تمثّل رواية" سيف الصوان" (خريّف للنشر، تونس، 2026) لنصر بالحاج بالطيب، المتوّجة بالكومار الذهبي للعام الجاري محاولة جادة في الكتابة السّردية التي تتخذ من الصحراء إطاراً مكانيّاً ومحرّكاً لأحداثها، وهي الجزء الأخير من ثلاثية الصحراء المتكوّنة من" بير عْوين" الصادرة عن الدار نفسها، و" تنبايين" (نقوش عربية، تونس، 2022) والعناوين الثلاثة هي أسماء لأمكنة في قلب الصحراء.
تحكي الرواية سيرة متخيّلة لواحد من أعوان الاستعمار الفرنسي في أربعينيات القرن العشرين يدعى بوبكر الرّوبي، راعي ماشية معروف بمكره وتحيُّله على كلّ من تعامل معه من عرب وطوارق في الصحراء الجنوبية للإيالة التونسية وتخومها مع الجزائر وليبيا.
اغتنم تجنيد الفرنسيّين الأهالي في فِرق عسكرية تُعرف بالـ" القُومية" و" المخازنيّة" ليبدأ مسيرة من التسلّق والتفاني في خدمة المستعمر والسعي إلى إبهاره بشتّى الطُّرق، حتى تمّت ترقيته إلى رتبة" سرجان شاف" لما أظهره من تضحية بالنفس، وبطش لا يعرف الرحمة في تصدّيه لانتفاضات الأهالي وكمائنهم للقوات الفرنسية.
بعد استيفاء الكاتب رسم بورتريه شخصية السرجان شاف بوبكر الرّوبي، وماضيه الدّموي وتنكيله بالأهالي الذين كان يحتقرهم" أمّة العصا"، يقفز بنا عقوداً إلى الأمام، ليظهر البطل في كهولته، مثقلاً بتأنيب الضّمير، حيث تفتك به كوابيس أبطالها من الفلاقة (الثوار التونسيين) الذين عذّبهم أو سلّمهم للمستعمر أو قتلهم بدم بارد.
ورغم نجاحه في القفز من سفينة الاستعمار المبحرة، إلى سفينة دولة الاستقلال الرّاسية دون أن يخسر ثروته وجاهه ورهبة الناس منه، إلا أن وهن الجسد والأرق والإرث المشين ظلت تتعقّبه لتنغّص عليه خريف العمر.
استكمال ثلاثية روائية تستلهم الموروث الشعبي والوقائع التاريخيةتميّزت الرواية، كما في الجزأين السابقين من الثلاثية، بحضور كثيف للشعر الشعبي والأسطورة والمحكيات المتداولة بين عشائر الجنوب التونسي، ما جعل العمل متأصّلاً لغوياً وثقافياً في بيئته الصّحراوية.
لكن الرّهان على الموروث الثقافي الشعبي قد يصبح محفوفاً بمخاطر جماليّة عدّة إذا لم يستند بنفس القدر على أرشيف معترف به وتوثيق دقيق للوقائع والأماكن التي كانت مسرحاً لها.
فالقارئ يستشفّ في كثير من مواضع العمل أن القصيدة الشعبية كانت الأساس الذي نسج الكاتب حوله الأحداث، عوضاً أن تكون أداة فنّية لدعم الأحداث وتبيئة الصّراعات بين الشخصيات، فهو على سبيل المثال يورد مرثيّة شعبية عن أحد المقاومين تقول" مات الصّنديد المِسّمي في القُوم قْليد.
حَمَد ولد عبيد انحاز وحده في جبل فريد"، ليسرد حادثة محاصرة بوبكر الرّوبي له في مغارة بأحد الجبال والحوار الذي دار بينهما قبل أن يجهز عليه.
هذه الأسبقيّة الواضحة في اختيار المتون الشعبية، على صياغة الحكاية أثّرت على حرّية الكاتب وسخائه في تخييل الأحداث، ما جعل نسق الرواية ينخفض بشكل لافت في نصفها الثاني، ليقتصر على تصوير العذاب النفسي الذي مزّق البطل في آخر عمره، ويدفعه إلى إنهاء حياته بولوج قيظ الصّحراء نهاراً دون زاد أو ماء، تاركاً حياته وعاره وراءه.
سيرة متخيّلة لواحد من أعوان الاستعمار الفرنسيفي هذه الرواية، سعى نصر بالحاج بالطيب إلى محاصرة الصحراء التي تناولها في عمليه السابقين من زاوية تأملية في مفاهيم الزّمن والعطش والفقدان، وذلك بجعلها مسرحاً لحدث تاريخي هام وهو الصّراع الحامي بين فرنسا وحلفائها من جهة، وقوات المحور الإيطالية والألمانية التي احتلّت الجنوب التونسي سنة 1943، ودعمت تمرّد الأهالي على المستعمر الفرنسي بالسّلاح والتحريض، قبل أن تنسحب تاركة إياهم في عراء الانتقام والتشفّي الفرنسي بمساعدة أعوانه المحلّيين من أمثال بوبكر الرّوبي.
بذلك تكون" سيف الصوان" امتداداً لمشروع كتابة الصحراء التونسية، وسدّ فجوة ربّما أهملها التاريخ الرسمي، لكن التاريخ الشعبي حفظها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك