بدأت العاصمة الإيرانية طهران الاستعداد لواحد من أوسع مراسم التشييع في تاريخها الحديث، عقب وصول جثمان المرشد الأعلى الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي إلى مصلّى طهران الكبير، تمهيدا لانطلاق جنازة رسمية تمتد على مدى ستة أيام، وفق ما نقلته وسائل إعلام رسمية.
ويأتي ذلك قبل يوم واحد من المراسم الرئيسية المقررة يوم السبت، والتي يُتوقع أن تشهد حضوراً جماهيرياً واسعاً قد يصل إلى ملايين المشيّعين، إلى جانب مشاركة وفود وشخصيات أجنبية بارزة.
وفي هذا السياق، دعا رئيس مجلس الشورى وكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف إلى تعبئة شعبية شاملة، معتبراً أن المشاركة الواسعة تمثل" رداً على مقتله"، ومؤكداً أن" نداء الأمة للثأر يجب أن يتردد صداه في العالم".
وأفادت وكالة" إرنا" الرسمية عبر تطبيق تلغرام بأن" جثمان قائد الثورة الإسلامية الشهيد وصل إلى مصلى الإمام الخميني الكبير".
وتداولت وسائل الإعلام صوراً تُظهر موكباً يرافق نعش خامنئي، المغطى بالعلم الإيراني ذي الألوان الثلاثة، أثناء دخوله إلى مصلّى الإمام الخميني، الذي يحمل اسم مؤسس الجمهورية الإسلامية ويُعد من أهم مواقع التشييع الرسمي في إيران.
كما أظهرت مشاهد أخرى حشوداً كبيرة ترتدي السواد، شاركت في مراسم تمهيدية سبقت الجنازة الرسمية، في حين وُضع النعش في فضاء مزيّن بالزهور الحمراء، مع تفاصيل بصرية شملت فراشات بيضاء معلّقة في الهواء.
وظهر قائد الحرس الثوري الإيراني أحمد وحيدي علناً أمام الجثمان، في أول ظهور له منذ اندلاع الحرب التي بدأت في شباط/فبراير.
ويُذكر أن وحيدي تولى قيادة الحرس الثوري بعد مقتل سلفه محمد باكبور في اليوم الأول من الحرب الأخيرة، وسط ظروف أمنية مشددة حدّت من ظهوره الإعلامي خلال الفترة الماضية.
وتتواصل في الأثناء التحضيرات الخاصة بالمراسم الشعبية، التي كانت قد أُرجئت سابقاً خلال ذروة الحرب، قبل أن يُعاد جدولتها لاحقاً في ظل اتفاق وقف إطلاق نار بين إيران والولايات المتحدة، عقب توقيع مذكرة تفاهم مبدئية لوقف العمليات القتالية.
دولياً، أعلنت باكستان، بصفتها الوسيط الرئيسي في المحادثات الأمريكية-الإيرانية، أن رئيس وزرائها شهباز شريف سيشارك في مراسم التشييع، في حين أكدت الصين وأفغانستان وعدد من دول الجوار في منطقة القوقاز إرسال ممثلين عنها لحضور الجنازة.
وشهد محيط المصلّى الكبير في طهران خلال الأيام الماضية أعمال تجهيز مكثفة، تخللتها إجراءات أمنية وتنظيمية شملت إيقاف حركة السيارات في محيط الموقع، وسط تجمع مواطنين لمتابعة الاستعدادات الجارية.
وقال أحد العمال، ويدعى حسين مقدسي، وهو يشارك في تزيين المكان: " نزرع الزهور ونسقي الشجيرات استعداداً لمراسم وداع مرشدنا الشهيد"، مضيفاً أن" الحشود ستكون ضخمة وستأتي من مختلف أنحاء إيران".
وقُتل خامنئي، البالغ من العمر 86 عاماً، في قصف استهدف المجمع الذي يضم مقر إقامته وسط العاصمة طهران، قبل أن يتم الإعلان عن انتخاب نجله مجتبى خامنئي خلفاً له، في تطور سياسي لافت داخل بنية الحكم الإيرانية.
وتتوزع مراسم التشييع على عدة مراحل تمتد لستة أيام، تشمل مناطق مختلفة داخل إيران، إضافة إلى محطات في العراق، وسط توقعات بمشاركة جماهيرية غير مسبوقة قد تتراوح بين 15 و20 مليون مشيّع، ما يجعلها واحدة من أضخم الجنازات الرسمية في تاريخ البلاد.
كما أعلنت السلطات عطلات رسمية في طهران ومدينتي قم ومشهد خلال فترة المراسم، مع فرض قيود صارمة على الحركة، شملت إغلاق المؤسسات العامة والخاصة من السبت حتى الاثنين، وتحويل أجزاء واسعة من وسط العاصمة إلى مناطق محظورة على حركة السيارات.
وبعد انتهاء مراسم العاصمة، يُنقل الجثمان إلى مدينتي النجف وكربلاء في العراق، قبل أن يُوارى الثرى في التاسع من تموز/يوليو داخل مرقد الإمام الرضا في مدينة مشهد شمال شرقي إيران، وهي مسقط رأسه.
ولا يزال الغموض يحيط بمشاركة مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل وخليفته، الذي لم يظهر علناً منذ بدء توليه المنصب، في ظل ترقب سياسي وإعلامي لموقفه من حضور المراسم الرئيسية.
ومن المتوقع أن يشارك ممثلون عن نحو 30 دولة في الجنازة، إلى جانب وفود من العراق وأفغانستان وباكستان ودول الجوار، في مراسم تُعد من بين الأوسع في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
ويُشار إلى أن خامنئي وُلد عام 1939، وهو من أب تركي وأم إيرانية، ونشأ في أسرة كبيرة تضم عشرة أفراد عُرفت بالتدين.
ومنذ طفولته أبدى اهتماماً بالدراسة الدينية، فبدأ حفظ القرآن في سن الرابعة، ثم التحق بالكتّاب والمدارس الحوزوية، حيث تتلمذ على أيدي عدد من أبرز المراجع الدينية.
لاحقاً، التقى روح الله الخميني، الذي تأثر بأفكاره المعارضة لحكم الشاه محمد رضا بهلوي.
وبذلك أصبح خامنئي ثاني مرشد أعلى لإيران منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، واستمر في موقعه لأكثر من ثلاثة عقود، جامعاً بين السلطة الدينية والسياسية في آن واحد.
وعُرف الراحل بقلة السفر إلى الخارج، وبأسلوب حياة يوصف بالمتقشف، إذ أقام في مجمع وسط طهران برفقة زوجته، وارتبط اسمه بالاهتمام بالبستنة والشعر، إلى جانب حضوره السياسي والديني الواسع.
وكان يُنظر إليه بوصفه رمزاً يجمع بين الشرعية الدينية والنفوذ السياسي والإقليمي، حيث تداخل دوره كمرجع ديني مع موقعه كمهندس للسياسات الاستراتيجية والنفوذ الإيراني في المنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك