كيف تحوّل تشييع الإمام الشهيد علي الخامنئي إلى معركة سياسية بين الذاكرة والقوة؟فاللافت في التغطية الغربية والصهيونية لم يكن التركيز على شخصية الرجل بقدر ما كان التركيز على حجم الحدث.
فشبكات مثل CNN، وThe Hindu، وTimes of Israel، وNDTV، لم تتعامل مع التشييع بوصفه مراسم دفن، بل بوصفه حدثًا جيوسياسيًا قد يعيد تشكيل صورة الشرق الأوسط بعد الحرب الأمريكية – الصهيونية على إيران.
لقد فهم الغرب أن المعركة لم تنتهِ باغتيال الإمام القائد السيد علي الخامنئي، بل بدأت مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا.
السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا تخصص وسائل الإعلام الغربية عشرات التقارير لمراسم تشييع قائد رحل؟الجواب يكمن في أن الغرب لا يرى في التشييع مجرد طقس ديني، بل استعراضًا للقوة الشعبية.
فحين تتحدث التقارير الغربية عن توقع مشاركة ما بين خمسة عشر وعشرين مليون مشيع، وعن آلاف الصحفيين، وعن مشاركة وفود من عشرات الدول، فإنها لا تنقل أرقامًا فقط، بل تعترف بأن الجمهورية الإسلامية تريد تحويل الجنازة إلى رسالة سياسية تقول إن الحرب لم تكسرها، وإن اغتيال قائدها لم يؤد إلى انهيار مشروعها.
حتى بعض التقارير الغربية وصفت المشاركة الشعبية بأنها" استفتاء جديد على الجمهورية الإسلامية"، في إشارة إلى أن السلطة الإيرانية تنظر إلى الحشود باعتبارها تجديدًا للشرعية الشعبية بعد الحرب.
من اغتيال القائد إلى صناعة الرمزكانت الحسابات الأمريكية والصهيونية تقوم على أن اغتيال الإمام السيد علي الخامنئي سيصيب الجمهورية الإسلامية بصدمة استراتيجية، ويضعف محور المقاومة، وربما يفتح الباب أمام اضطرابات داخلية.
لكن المفارقة التي تعترف بها حتى بعض التحليلات الغربية أن الرجل أصبح بعد استشهاده أقوى رمزيًا مما كان عليه في حياته.
ففي الثقافة السياسية الغربية، يُضعف غياب القائد المشروع.
أما في الثقافة التي استلهمت كربلاء، فإن الشهادة لا تنهي القيادة، بل تمنحها بعدًا يتجاوز حدود الزمن.
ولهذا لم يعد الشهيد القائد الإمام الخامنئي يُقدَّم، في نظر أنصاره، كزعيم دولة فقط، بل كشخصية التحقت بقافلة الشهداء الذين تحولت دماؤهم إلى عنصر تعبئة واستمرار.
لماذا يمتد التشييع من إيران إلى العراق؟من أكثر ما أثار اهتمام الإعلام الغربي مرور النعش عبر قم، ثم النجف وكربلاء، قبل أن يعود إلى مشهد.
ورأت بعض التحليلات الغربية أن هذا المسار يحمل رسالة سياسية تؤكد الامتداد الإقليمي لإيران.
لكن القراءة الأعمق تكشف أن هذا الطريق يحمل أيضًا معنىً رمزيًا.
فالنجف تمثل مدرسة الإمام علي عليه السلام.
وكربلاء تمثل مدرسة الإمام الحسين عليه السلام.
ومشهد تحتضن الإمام الرضا عليه السلام، حيث سيُوارى الإمام الخامنئي الثرى.
إنها ليست رحلة جثمان فقط، بل رحلة فكر بين محطات صنعت وجدان الأمة.
ولهذا يدرك الغرب أن الصورة التي ستُنقل من هذه المدن ستتجاوز حدود إيران، وستصل إلى ملايين الناس بوصفها إعلانًا عن استمرار المشروع الذي حاولت الحرب إنهاءه.
رسالة إلى واشنطن وتل أبيبلم يكن مصادفة أن تحذر القيادة العسكرية الإيرانية الولايات المتحدة والعدو الصهيوني من أي محاولة لاستهداف مراسم التشييع، مؤكدة أن أي" سوء تقدير" سيقابل برد قاسٍ.
كما لم يكن مصادفة أن تدعو القيادة الإيرانية الشعب إلى المشاركة الواسعة، معتبرة أن" نداء الثأر يجب أن يصل إلى العالم كله".
فهنا يصبح التشييع أكثر من مناسبة عزاء.
ورسالة تقول إن الحرب انتهت عسكريًا، لكنها لم تُنهِ إرادة الشعب الإيراني.
ومن أكثر المشاهد دلالة أن الجولة الجديدة من المفاوضات الأمريكية – الإيرانية أُرجئت إلى ما بعد انتهاء مراسم التشييع.
لن نجلس إلى طاولة التفاوض قبل أن نودع قائدنا كما يليق به.
فالشارع، في العقيدة السياسية للجمهورية الإسلامية، يسبق الطاولة.
والوفاء للشهداء يسبق الحوار مع الخصوم.
وهذا ما يجعل التشييع جزءًا من إدارة مرحلة ما بعد الحرب، لا مجرد مناسبة بروتوكولية.
ما الذي يخشاه" العدو الصهيوني"؟لا يخشى" العدو الصهيوني" النعش بحد ذاته.
صورة الملايين التي تملأ الشوارع.
وصورة الرايات التي تتجاوز الحدود.
وصورة قائد اغتيل ظنًا أن مشروعه سينتهي، فإذا بجنازته تتحول إلى مناسبة لإعلان استمراره.
ولهذا ركزت وسائل الإعلام الصهيونية على عدد المشاركين، وعلى الشخصيات الدولية، وعلى انتقال الجثمان إلى العراق، وعلى الإجراءات الأمنية، أكثر مما ركزت على تفاصيل المراسم نفسها.
فالرسالة التي قد تخرج من هذا المشهد أخطر، في نظرها، من أي خطاب سياسي.
لقد أرادت الولايات المتحدة و" العدو الصهيوني" أن يكون اغتيال الإمام الخامنئي إعلانًا لنهاية مرحلة.
لكن تشييعه تحول إلى إعلان عن بداية مرحلة جديدة.
فالرجال الذين يصنعون الدول يرحلون.
أما الرجال الذين يصنعون العقائد والرؤى، فإنهم يبقون في وجدان الشعوب.
ولعل الغرب أدرك هذه الحقيقة عندما وجد نفسه يراقب نعشًا أكثر مما راقب كثيرًا من المعارك.
لأن المعارك قد تنتهي بتوقيع اتفاق.
أما الجنازات التي تتحول إلى ذاكرة جماعية، فإنها قد تكتب تاريخًا جديدًا.
وهذا هو سر القلق الأمريكي والصهيوني.
إنهم لا يخشون مراسم دفن قائد.
بل يخشون أن تتحول جنازته إلى إعلان عالمي بأن النهج الذي حمله لم يمت معه، وأن" جبهة المقاومة" التي أسس لها ستواصل مسيرتها بقيادة جديدة، وبإرادة لم تستطع الحرب ولا الاغتيال أن تكسرها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك