شددت منظمة العفو الدولية وخمس من المنظمات الحقوقية والمنظمات المعنيّة بحرّية الصحافة اليوم الجمعة على أنّ اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل الذي وقّع في واشنطن في 26 يونيو/حزيران الماضي" يُنذر بخذلان ضحايا جرائم الحرب في لبنان".
وقالت المنظمات: " يبدو أنّ أجزاءً من نصّ الاتفاق تهدف إلى منع ضحايا الجرائم الخطيرة المشمولة بالقانون الدولي من السعي إلى تحقيق العدالة أمام المحافل الدولية"، مضيفة" كما تبدو أجزاء أخرى منه وكأنّها قبول ضمني باستمرار التهجير القسري المطوّل ومفتوح الأجل لعشرات الآلاف من السكان من مساحات شاسعة في جنوب لبنان تحتلّها القوّات الإسرائيلية".
وفي آخر تحديث لوزارة الصحة اللبنانية، بلغت الحصيلة التراكمية الإجمالية للعدوان منذ 2 مارس/آذار الماضي حتى أمس الخميس 4298 شهيداً و12196 جريحاً، وذلك في وقت سبَّب العدوان نزوح ما يزيد عن مليون شخص.
وتوقّفت المنظمات عند البند 13 من الاتفاق، الذي يُلزم حكومتي إسرائيل ولبنان بوقف" جميع الأعمال العدائية أو المناوئة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية".
وقالت: " في حال فُسّر هذا الاتفاق على أنّه يمنع لبنان وإسرائيل من اللجوء إلى المحاكم الدولية، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، فإنّه يتعارض بذلك مع الالتزامات القانونية الدولية التي تقتضي منهما السعي إلى المساءلة عن الجرائم الخطيرة بموجب القانون الدولي التي ارتُكبت على أراضي البلدَيْن.
ولا يبدو أنّ الاتفاق يُلزم إسرائيل بوقف أي خطوات ضدّ حزب الله في المحافل الدولية".
كذلك، اعتبرت المنظمات أن البند 3 من الاتفاق ينتهك القانون الدولي وحظر التهجير القسري، إذ يشترط عودة السكان إلى مناطق محدّدة تحتلّها إسرائيل على طول الحدود حالياً بـ" التأكّد من نجاح نزع سلاح الجماعات المسلّحة غير الحكومية وتفكيك بنيتها التحتية في هذه المناطق"، بحيث أشارت المنظمات إلى أنه بموجب القانون الدولي الإنساني، يجب السماح للناس بالعودة فور انتهاء الأعمال العدائية أو زوال الأسباب التي أدّت إلى تهجيرهم.
ويأتي ذلك في وقتٍ لا يزال اتفاق الإطار موضع خلاف داخلي في لبنان، إذ حذر رئيس البرلمان نبيه بري من أنه سيؤدي إلى فتنة داخلية، فيما تمسك رئيسا الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام به، وأكدا أن صيغته لا تتعارض مع الحقوق والثوابت اللبنانية.
وحاول عون وسلام توضيح البند 13، بعد ردات الفعل الغاضبة التي طاولته من حقوقيين وناشطين، بالإشارة إلى أنه يتحدث عن" تعليق" وليس" وقف"، علماً أن الاتفاق نص حرفياً على" وقف لكل الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية، والعمل على البحث عن الرفات وإعادتها والإفراج عن المحتجزين".
وعملياً، لم يدخل الاتفاق بعد مسار التنفيذ، في ظلّ مماطلة إسرائيلية مستمرّة ببدء الانسحاب التدريجي من المناطق التي تحتلها، ورصد إقامة الجيش الاسرائيلي إجراءات وتدابير جديدة تعيق الحركة، بما فيها تلك التي تتمتع بها قوات الأمم المتحدة المؤقتة (يونيفيل).
ومنذ 2023، وثّقت منظمة العفو الدولية و" هيومن رايتس ووتش" والمفكرة القانونية والمركز اللبناني لحقوق الإنسان واتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، وغيرها من المجموعات الحقوقية، جرائم الحرب المحتملة في لبنان والانتهاكات المتكرّرة التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي لقوانين الحرب.
وتشمل تلك الانتهاكات هجمات مباشرة محتملة على أعيان مدنية ومدنيين، وهجمات عشوائية وغيرها من الهجمات غير المشروعة التي قتلت عاملين في المجال الطبي وصحافيين وأسراً بكاملها، والاستخدام غير المشروع للفسفور الأبيض الذي يسبب حروقاً مروّعة.
وأشارت المنظمات إلى أنه" في مارس/آذار، تصاعدت الأعمال العدائية من جديد، وترافق ذلك مع تصاعد الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي".
وأضافت: " تعمل في لبنان بالفعل، بناءً على طلب السلطات اللبنانية، بعثة تقييم تابعة لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان من أجل توثيق انتهاكات القانون الدولي الإنساني وانتهاكات وتجاوزات حقوق الإنسان المرتكبة منذ 2 مارس 2026".
وقالت" بموجب الإطار المرجعي للمفوضية الذي وافقت عليه السلطات اللبنانية، ستتولّى بعثة الأمم المتحدة دراسة الخيارات المتاحة لتحقيق المساءلة وتوثيق جميع المعلومات التي جُمعت وحِفظها وصونها وحمايتها بما يكفل سلامتها، بهدف تعزيز استخدامها في عمليات المساءلة المستقبلية".
وقالت لما فقيه، مديرة البرامج في" هيومن رايتس ووتش"، إن" الاتفاق لا يهدد فقط بترسيخ الإفلات من العقاب، بل يتضمن أيضاً بنداً يوحي بأنّ الحسابات السياسية تطغى على الحقوق الأساسية للذين عانوا من انتهاكات مروّعة.
كما يهدد بحرمان الضحايا من العدالة في وقت تشير فيه أدلة متزايدة إلى هجمات إسرائيلية غير مشروعة متكررة تسببت بأضرار جسيمة للمدنيين ودمار واسع النطاق".
من جانبها، اتهمت إلسي مفرّج، رئيسة اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان الحكومة اللبنانية بالتنازل" عن حق لا تملكه: حق الضحايا في ملاحقة الجناة ومحاسبتهم.
هذا حق الأشخاص الذين فقدوا أحبّاءهم ودُمّرت منازلهم وذكرياتهم.
وهذا حق الذين أدّوا واجباتهم بالرغم من المخاطر، مثل الصحافيين والعاملين في المجال الطبي والمسعفين".
وقالت المجموعات الموقعة على البيان إنّ على الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية ألّا تنفّذا الاتفاق بطريقة تتجاهل حقوق الضحايا والناجين، وأن توضّحا أنّ الاتفاق، بما في ذلك البندان 3 و13، لا يلغي الالتزامات القانونية الدولية المترتبة على الحكومتين.
وأضافت أنّ على الحكومات، بما فيها تلك التي سبق أن دعمت جهود المساءلة عن الجرائم التي يحاسب عليها القانون الدولي، والتي ارتُكبت في لبنان، أن توضح أنّ دعمها لتسوية سياسية لا يشمل بنودًا تغلق الباب أمام إمكانية تحقيق العدالة وجبر الضرر وعودة المهجّرين.
وقال سلام، في جلسة الحكومة أمس الخميس، إن الإطار المذكور لم يبلغ بعد مرحلة الاتفاق أو المعاهدة كما هو مبيّن في نصه، حتى يتم عرضه وإبرامه أصولاً في المؤسسات الدستورية، وإن" المفاوضات ما زالت في مراحلها الأولى لتحقيق الأهداف التي نعمل لتحقيقها، ولا سيما الوصول إلى جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي من كامل الأراضي اللبنانية"، موضحاً: " نحن أمام إطار سياسي هو بمثابة خريطة طريق للمفاوضات، تنتج عنها التزامات سياسية وليس قانونية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك