميثاق يجمع كل الفضلاء الديمقراطيين، ولا هي استثمرت لحظة 20 فبراير التي انسحبت منها بعد فشل خطوات التنسيق بين مكوناتها، ولا هي جعلت من الأزمات الاجتماعية فرصتها لتنزيل رهانها السياسي بتغيير النظام السياسي.
يبدو هذا النقاش مفيدا حتى لو أن بعض مظاهره تعطي إشارات على وقوع انزياح فكري وسياسي وأخلاقي ينسف بعض القواعد التي حاول التنظيمان بناءها في تأطير العلاقة بين الطرفين لأكثر لعقدين من الزمن، لكنه في المقابل، يكشف أن الطرفين يعيشان أزمة نسق عميقة، ويريد كل طرف أن يخفيها بانتقاد الآخر.
«العدل والإحسان» تعيش أزمة رهان سياسي منذ أكثر من ثلاثة عقود، فقد أثبتت تجربتها أن أفقها السياسي تبخر تماما، فقد وقعت في حرج شديد بعد رؤيا 2006 التي بشر فيها المرشد العام بالقومة في المغرب، وطرح سؤالا عميقا حول النسق العرفاني للجماعة، والذي جسدته العلاقة بين السياسة والرؤى الصوفية، فاضطرت إلى البحث عن أجوبة من المصادر الصوفية نفسها (ابن عطاء الإسكندري) للخروج من المأزق، ثم جاءت لحظة حراك 20 فبراير، فدخلت الجماعة بكل قوتها في فعالياتها بتنسيق مع قوى اليسار، ثم اضطرت للانسحاب بعد عدم قدرتها على تحمل كلفة هذه المشاركة، وظهور مؤشرات على فشل رهان إسقاط النظام، ثم جاءت لحظة وفاة المرشد لينطلق نقاش داخلي، حول مركزية الصحبة في فكر الجماعة، وهل الحياة شرط في الشيخ المصحوب أم لا، وهل خط الجماعة يلزم بالبحث عن شيخ آخر غير المرشد الراحل عبد السلام ياسين، أم أن الجماعة تفضل القفز على هذا الإشكال المركزي في مسارها.
حملة كبيرة اندلعت بين أنصار التنظيمين عقب هذه التصريحات، انطلقت من تقييم مختلف لجدوى المشاركة السياسية، وانتهت إلى ملاسنات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك