تحتل المياه موقعاً محورياً في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي منذ المراحل الأولى للحركة الصهيونية، حيث ارتبط التخطيط لإقامة دولة إسرائيل باعتبارات جغرافية قائمة على تأمين الموارد المائية.
واستند هذا التوجه، وفق قراءات تاريخية، إلى تصورات دينية توراتية دفعت الحركة الصهيونية منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى دراسة منابع المياه في فلسطين ونهر الأردن ومحيطهما الإقليمي.
وفي عام 1919، سعت الحركة الصهيونية خلال مؤتمر الصلح في باريس إلى إعادة رسم حدود فلسطين بما يضمن السيطرة على منابع نهر الأردن ونهر الليطاني وسهل حوران في سوريا، إلا أن هذه المساعي لم تتحقق بعد رفض فرنسا، كونها وضعت سوريا ولبنان تحت انتدابها آنذاك.
تصعيد ميداني وتأثير مباشر على الموارد المائيةأشارت إحدى الدراسات إلى أن الجنوب السوري شهد خلال الفترة الممتدة بين كانون الأول 2024 وكانون الأول 2025 نحو 727 توغلا بريا، انعكست بشكل مباشر على قطاع المياه في المنطقة.
ووفقاً لما ورد، فإن هذه التحركات لم تقتصر على البعد العسكري، بل تسببت بأضرار متكررة لحقت بالبنية التحتية للمياه، نتيجة إقامة مواقع عسكرية بالقرب من منشآت مائية، ما أدى لظهور أضرار في شبكات المياه والآبار، إضافة إلى تقييد وصول السكان إلى مياه الشرب ومياه الري في عدد من المناطق الريفية.
سد المنطرة.
عقدة مائية استراتيجيةيُعد سد المنطرة -أكبر سد في حوض نهر اليرموك- من أبرز الموارد المائية الحيوية في جنوبي سوريا، إذ يزوّد نحو 120 قرية بالمياه، ويسهم في ري ما يقارب 60% من الأراضي الزراعية في محافظة القنيطرة وريف درعا الغربي.
وتشير التقديرات إلى أن فقدان السيطرة على السد قد يؤدي إلى خسارة تتراوح بين 30 و40% من الموارد المائية في سوريا، إضافة إلى تأثيرات تمتد لتشمل نحو 40% من إمدادات المياه في الأردن.
وخلال الفترة نفسها، وثقت 33 حادثة في محيط السد نُسبت إلى القوات الإسرائيلية، في حين أظهرت صور ميدانية وجود لافتات تحذيرية تمنع المدنيين من الاقتراب من المنطقة، مع استمرار تمركز قوات عسكرية في موقعين لا يبعدان أكثر من 500 متر عن السد.
على الصعيد الدولي، طُرح ملف المياه في الجنوب السوري خلال جلسة طارئة لمجلس الأمن في شباط 2025، حيث اتهم المندوب الدائم لسوريا لدى الأمم المتحدة إسرائيل بمحاولة فرض سيطرتها على الموارد المائية في المنطقة، في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بإدارة الموارد الحيوية.
تُظهر المعطيات المرتبطة بملف المياه في سوريا أن هذا المورد الحيوي لم يكن بعيداً عن مسارات الصراع الممتد في البلد والمنطقة، بل تحوّل في أكثر من مرحلة إلى عنصر أثر بشكل مباشر على موازين القوة والنفوذ.
فبين ما ارتكبه نظام الأسد المخلوع من انتهاكات خلال سنوات الحرب عبر استخدامه للبنية التحتية المائية كأداة ضغط في سياق العمليات العسكرية، وبين ما تُشير إليه تقارير ميدانية من تداعيات على مصادر المياه ترتبت على التوغلات والتمركزات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب السوري، يبقى المدنيون في النهاية الطرف الأشد تضرراً من تدهور هذا القطاع الحيوي.
وفي ظل استمرار التوتر وغياب الحلول، يظل ملف المياه أحد أكثر الملفات حساسية، ليس فقط لارتباطه بالأمن الغذائي والحياة اليومية للسكان، بل لأنه يمثل أيضاً انعكاساً مباشراً لتشابك البعد الإنساني مع الحسابات العسكرية والسياسية في المنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك