أتساءل كل يوم: هل سيأتي يوم يصحو فيه ضمير تلك النائحة المستأجرة؟ وهل تحين لحظة تكف فيها عن البجاحة التي غدت أبرز سماتها في الآونة الأخيرة؟فكثيراً ما تصلني مقاطعها التي تُطلق فيها العنان لصوتها وخطابها بلا ضابط ولا رقيب، وهي مقاطع لا أستطيع أن أُكمل ثلاثين ثانية من مشاهدتها مهما حاولت.
وقد لاحظت أن صوتها يزداد ارتفاعاً في كل مرة، وأنها تتحدث بثقة مفرطة لتوهم البسطاء والسذج بأنها تقف إلى جانب الحق، مع أنها وأمثالها أبعد الناس عنه.
قبل يومين طالعت رد وزير الثروة الحيوانية على انتقادها له.
ولم أكن قد استمعت إلى المقطع، لكنني فهمت من رد الوزير أنها تطرقت إلى نجله الذي يواصل تعليمه في بلد مولده، الإمارات.
ولهذا وصفت حديثها بالبجاحة؛ فمن يسمعها وهي تهاجم الآخرين بهذه الحدة يظن أن ابنها وضاح يتقدم صفوف المقاتلين، بينما الواقع يؤكد أنه يعيش مُرفهاً خارج السودان مثل غيره من أبناء من يدفعون بأولاد الآخرين إلى الموت.
وقبل لحظات استمعت إلى نحو عشر ثوانٍ من مقطع آخر، بدا فيه أنها توجه سهام نقدها المدفوعة الأجر إلى مبارك أردول بسبب حديثه عن الفقر الذي ضرب السودانيين.
وكعادتها، راحت تكرر أسطوانتها المشروخة لإيهام بعض السذج والعاطفيين بأن الدعم السريع هو المسؤول الوحيد عن إفقار السودانيين.
ولم أُكمل المقطع، وغادرته لما يحمله من خطاب مستفز.
ولا يشك أي عاقل في أن الحروب تدمر الأوطان، وتفقر الشعوب، وتحول حياة الناس إلى جحيم لا يُطاق.
ولسنا ممن يلتمسون الأعذار لأي طرف من أطراف الحرب في استمرار القتل والدمار والخراب.
غير أن المفارقة أن هذه النائحة وصويحباتها يدعمون الحرب، ويتباهون بسقوط السودانيين قتلى بأيدي بعضهم بعضاً، ثم يحدثونك ــ في تناقض صارخ ــ عن الفساد، وانتشار المخدرات، والفقر، وغيرها من الإفرازات الطبيعية لأي حرب.
والأشد بجاحة أن هذه النائحة تعلم، كما يعلم غيرها من إعلاميي الضلال، أن شركاء أردول كانوا ممن ساهموا معه في إفقار السودانيين حتى قبل اندلاع هذه الحرب اللعينة.
وقد تكشفت شبهات فساد أردول خلال فترة حكومة د.
حمدوك، وبعد أن تعززت بالمستندات، كان الرأي السائد أن يُقال من منصبه كمدير للشركة السودانية للمعادن.
إلا أن حمدوك لم يُقدم على اتخاذ ذلك القرار، لأن شركاء أردول أصحاب النفوذ والسلطة الفعلية وقتها وفروا له الحماية السياسية اللازمة.
فهل كانت هذه النائحة تستطيع آنذاك أن تشير، ولو تلميحاً، إلى من حالوا دون عزله؟ وهل تملك هي أو غيرها من المتكسبين بالإعلام الجرأة على الإشارة إلى شركاء أردول الحاليين؟ فمن غير المنطقي أن يقدم الرجل على كل ما عُرف عنه من ممارسات دون غطاء يتمتع بنفوذ وسلطة.
فما الذي يمنع إعلاميي الضلال من قول الحقيقة كاملة بدل الاكتفاء بما يخدم أجندات سادتهم؟ولمن لا يعرف تاريخ هذه النائحة، فقد دأبت قبل سنوات طويلة، عبر زاويتها الصحفية، على مهاجمة مذيعات القنوات التلفزيونية المحلية يومياً، ولم تكن تدع لهن هفوة صغيرة أو كبيرة إلا جعلتها مادة للنقد، قبل أن يتضح لاحقاً أن هدفها كان الحصول على فرصة لتصبح مذيعة مثلهن، وهو ما تحقق بالفعل عندما قدمت برنامجاً عبر قناة الخرطوم.
وها هي اليوم تنتهج الأسلوب نفسه منذ اندلاع الحرب، بعد أن رأت أنه حقق لها ما أرادت في السابق، لذلك لا تتردد في قول أي شيء تظن أنه يقربها من أهدافها، مهما كان الثمن.
لكن ما تغفل عنه هي وأمثالها أن هذه الحياة زائلة، وأن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون وسيلة للتكسب أو تحقيق المصالح.
وحتى إن تنازل الشعب السوداني يوماً عن محاسبة من ساهموا بأقلامهم وحناجرهم في هذا القتل والدمار، فإن الحساب الحقيقي لا يسقط، وسيقف الجميع بين يدي الله عز وجل.
فالكلمة ليست مزاحاً، بل إن أثرها أشد من أثر الرصاص، ومن يوظفها للإضرار بالناس أو لتزييف الحقائق أو لخدمة مصالحه على حساب حياة الآخرين وسلامتهم ورفاههم، فسيجد حسابه يوم لا ينفع مال ولا جاه ولا سلطان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك