واشنطن ـ «القدس العربي»: تتواصل احتفالات الولايات المتحدة بالذكرى الـ250 للاستقلال، وسط جدل واسع بشأن برنامج الفعاليات الذي أعدته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في وقت يتهم فيه منتقدوه الرئيس بتحويل المناسبة الوطنية إلى احتفال يتمحور حول شخصه، من خلال خطاب مطول، وعروض عسكرية، وأكبر عرض للألعاب النارية في تاريخ احتفالات الرابع من تموز/ يوليو.
ويرى منتقدون أن برنامج الاحتفالات يحمل طابعًا سياسيًا وشخصيًا، ويعكس محاولة لربط المناسبة الوطنية بشخص الرئيس وحركته السياسية، بدلامن الاحتفاء بتاريخ الولايات المتحدة.
وقال مايك برايسنر، المدير التنفيذي لمركز الضمير والحرب، إن احتفالات الذكرى الـ250 “تحولت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى احتفاء بترامب وبالرؤية التي يتبناها هو وحركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” لمستقبل البلاد».
واعتبر مات غيرتز، الباحث في منظمة “ميديا ماترز”، أن الولايات المتحدة “لن تحظى هذا العام باحتفال حقيقي يعكس تاريخها وإنجازاتها وتحدياتها”، مضيفًا أن ما يجري هو «محاولة من رئيس ذي نزعة سلطوية لجعل المناسبة تتمحور حوله شخصيًا».
ويلقي ترامب خطابًا يستمر نحو 45 دقيقة، يبدأ عند الساعة التاسعة مساءً، السبت، ضمن تجمع جماهيري كبير في العاصمة واشنطن، بينما طُلب من الحضور الوصول مبكرًا، مع فرض قيود على إدخال الحقائب والكراسي المحمولة وصناديق التبريد، والسماح بزجاجة مياه واحدة فقط لكل شخص، رغم توقعات بارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات مرتفعة.
كما أعلنت إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية إغلاق المجال الجوي فوق مطار رونالد ريغان الوطني لعدة ساعات، لتأمين حركة الطيران خلال فعاليات الاحتفال، التي تتضمن عروضًا جوية وألعابًا نارية.
وقال وزير الداخلية الأمريكي دوغ بورغوم إن الإدارة تنظم «أكبر وأعظم عرض للألعاب النارية على الإطلاق».
ووفقًا لما أوردته صحيفة «واشنطن بوست»، يشهد الاحتفال إطلاق نحو 850 ألف قطعة من الألعاب النارية خلال عرض يستمر 40 دقيقة، يبدأ بعد الساعة العاشرة والنصف مساءً، وربما يتأخر حتى الحادية عشرة ليلًا، وهو ما يعادل نحو 50 ضعف حجم العروض التقليدية في عيد الاستقلال، الأمر الذي أثار تحذيرات من تأثيراته على الحيوانات الأليفة وبعض المحاربين القدامى الذين يعانون اضطرابات ما بعد الصدمة.
وفي المقابل، أثارت فعاليات “المعرض الأمريكي الكبير” التي سبقت احتفالات اليوم موجة من السخرية، بعدما أظهرت صور وتقارير إعلامية مساحات واسعة شبه خالية في “ناشونال مول”، رغم الحملة الدعائية الواسعة التي روجت لها الإدارة.
وكان ترامب قد أكد عبر منصته “تروث سوشال” أن الفعاليات شهدت حضورًا كبيرًا، غير أن صحافيين ومشاركين تحدثوا عن حضور محدود وطوابير قصيرة، ما دفع بعض المعلقين إلى إطلاق وصف “الإخفاق الأمريكي الكبير” على الحدث.
كما انتقد النائب الجمهوري السابق آدم كينزينغر الطريقة التي تُدار بها احتفالات الذكرى الـ250، معتبرًا أن المشروع الذي أُطلق للاحتفاء بتاريخ الولايات المتحدة تحول إلى مناسبة تخدم صورة ترامب السياسية.
وامتدت الانتقادات إلى الحالة التي ظهر عليها حوض الانعكاس أمام نصب الرئيس أبراهام لينكولن، بعدما غطته الطحالب الخضراء نتيجة مشكلات في أعمال التنظيف، وهو ما اعتبره منتقدون مثالاإضافيًا على سوء تنظيم الاحتفالات.
ودعا عدد من المعلقين الأمريكيين المواطنين إلى المشاركة في الاحتفالات المحلية بدلامن الفعالية المركزية في واشنطن، معتبرين أن المناسبة الوطنية تحولت إلى منصة لتلميع صورة الرئيس.
وقال الصحافي غريغ سارجنت إن ما يحدث يمثل “ذروة الحكم الشخصاني”، فيما رأى مات غيرتز أن ترامب «لا يفصل بين شخصه والدولة، ويتعامل مع الاحتفال بعيد ميلاد الولايات المتحدة كما لو أنه احتفال بشخصه».
تزامنًا مع احتفال الولايات المتحدة، اليوم، بالذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال، أثارت المناسبة نقاشًا واسعًا وانتقادات بشأن دلالاتها التاريخية والواقع الذي تعيشه البلاد، إذ يرى العديد من المحللين أن الذكرى تمثل فرصة لمراجعة تاريخ الولايات المتحدة ومسارها الديمقراطي، وليس مجرد الاحتفاء به.
ويعتبر هؤلاء المحللون أن الاحتفال لا ينبغي أن يتجاهل ما يصفونه بسجل طويل من العنصرية وإبادة السكان الأصليين والتوسع الإمبريالي، مؤكدين أن هذه المحطات لا تزال تلقي بظلالها على المجتمع الأمريكي حتى اليوم.
ويشيرون إلى أن السكان الأصليين لا يجدون، من وجهة نظرهم، ما يدعو إلى الاحتفال بقيام دولة قامت على مصادرة أراضيهم وإخضاعهم، في وقت لا تزال فيه مجتمعاتهم تعاني الفقر والتمييز وتدني مستويات الرعاية الصحية والتعليم وفرص العمل.
كما يرى المحللون أن الأمريكيين السود ما زالوا يواجهون آثار قرون من العبودية والتمييز العنصري، فيما استغرقت النساء عقودًا طويلة للحصول على حقوقهن السياسية والاجتماعية، معتبرين أن الولايات المتحدة لا تزال متأخرة مقارنة بعدد من الدول التي وصلت فيها امرأة إلى سدة الرئاسة.
ويذهب عدد منهم إلى أن الذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال كان يفترض أن تكون مناسبة للتأمل في مسار الديمقراطية الأمريكية، إلا أنها تأتي، حسب تقديرهم، في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي يرون أنها تتبنى سياسات تتعارض مع المبادئ التي أعلنها الآباء المؤسسون.
ويؤكد هؤلاء أن التاريخ الأمريكي لم يكن مسيرة متواصلة نحو الحرية، وأن عبارة “جميع الناس خُلقوا متساوين” الواردة في إعلان الاستقلال كانت، عند صياغتها، مطبقة عمليًا على الرجال البيض من ملاك الأراضي، ولم تشمل النساء أو السود أو السكان الأصليين.
كما يوجه عدد من المحللين انتقادات حادة لإدارة ترامب، معتبرين أنها عززت صلاحيات السلطة التنفيذية وأضعفت بعض المؤسسات الديمقراطية، وتراجعت عن عدد من الحقوق المدنية، فيما يرى آخرون أن المحكمة العليا أسهمت في توسيع صلاحيات الرئيس من خلال بعض أحكامها الأخيرة.
ويحمّل هؤلاء أيضًا مسؤولية هذا المسار إلى مجموعة من القوى السياسية والاقتصادية والإعلامية، من بينها المحكمة العليا، وكبرى الشركات، ومؤسسات إعلامية، وجماعات إنجيلية، وشبكات ضغط مؤيدة لإسرائيل، معتبرين أنها لعبت دورًا في ترسيخ هذا النهج.
ورغم هذه الانتقادات، يشدد العديد من المحللين على أن إعلان الاستقلال الأمريكي يبقى من أهم الوثائق السياسية في التاريخ الحديث، لأنه أرسى مبادئ الحكم القائم على موافقة المحكومين، والحقوق الفردية، وحق الشعوب في مقاومة الاستبداد، وهي المبادئ التي ألهمت العديد من الثورات وحركات التحرر في أنحاء العالم، من الثورة الفرنسية إلى استقلال فيتنام.
ويشيرون إلى أن الزعيم الفيتنامي هو تشي منه استلهم إعلان الاستقلال الأمريكي عند إعلان استقلال بلاده عام 1945، لكنه وسّع مفهوم المساواة ليشمل جميع شعوب العالم، وليس الأفراد فقط.
ويخلص المحللون إلى أن الاحتفال الحقيقي بالذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال ينبغي أن يركز على المبادئ التي تضمنتها الوثيقة، وفي مقدمتها الحرية والمساواة وحق الشعوب في محاسبة الحكومات التي تنتهك حقوقها، مع الإقرار بأن الولايات المتحدة لا تزال، من وجهة نظرهم، بعيدة عن تحقيق هذه المبادئ بصورة كاملة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك