في ذكرى مرور ألف يوم على الحرب التي اندلعت عقب 7 أكتوبر، هاكم بعض الملاحظات الأولية حول الوضع.
لم ينتج الإخفاق الأخطر في تاريخ إسرائيل القصير عن سبب واحد، بل عن ثلاثة إخفاقات مجتمعة: إخفاق استراتيجي (تتحمل القيادة السياسية مسؤوليته بالدرجة الأولى)، وإخفاق استخباري واسع النطاق وكارثي، وانهيار دفاعي.
انهارت الاستراتيجية الإسرائيلية فيما يتعلق بالساحة الفلسطينية، التي تمحورت في عهد نتنياهو حول الفصل الكامل بين السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وحكومة حماس في غزة.
وفشلت أيضاً سياسة الاحتواء التي التزم بها نتنياهو بدعم من المؤسسة الأمنية.
وقد زاد رئيس الحكومة الطين بلة بتجاهله الممنهج لسلسلة التحذيرات التي وضعت على مكتبه، في ضوء الانقلابات والاحتجاجات ضده والشرخ الذي امتد إلى الاحتياط.
وهذا الفشل الاستخباري بقراءة خاطئة، بل ومخالفة للواقع أحياناً، تعلق لنوايا حماس.
ويزداد هذا الخطأ مع سرقة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية لخطة هجوم حماس، المعروفة في إسرائيل باسم “جدار أريحا”.
فقد تم تسريب 5 نسخ من الـ 10 نسخ للخطة في الأعوام 2018 – 2022.
مع ذلك، تجاهلت الاستخبارات أهميتها.
ولكن الفشل الدفاعي نتج عن اعتماد أعمى على تحذيرات استخبارية مبكرة، التي لم تصل: فقد أبقى الجيش الإسرائيلي، بمعرفة من الحكومات، على قوة صغيرة قوامها 700 مقاتل فقط للدفاع عن الغلاف خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وقد نجح الهجوم الذي أطلقت عليه حماس اسم “طوفان الأقصى” في اختراق سد الدفاع خلال دقائق، واجتاح تسونامي مدمر بلدات الغلاف.
في المستقبل سيتعين على الجيش الإسرائيلي التخلص من نزعة التفكير الجماعي وإسكات أصوات انتقادية، وكذلك التخلي عن الانغماس المهني في الدفاع، الذي يقوم جوهره على الانضباط الصارم والروتيني، الأمر الذي يتعارض مع الـ دي.
إن.
إي العلني.
يبدو أنه لم يكن هناك أي خيار إلا غزو إسرائيل لقطاع غزة.
كان قادة حماس على حق في الافتراض بأن الحكومة ستأمر الجيش الإسرائيلي باحتلال القطاع رداً على ذلك.
نجاح الهجوم لم يشجع الحركة على إظهار مرونة في المفاوضات حول الرهائن، ولم يترك الضغط الشعبي في إسرائيل أي خيار عملي آخر.
إن العملية البرية داخل منطقة مكتظة بالسكان، كان من المستحيل إخلاء كل السكان منها، أدت إلى مذبحة جماعية للمدنيين الفلسطينيين (حوالي ثلثي الضحايا الذين تجاوز عددهم 72 ألف غزي)، ووجدت إسرائيل في مأزق دولي خطير.
هذه الخطوة أضعفت حماس بشكل كبير، ومن المرجح أن يمنع شن هجوم عسكري واسع النطاق على الغلاف في السنوات القادمة.
ولكن خلافاً لوعود نتنياهو، لم تؤد إلى تفكيك المنظمة وتحقيق النصر الكامل.
فحماس ما زالت تقريباً تسيطر على نصف القطاع وسكانه.
بقيت الجبهات مفتوحة، وخلافاً للعقيدة الأمنية الإسرائيلية امتدت الحملة إلى حرب استنزاف على كل الجبهات.
في نهاية المطاف، تم فرض اتفاقات وقف إطلاق نار، بعضها غير مكتمل، وبعضها غير مستقر، من قبل إدارة ترامب، في غزة (تشرين الأول 2025)، وفي إيران ولبنان (حزيران 2026).
وقد أدت القيود السياسية الداخلية لنتنياهو، الذي جعل بقاء حكومته هدفه الأسمى، إلى تأخير صفقات الرهائن ومنعت ترجمة الإنجازات العسكرية الكبيرة إلى خطوات ذات أفق سياسي.
وهكذا تبددت بارقة أمل في إقامة بديل فلسطيني يقوم على حكم السلطة الفلسطينية، لحماس في قطاع غزة.
كان البديل الذي طرحه رئيس الحكومة هو إقامة مناطق أمنية في لبنان وسوريا وقطاع غزة، ولكنه بدلاً من تحقيق النصر المطلق تحول إلى التحدث عن رؤية حرب دائمة.
الإنجاز الذي تآكل في لبنان كان في الحملة الأولى ضد حزب الله في صيف وخريف 2024، كان هو النقيض التام للفشل الذريع.
كانت إسرائيل تستعد لها لعقد من الزمن، واتخذت زمام المبادرة بنوع من المفاجأة ووجهت للعدو سلسلة ضربات قاسية.
كان وقف إطلاق النار الذي فرضته في نهاية الجولة الأولى مناسباً لها.
لم تكن هذه هي الحال في الحملة الحالية قبل أربعة أشهر، التي كانت امتداداً للجولة الثانية في إيران.
فقد شن الجيش الإسرائيلي هجوماً دون خطة عملياتية مناسبة، ما أدى إلى فوضى عارمة في لبنان، ويطلب منه الآن الحفاظ على نطاق أمني واسع نسبياً، في ظل نقص حاد في المقاتلين، بينما استعاد حزب الله ثقته بنفسه بعد أن كان حاضراً بقوة في الساحة السياسية.
الوضع أسوأ مع إيران.
فقد أدت حرب الـ 12 يوماً في إيران في حزيران السنة الماضية إلى نتائج إيجابية، حيث تضرر المشروع النووي والبرنامج الصاروخي، وقتل الكثير من كبار المسؤولين الحكوميين، ودفع قمع إيران احتجاجات في كانون الثاني الماضي، نتنياهو وترامب إلى الرهان على خطوة خاطئة لإسقاط النظام، وكانت النتيجة حرباً عبثية استمرت بشكل متقطع لثلاثة أشهر ونصف، خرج منها النظام أكثر قوة رغم اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي.
واستعراض القوة المنوي إجراؤه في إيران في نهاية هذا الأسبوع، بالتزامن مع جنازة المرشد الراحل، ليس مجرد استعراض للقوة أو استعراض للمظاهر الخارجية.
لقد تعزز موقفها في ضوء الاتفاق، وأدت الحرب إلى توتر غير مسبوق بين إسرائيل والولايات المتحدة.
تدهور قيمي وانضباطي لدى الجيش الإسرائيلي: الفظائع التي ارتكبتها حماس في القطاع هزت المجتمع الإسرائيلي.
وقد فرض الخوف الحقيقي على إسرائيل، إلى جانب الرغبة في الانتقام، جزءاً كبيراً من التحركات، بدءاًبقرارات الحكومة والمجلس الوزاري وانتهاء بسلوك الجنود والقادة في الميدان.
وقد برر الرأي العام في معظمه هذه التصرفات التي لم يعد ممكناًوصفها بأنها استثناءات.
في ظل تآكل قيمه القتالية، يحتاج الجيش إلى إعادة ضبط المعايير وفرض الانضباط.
ومشكوك فيه أن يحدث ذلك في وقت يخدم فيه جنود الاحتياط تقريبا 100 يوم في السنة.
وقد نسي الجيش النظامي بالفعل ما هو التدريب.
صدمة جماعية: تركت التجارب الصعبة في القتال، وأحياناً حالات “الصدمة المعنوية” التي لحقت بالمقاتلين، المجتمع الإسرائيلي في حالة ما بعد الصدمة.
وحسب بيانات لوزارة الدفاع أمس، فإن حوالي 65 في المئة من المصابين الذين يبلغ عددهم 26.
200 مصاب تقريباً، الذين حصلوا على العلاج في قسم إعادة التأهيل، يسعون إلى العلاج بسبب المعاناة من مشكلات نفسية، وربما يرتفع هذا العدد في السنوات القادمة نتيجة تأخير الاعتراف أو تأخير الطلب، حتى لو لم تستمر الحرب بكثافة عالية.
هذا عالم يعدّ فيه الجيش و”الشاباك” المتهمين الوحيدين بإخفاقات 7 أكتوبر، في وقت يصبح فيه “عدم إيقاظ نتنياهو قبل الساعة 9: 29 صباحاً”إعفاء من المسؤولية عما حدث (مع أنهم يقولون بأن ذلك لا يعفي يوآف غالانت، الذي لم يتم إيقاظه هو الآخر).
كلما تجرأ أحد على كشف الأكاذيب تعرض لهجوم شرس.
كان آخر ضحايا هذا الهجوم اللواء المتقاعد نيتسان ألون، الذي ترأس قيادة أسرى الحرب والمفقودين في الجيش الإسرائيلي خلال الحرب.
وقد صرح ألون مؤخراً في مؤتمر هرتسليا بأن معارضي الاتفاق في الحكومة أحبطوه وتسببوا بشكل غير مباشر في قتل المخطوفين.
بل ذهب الوزير عميحاي الياهو إلى أبعد من ذلك حين قال “بسبب ألون والمفهوم، تم اختطاف وقتل أشخاص”.
هذا بالطبع افتراء، ولكن عندما يتعلق الأمر بالسلطة يصبح كل شيء مباحاً.
لقد أثار مزاح نتنياهو في القناة 14 حول فقدان الوزن خلال الحرب ضجة كبيرة في الشبكات الاجتماعية.
لا يبدو أنها زلة لسان مثلما تفاخر رئيس الحكومة من جديد بإعادة جميع المخطوفين، وتساءل عن عدم وجود تصفيق للجمهور في الأستوديو.
يصعب تحديد أي من تعليقاته مخطط له مسبقاً، وأي منها يعكس تعنت نتنياهو وحاشيته المستمر.
نظمت العائلات الثكلى وعائلات المخطوفين مظاهرات في أرجاء البلاد أمس، وطالبوا بتشكيل لجنة تحقيق رسمية – وهي قضية ستكون محور الحملة الانتخابية القادمة.
ولتحقيق تعافٍ حقيقي من الكارثة، يجب تشكيل لجنة مختصة وإعادة فتح باب النقاش حول توزيع أعباء الخدمة العسكرية وإلغاء الإعفاءات المعطاة للحريديم، وهذه أمور لن تتحقق ما دام نتنياهو رئيساً للحكومة.
في غضون ذلك، في سياق آخر، لم تكن الولايات المتحدة في إيران وإسرائيل في لبنان وقطاع غزة، القوتين العسكريتين الوحيدتين اللتين انخرطتا في حروب استنزاف في السنوات الأخيرة، ضد قوى كانت نظرياًأضعف منهما؛ فقد سبقت روسيا إسرائيل بسنة ونصف، بهجومها الطائش والإجرامي على أوكرانيا، التي اعتقد الرئيس فلاديمير بوتين أن جيشه قادر على هزيمتها خلال أيام.
في هذا الأسبوع، بعد مرور أكثر من أربع سنوات، قدرت “نيويورك تايمز” أن الطرفين خسرا معاً أكثر من 2 مليون جندي، معظمهم من الروس.
وحسب موقع “فورن بوليسي”، فإن نسبة الخسائر على الجبهة في الفترة الأخيرة هي 8: 1 في غير صالح روسيا.
ما علاقة ذلك كله بإسرائيل؟ هناك استنتاجات رئيسية، الأول عملي وتقني؛ لطالما كانت إسرائيل في طليعة الجيوش في العالم التي انخرطت في تطبيق أنظمة الهجوم التي تدار عن بعد، لكن ما يحدث في أوكرانيا، وبدرجة أقل مع إيران وحزب الله، يشير إلى أن المركبات غير المأهولة تستخدم على نطاق واسع.
وتشير الخسائر الفادحة نسبياً التي تكبدها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان مؤخراً نتيجة الطائرات المسيرة المفخخة التي تعمل بالألياف الضوئية، لكن المسافة ما زالت بعيدة أمام تطبيق حلول دفاعية فعالة.
ويعتبر الأوكرانيون رواد المعركة في هذا المجال، وهم يتعاملون مع طائرات “شاهد” المسيرة التي زودت بها إيران الروس.
وربما تعاون أوثق مع أوكرانيا كان سيساعد الجيش الإسرائيلي على استخلاص الدروس.
لكن هذا يعتمد بدرجة كبيرة على إدراك الاستنتاج الثاني، وترتكب إسرائيل خطأ جسيماً ومستمراً برفضها اتخاذ الموقف الأخلاقي المطلوب عند غزو روسيا لأوكرانيا.
بدأ هذا خلال فترة الحكومة الانتقالية برئاسة نفتالي بينيتويئير لبيد، واستمر مع عودة نتنياهو إلى الحكم.
كان رؤساء الوزراء المتعاقبون يخشون معارضة روسيا علناً وإدانة جرائم الحرب الواضحة التي ارتكبتها ضد الأوكرانيين.
وفي حالة نتنياهو، فقد لعب ما اعتُبر صداقة شخصية واحتراماً متبادلاً بينه وبين بوتين، دوراً في ذلك.
وتصرف ترامب بشكل مشابه، لكن مع عودة رئيس معاد إلى البيت الأبيض، زادت أوروبا مساعدتها العسكرية والاقتصادية لأوكرانيا، وحققت بالتدريج المزيد من الإنجازات العسكرية.
الخطوة الأولى التي يجب على حكومة إسرائيل الجديدة اتخاذها، إذا هزم نتنياهو في الانتخابات، هي تحسين العلاقات مع أوكرانيا.
هذا هو العمل الأخلاقي الصحيح، ولكن يكتنفه أيضاً مكسب رمزي – ربما في تحسين ما في العلاقات مع الأوروبيين، وبالتأكيد في مراكمة معرفة تكنولوجية وعسكرية مفيدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك