يطرح الباحث الفرنسي في علم البيئة الصوتية جيروم سيور سؤالاً يبدو بسيطاً: ما الصمت؟ هل هو الغياب الكامل للأصوات، أم غياب الضوضاء التي يصنعها الإنسان؟ وينطلق في كتابه" التاريخ الطبيعي للصمت" (منشورات حياة، الرياض، ترجمة سعيد بوكرامي، 2026) من هذا السؤال ليقترح رؤية مختلفة للصمت، بوصفه حضوراً غنيّاً لا فراغاً، وتجربة حسية وعلمية تكشف طبقات العالم الخفية.
يفكّك سيور الفكرة الشائعة عن الصمت باعتباره انعداماً للصوت، ليؤكد أن الطبيعة لا تعرف الصمت المطلق.
ففي الغابات والجبال والبحار والصحارى تتجاور أصوات الطيور والحشرات والرياح والمياه والبراكين، لتكوّن ما يسميه العلماء" البيئة الصوتية"، أي مجمل الأصوات التي تميّز مكاناً معيناً في لحظة محددة.
ومن خلال هذه البيئة، يقرأ الباحث توازن الأنظمة البيئية وصحة الكائنات التي تعيش فيها.
يستند الكتاب إلى خبرة سيور الطويلة في مجال علم البيئة الصوتية، وهو تخصص يدرس العلاقة بين الكائنات الحية ومحيطها من خلال الأصوات.
وقد ساهم تطور تقنيات التسجيل، من الميكروفونات المتخصصة إلى الهيدروفونات المستخدمة في تسجيل أصوات الحيتان، في فتح آفاق جديدة لفهم العالم الطبيعي.
كما يوضح الكتاب كيف أصبح تحليل الأصوات وسيلة غير مؤذية لرصد التنوع البيولوجي، إذ يمكن التمييز بين أنواع متشابهة من الكائنات عبر أصواتها حتى عندما يصعب التفريق بينها بصرياً.
يدرس العلاقة بين الكائنات الحية ومحيطها من خلال الأصواتوتبرز في مقدمة الكتاب، التي كتبها عالم البيئة الفرنسي جيل بوف، إشادة بالدور الريادي لعالم الصوتيات الأميركي بيرني كراوس، الذي أسهم في تأسيس دراسات الأصوات الطبيعية، وكان له تأثير واضح في مشروع سيور.
ويرى بوف أن الكتاب دعوة لاكتشاف الإصغاء بوصفه فعلاً ثقافياً وأخلاقياً، في عالم باتت الضوضاء إحدى سماته الأساسية.
يتنقل" التاريخ الطبيعي للصمت" بين المعرفة العلمية واللغة التأملية، في رحلة تبدأ من جبال الألب والغابات المدارية والمختبرات، وصولاً إلى أسئلة أوسع عن علاقة الإنسان بالطبيعة، في محاولة لاستعادة القدرة على تمييز الأصوات التي تمنح الحياة معناها، والإصغاء إلى الصمت بوصفه وجهاً آخر لحيوية العالم.
يأخذ الكتاب منحى تأمّلياً في أثر الإنسان على هذا العالم الصوتي.
فالضوضاء الناتجة عن الأنشطة البشرية، أو ما يعرف بـ" الأنثروبوفونية"، أصبحت أحد أبرز أشكال التلوث الحديثة.
أصوات الطائرات، والدرّاجات المائية، والمركبات، والمصانع تُزعج الإنسان وتضرّ بطرق تواصل الكائنات الأُخرى وبقائها.
ومن هنا يرى سيور أن التلوث الصوتي لا يقلّ خطورة عن التلوث الكيميائي أو الضوئي، لأنه يهدد توازناً استغرق تشكله آلاف السنين.
ويمنح الكتاب مساحة واسعة لتجربة الإصغاء نفسها.
فالإنسان، بحسب سيور، يعيش وسط بحر من الأصوات، لكنه نادراً ما ينصت إليها بوعي.
أجسادنا نفسها تنتج أصواتاً مستمرة؛ نبض القلب، واحتكاك المفاصل، وقرقرة المعدة، بينما تحيط بنا أصوات الرياح والأمطار والنباتات والحيوانات في شبكة لا تنقطع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك