تركت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان تطمينات لدى المسؤولين اللبنانيين بعدم وجود نيات سورية بالتدخل العسكري، بل الحرص الكامل على إقامة علاقات مبنية على احترام سيادة البلدين، مع اقتناع في المقابل بضرورة إبقاء التواصل مفتوحاً والتنسيق مستمراً لمعالجة الملفات العالقة.
وأكدت مصادر رسمية لبنانية لـ" العربي الجديد"، أنّ" الزيارة كانت مهمّة جداً في هذا التوقيت بالذات، خاصة أنها ساهمت في إزالة مخاوف الكثير من اللبنانيين من وجود نيّة سورية بالتدخل في لبنان، ربطاً بتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الداعية للتدخل من أجل مواجهة حزب الله"، لافتة إلى أن" الرسالة الأبرز التي حملها الشيباني من الرئيس السوري أحمد الشرع هي تأكيد عدم وجود أي نية بذلك".
وأشارت المصادر، التي فضّلت عدم ذكر هويتها، إلى أن" الطرفين يؤمنان بضرورة وأهمية طيّ صفحة الماضي، وإقامة علاقات سليمة بينهما، وهو ما سيستمرّ ويُعمَل عليه في المراحل والفترات المقبلة، وعبر المؤسسات الدستورية فقط، لما فيه مصلحة البلدين".
وفي زيارته الثانية إلى لبنان، وسّع هذه المرّة الشيباني جدول لقاءاته، سواء مع المرجعيات السياسية أو الدينية، وكان أبرزها الاجتماع مع رئيس البرلمان نبيه بري، في أول لقاء مباشر معه على مستوى النظام السوري الجديد برئاسة أحمد الشرع، إلا أن الأجندة خلت من أي لقاء مع حزب الله، علماً أن التصريحات التي أدلى بها الوزير السوري أبدت انفتاحاً على لقائه" إذا كان ذلك يصبّ في مصلحة البلدين"، وفق تعبيره.
وبحسب معلومات" العربي الجديد"، فإنّ الشيباني أكد للمسؤولين اللبنانيين أنّ سورية لا نيّة لديها بالتدخل في لبنان، ويهمّها أن تفتح صفحة جديدة مع الدولة اللبنانية والمؤسسات الرسمية تقوم على التفاهم والحوار ومعالجة الملفات العالقة، والتنسيق العالي في الفترة الحالية على الشق الأمني لناحية ضبط الحدود، وأكد في الوقت نفسه أن سورية يمكن أن تؤدي دوراً إيجابياً وتساعد لبنان في هذه الظروف، متوقفاً عند أهمية حصر السلاح بيد الدولة، والمضي بهذا المسار.
وإلى جانب توقيع اتفاقية تشكيل اللجنة العليا اللبنانية السورية، يوم أمس الخميس، علم" العربي الجديد"، أن أبرز الملفات التي بُحِثت خلال جولة الشيباني الموسّعة في لبنان، تلك السياسية المرتبطة بالتطورات في لبنان والمنطقة، والأمنية خاصة على صعيد ضبط الحدود ومنع التهريب، وبعض الملفات الاقتصادية التي يمكن للبلدين أن يتعاونا فيها.
وبحسب المعلومات، فإن" اللقاء مع بري لعب دوراً أساسياً في التمهيد له زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي، وسط قناعة لبنانية بضرورة الاتفاق في هذه المرحلة لا التباعد لمواجهة المشروع الإسرائيلي، ودفع إسرائيل إلى الانسحاب من سورية ولبنان، لا إبقائها أو توسعة احتلالها، وقد كان ذلك على طاولة البحث خلال اللقاء، الذي لم يتطرّق إلى تفاصيل السلاح أو حزب الله، لكن أكد ضرورة تطبيق اتفاق الطائف وحصر السلاح بيد الدولة".
كذلك، وفق المعلومات، فإنّ ملف" الموقوفين الإسلاميين" في السجون اللبنانية، وهم الذين جرى توقيفهم بسبب مواقف داعمة للثورة السورية، أو القتال ضدّ نظام الأسد، كان أيضاً ضمن النقاشات، خاصة خلال الجولة التي قام بها الشيباني إلى طرابلس شماليّ لبنان، حيث كان له استقبال حاشد، مع العلم أنه أول مسؤول سوري يزور المنطقة منذ انطلاقة العهد السوري الجديد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وقد ترك الوزير وعوداً بأنّ هذا الملف سيكون ضمن اهتمامات السلطات السورية، ويتابَع منها، إلى جانب استكمال تنفيذ الاتفاق المرتبط بتسلم سورية باقي دفعات المحكومين السوريين في السجون اللبنانية.
كما شملت المباحثات الشأن الاقتصادي التجاري والملفات التي يمكن العمل والتعاون بشأنها، خاصة بعدما أطلق لبنان قبل فترة قصيرة مطار القليعات، وإمكانية إعادة تفعيل المشاريع التي كانت قائمة بين البلدين وتوقفت في الفترة الماضية.
وفي ختام لقاءاته، أكد الشيباني مساء الخميس، " أننا نخطو اليوم خطوة جديدة في مسار العلاقات السورية - اللبنانية، على أسس الاحترام المتبادل للسيادة، وحسن الجوار، والتعاون البنّاء الذي يخدم المصالح المشتركة لشعبينا".
وشدد على" أننا نؤسس مع الأشقاء في لبنان لمرحلة جديدة من العلاقات الثنائية، عبر توقيع اتفاقية إنشاء اللجنة العليا السورية - اللبنانية المشتركة، لتكون إطاراً مؤسسياً دائماً يعزز التعاون والتنسيق بين بلدينا في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية والاجتماعية، بالإضافة للنقل والطاقة والمياه والصحة والاتصالات".
كما أكد أن سورية" ستبقى شريكاً فاعلاً في ترسيخ الاستقرار وتعزيز التنمية، ونؤمن بأن الحوار المباشر مع الدولة اللبنانية والتعاون العملي في الملفات ذات الاهتمام المشترك هما السبيل إلى بناء مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً لبلدينا والمنطقة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك